بِقَلَم الدكتور أرنست الحجّار- أخصّائي في علم النفس المدرسيّ
إنَّ السلوكَ العُنفيّ يتفشّى أكثر فأكثر في بيوتِنا ومدارِسِنا وجامعاتِنا ومجتمعِنا. فنَلحَظُ أنَّ هذا السلوكَ يزدادُ عند الأولاد في البيوت والمدارس، وعندَ الشبابِ في المعاهد والكلّيات، وعندَ البالغين في الطرقات والأماكن العامّة. لم تعُد الطرق السلميّة والتربويّة والحضاريّة هي الوسيلة لحلّ النزاعات والخلافات، بل أصبح العنفُ هو سيّدُ الموقف!
ليسَ السلوك العُنفيّ انفعالاً أو ميلاً، بل هو عملٌ يهدفُ إلى أذيَّة الآخر. فلهذا السلوكِ أنواع كثيرة، نذكُرُ منها العنف الجسديّ، كالضرب باليد أو شدّ الشعر، أو العضّ أو الصفع؛ والعنف الكلامي كالصراخ والشتم؛ والعنف النفسيّ الذي يهدُفُ إلى التسّبب بضررٍ نفسيّ عند المُعنَّف وإلى تحطيم شخصيّته كالتوبيخ والتحقير والإهانة والتقليـل من شأن الولد أو المـراهق.
إنَّ العنف يولِّد العنف. نلحَظُ أنَّ التلاميذ الذين يعنِّفون رفاقهم في المدرسة هم معنَّفون في بيوتهم. فإنْ تعَّرضَ الولدُ للضربِ أو التعنيف من قِبَلِ والده أو والدته، تعلَّمَ هذا النمط مِن السلوك واستخدَمَهُ مع رفاقه في الملعب أو في أيِّ مكان آخر. كما أنَّ مشاهدة العنف تولِّدُ العنف. نعني أنَّ الأولاد أو الشباب الذين يشاهدون العنفَ الممارَسَ بين والدَيهم أو عبرَ وسائل الإعلام وتقنيّات الاتصال الحديثة، يتعلّمون العنف ويمارسونَه مع رفاقهم. كم هي كثيرة أفلام العنف والقتل والحرب وألعاب المصارعة على شاشات السينما والتلفاز ومواقع الإنترنت!
والغريبُ أيضًا أنَّ الأهل يشجّعون ثقافة العنف عند أولادهم، مِن خلال شراء ألعابِ الأسلحة، كالرشّاشات والبنادق والخناجر، فيعزّزون عندهم، منذ نعومةِ أظفارِهم، ثقافةَ العنف. ويردّدون غالبًا على مسامعهم “يلّي بيضرْبَك ضرُبو”، عِوَضَ أن يعلّموهم استعمال طرق أخرى كمراجعة المسؤولين في المدرسة مثلاً، وتدريبهم على حلّ النزاع بالهدوء والتواصل والتحاور.
إنّ نتائج العنف الممارَس على الأولاد عديدة، ندكُرُ منها مشاكل صحيّة وجسديّة، ثقة ضعيفة بالنفس وبالآخرين، إنطواء على الذات، عدوانيّة، شعور بالخوف والتوتّر، إحباط وشعور بالذنب، تشتّت ذهنيّ وعدم قدرة على التركيز، هروب من المنزل، إنحراف (إدمان، سرقة …)، تأخّر مدرسيّ وصعوبات تعلّميّة… وأخيرًا أدعو كلّ المربّين، آباءً وأمّهات، ومسؤولين ومدرّسين ومدرّسات في المدارس، وأناشدُ الشباب والأولاد، أن ينبُذوا العنف بكلّ أشكاله، وأن ينضَوُوا تحت راية اللاعنف، ساعين لتحقيق السلام في مجتمعنا، فتنتقِلُ عندئذٍ عدوى السلام إلى الوطن الحبيب، فكفانا عنفًا وقتالاً وقتلاً ودمارًا وتخريبًا.

