(جميع الحقوق محفوظة. النسخ ممنوع وأي استعمال لهذه المواد يحتاج إلى إذن مسبق مِن المؤلّفة بولا جهشان)
لم أختَر أن تكون لي صحّة مترديّة، فما مِن أحد يفرح بِدخول إلى المشفى باستمرار أو بِتناول كميّة هائلة مِن الأدوية يوميًّا. كنتُ أعاني مِن خلل في كهرباء الرأس، حالة صعبة العلاج وطويلة الأمد، ولم تظهر عوارض مرضي إلا بعد زواجي وإنجابي لابني وإلا لما كنتُ قبِلتُ اقحام غيري معي.
وهكذا بدأتُ أشعر بِدوار مفاجئ، يسبّبُ لي السقوط أرضًا أينما كنتُ، ما جعلَ مِن خروجي مِن البيت أمرًا خطيرًا، لذا سجَنتُ نفسي بين أربعة جدران وسكَنَني مللٌ عميقٌ أثَّرَ إلى حدّ كبير على نفسيّتي.
في البدء لاقيتُ اهتمامًا مِن باسم زوجي ومِن عائلته، الأمر الذي ساعدَني كثيرًا، خاصة أنّني بعدما تزوجتُ بأشهر قليلة فقَدتُ فجأة أبوَيَّ. ولكن مع مرور الوقت، لاحظتُ أنّ باسم بدأ ينزعج مِن نوباتي وبدل أن يركض لمساعدتي كما كان يفعل في السابق، أصبَحَ يماطل يوم أكثر مِن يوم، إلى حين وجدتُ نفسي أطلب الإسعاف لوحدي وأذهب إلى المشفى مِن دون أحد. حتى ابني ومنذ صغره، كان يهرب منّي عندما أصاب بالصرع ويذهب إلى غرفته ويقفل الباب وراءه، ومِن ثم بدأ يخرج مِن البيت كي لا يحتاج إلى تحمّل أوجاعي. أعلم أنّ مِن الصعب التعامل مع شخص مريض والعيش معه بصورة مستمرّة، ولكن لم يكن بِيَدي حيلة.
وحصَلَ ما لم أفكّر به يومًا، أي أنّ باسم أصبَحَ لدَيه حياة أخرى، مع امرأة أخرى، لأنّها كانت هي تتمتّع بصحّة جيّدة. وعلِمتُ بالأمر منه بعدما جاء وأخبرَني بكل بساطة أنّه بحاجة إلى رفقة إنسانة فرحة ونشيطة ليستطيع إكمال حياته، بعدما باتَ الوضع معي صعبًا جدًا.
ولا أدري لماذا ولكنّني لم أبكِ عندما سمعتُ الخبر، ربما لأنّني أدرَكتُ أنّني لن أستطيع تغيير رأيه، وسألتُ نفسي إن كان سيقبل أن يكون لي حبيبًا لو كان هو المريض وأنا المتعافية، أم أنّ على الزوجة وحدها أن تضحّي؟
وبعدما صِرتُ عبئًا ثقيلًا على زوجي الخائن وابني غير المبالي، حدثَت معجزة: أعطاني الأطباء دواءً جديدًا قضى على جميع أوجاعي والعوارض التي كنتُ أعاني منها، وفي غضون أشهر قليلة استرجعتُ عافية نسيتُ أنّها كنتُ أمتلكُها يومًا. وتغيّرَت حياتي بعد عشرين سنة مِن المعاناة.
في البدء لم أقل لأحد أنّني تحسّنتُ، خوفًا مِن أن تنتكس صحّتي مجدّدًا ويخيب أملي. وفي تلك الفترة ومع غيبة الصَرع والأوجاع، بتُ أرى الأمور والأشخاص بوضوح أكثر، فأدركتُ مدى وحدَتي داخل أسرتي الصغيرة وكم أنّ زوجي وابني هما مجرّدان مِن أي رحمة أو شفقة، فكنتُ أُترَك طوال الوقت مِن دون أي مساعدة أو مراقبة وكان مِن الممكن أن أموت مِن دون أن يدري أحد بالأمر.
وبعد أن تأكَّدتُ مِن أنّني تعافَيتُ، أخذَتُ قرارًا بأن أبدأ بالعيش كما يجب. فذهبتُ إلى السوق وابتعتُ الفساتين والأحذية والحلى كما لو أنّني لم ألبس يومًا أي شيء. ثم ذهبتُ إلى مصفّف الشعر وطلبتُ قصّة عصريّة، وتوجهتُ إلى أخصائيّة تجميل لأتعلّم كيف أستعمل المساحيق أضَع الماكياج. وأخيرًا أخذتُ موعدًا مع أخصائيّة تغذية واشتركتُ في نادٍ رياضي. فعلتُ كل ذلك في غضون يوم واحد، وعندما دخلتُ البيت في المساء تفاجأ زوجي لِدرجة أنّه لم يعد يعرف ماذا يقول:
– واو… تبدين… مختلفة.
– لا حبيبي… أبدو كما كنتُ عندما تعرَّفتَ إليّ.
– أستنتجُ أنّكِ تشعرين بتحسّن.
– شكرًا لأنّكَ سألتَ أخيرًا عن حالتي… نعم أشعر بتحسّن كبير!”
ودخلتُ الغرفة منهية الحديث. بعد ساعة، دقّ ابني الباب ودَخَلَ ليرى شكلي الجديد:
– أبي قال لي إنّكِ…
– أجل أنا شفيتُ وقرَّرتُ أن أهتمّ بنفسي… أليس ذلك ما كنتُ أفعله طيلة تلك السنين الصعبة؟ أهتم بنفسي لوحدي؟ علَّمتُك الحنان ولكنّكَ فضَّلتَ أن تأخذ أباك مثالًا لكَ لأنّ غَض النطر عن الواجب أسهَل مِن القيام به… كبَّرتُكَ وأطعَمتُكَ ودرَّستُكَ وذلك بالرغم مِن أوجاعي… استهلَكتَ جسَدي ومِن ثمّ رمَيتَه كما فعَلَ أبوكَ… لستَ طفلًا لأجد لك أي عذر… أنتَ فاسد وسيأتي يوم ويعاملكَ أولادكَ كما عاملتَني… أنصحكَ بالاهتمام بصحّتكَ جيّدًا.”
وبدأتُ أذهب إلى النادي وهناك أصبَحَ لديَّ أصدقاء جدد، صِرتُ ألاقيهم في المقهى حيث كنّا نجلس نضحك ونأكل. أمّا زوجي، فلم يعجبه هذا الوضع وحاوَلَ توجيه ملاحظة لي بشأن حياتي الجديدة فأجبتُه:
– إسمع يا… زوجي الحنون… إيّاك أن تتفوّه بكلمة واحدة، أنا لا أفعل شيئًا مُعيبًا أمّا أنتَ فمنذ سنين ولدَيكَ عشيقات ولم تخجل للحظة مِن نفسكَ. تركتَني لوحدي أعاني مِن مرَضي وكذلك فعَلَ ابنكَ الكسول والأنانيّ لأنّه قلَّدَ تصرّفكَ البشع. لديَّ حياة وسأعيشها كما أشاء، وإن كنتَ لا توافق عليها، فيمكننا أن نطلّق وسنرى لصالح مَن سيأتي الحكم يا… زوجي الوفيّ”!
نظرَ باسم إليّ وكأنّني مخلوقة عجيبة، وأعتقدُ أنّه لم يتخيّل يومًا أنّني سأتعافى وأصبح قويّة كفاية لأحاسبه على أفعاله.
بعد فترة قصيرة وجدتُ عملًا في مكتبة عامة وبدأَت الدنيا تبتسم لي، حتى أنّني وقعتُ أخيرًا على الذي كان سيصبح حبّ حياتي. وعندما تأكّدتُ مِن أني وجدتُ الرجل المناسب، واجهتُ زوجي بالأمر وطلبتُ منه أن يعيدَ لي حرّيتي:
– أنتَ لا تحبّني وأنا لم أعد أكنّ لكَ أيّة مودّة لأنّني لن أنسَ أبدًا معاملتكَ لي أثناء مرضي… لو كان لدَيكَ حيوانًا أليفًا لما تركتَه يتألّم وحده كما فعلتَ معي. نعم… مرَّت أوقات تمنّيتُ فيها أن أكون حيوانًا لأحظى بعاطفتِكَ… واليوم أريد أن أفتحَ صفحة جديدة ولكن مِن دونكَ… أريد الطلاق.”
وأدركَ باسم مدى جديّتي وأعطاني ما أردتُه، ثم غادَرَ البلاد مع ابننا. أنا اليوم امرأة سعيدة، أعيش قصّة حب جميلة مع زوجي الثاني وأسأل نفسي دائمًا ما كان سيحصل لي لو لم أشفَ مِن مرضي…
(المزيد مِن القصص الواقعيّة والمشوّقة في كتابي الذي سيصدر قريبًا جدَّا في الجزائر!)


