“يوم عادَت أمّي إلينا”

(جميع الحقوق محفوظة. النسخ ممنوع وأي استعمال لهذه المواد يحتاج إلى إذن مسبق مِن المؤلّفة بولا جهشان)

لماذا اختارَت أمّي أن تعود في ذلك الوقت بالذات؟ حينها لم يكن لدَيَّ جواب على هذا السؤال، خاصة أنّني لم أكن قد رأيتُها منذ أكثر مِن عشرين سنة. كنتُ في الثالثة مِن عمري عندما قرّرَت والدتي أن ترحل وتكمل حياتها في مكان آخر. تركَت وراءها بنتَين وزوج، مِن دون أن تنظر حتى خلفها. عملنا جهدنا لتدبير أمورنا بمساعدة جدّتي وعمّتي التي لم تتزوّج لتعتَني بنا. قضى أبي وقته بالعمل ولم يجرؤ على الاقتران بامرأة أخرى خوفًا مِن أن تتركه أو أن تسيء معاملتنا. ومع الوقت تخطَّينا تلك المرحلة الصعبة وباتَ لنا حياة طبيعيّة مِن كل النواحي.
وذات نهار، جاءَ والدي إلى غرفتنا وقال لنا مِن دون مقدّمة:
– نوال… أعني أمّكما، إتصلَت بي البارحة… عادَت مِن فرنسا وهي في البلد الآن وتريد رؤيتنا جميعًا.”
نظَرتُ إليه بدهشة وسألتُه:
– وماذا قلتَ لها؟؟؟
– قلتُ لها إنّني سأستشيركما.”
بدأَت شقيقتي بالبكاء، أمّا أنا فامتلأ قلبي بالغضب وصرخَتُ:
– كان عليكَ إقفال الخط بوجهها! يا لوقحتها! هل تظنّ أنّ باستطاعتها العودة بكل بساطة بعد عشرين سنة مِن الغياب؟ تعود بعدما كبِرنا ولم يعد عليها الاعتناء بنا؟
– دَعينا نسمح لها بالمجيء وسنرى ماذا تريد.
– لطالما كان قلبكَ ضعيف فيما يخصّها… تركَتكَ! ما بالكَ؟؟؟ هل أنا الوحيدة التي تعي ما فعلَته تلك المرأة بنا؟ لا أريد أن أراها!”
وخرَجتُ مِن الغرفة وأنا أغلي مِن الغضب والكره، لأنّني لم أنسَ العذاب النفسيّ والاجتماعيّ الذي مرَّيتُ به. فإلى جانب شعوري الدائم بأنّ التي أنجبَتني تخلَّت عنّي، كنتُ بنظر الناس الطفلة التي تكبر بلا أمّ ويشفق عليها الجميع. بالرغم مِن كل ذلك، إستطَعتُ شقّ طريقي والوصول إلى حياة أفتخر بها. ولكنّ شقيقتي كانت مِن رأي آخر. صحيح أنّها تكبرني بثلاث سنوات ولكنّها كانت تستشيرني دائمًا، ولكن في تلك المرّة كانت وعلى عكسي تودّ رؤية أمّنا، ربّما لأنّها كانت تتذكّرها أكثر منّي وتحنّ إلى الماضي السعيد. وعمِلَت جهدها لتُغيّرَ رأيي ولكنّها لم تنجح. عندها أخبرَتني أنّها ستقابلها مِن دوني وشعَرتُ وكأنّها بذلك تخونني لأنّنا اجتزنا كل الصعوبات سويًّا ولم يفرّق شيء أو أحد بيننا. فقرَّرتُ أن ألجأ إلى التي حلَّت مكان أمّي أي عمّتي العزيزة. أخَذتُ حقيبة صغيرة وذهبتُ أقضي بضع أيّام عندها في الجبل. كنتُ متأكّدة مِن أنّني سأجد بها حليفة قويّة ستساعدني على منع أبي وأختي مِن رؤية والدتي. 
إستقبلَتني عمّتي بفرَح كبير فلطالما كنتُ المفضّلة لدَيها. وبعد أن وضَعتُ أمتعَتي في الغرفة المخصّصة لي، جلَسنا سويًّا في الصالون. كان المنزل فارغًا بعدما توفّيَت جدّتي قبل سنوات قليلة وامتلأَت عَينايَ بالدموع عند تذكّرها. مِن ثمّ عرَضتُ على عمّتي مشكلتي فأجابَت:
– كنتُ على علم بعودتها… أخبرَني أبوكِ أنّها كلّمَته عبر الهاتف.
– وماذا قلتِ له؟
– لا شيء… هذا ليس مِن شأني.
– بلى… لأنّكِ كرَّستِ حياتكِ مِن أجل تربيتنا… لولا رحيلها لكان لدَيكِ عائلة… كلّ هذا حصَلَ بسببها! أنا بحاجة إلى مساعدتكِ… لا أريد أن تظنّ تلك المرأة أنّ بإمكانها محو سنين بلحظة واحدة.
– لا تقحميني بهذه المسألة أرجوكِ.
– لا أفهمكِ! لا أفهم أبي ولا أختي! لا أفهم لماذا أنا الوحيدة التي تريد أن تحاسب والدتي على تركنا؟ هل أنا شرّيرة إلى هذا الحدّ؟ لا أظنّ ذلك، بل أنا عادلة! ما بكِ يا عمّتي؟؟؟
– لا تتعبي نفسكِ حبيبتي… لن أغيّر رأيي… هذه الأمور لا تعنيني.”
وفي اليوم التالي، عاَودتُ المحاولة وكذلك في اليوم الثالث ولكن مِن دون جدوى. ثمّ حزَمتُ حقيبتي وعُدتُ خائبة الأمل إلى المنزل. وبما أنّني لم أستطع التأثير على الباقين، قرَّرتُ أنّني سأكون الوحيدة التي لن تقابل والدتي. وعندما جاءَ موعد اللقاء، خرَجتُ مِن البيت في الصباح الباكر ورحتُ أقضي النهار كلّه عند صديقة لي، ولم أعد إلّا في وقت متأخّر جدًّا لأكون أكيدة مِن أنّ أمّي رحَلَت. 
عند عودتي، وجَدتُ أبي وأختي في الصالون يشاهدان التلفاز. ألقَيتُ التحيّة عليهما وتوجَّهتُ إلى الغرفة لأنام فلم أكن أريد أن أعلم بالذي حصل. ولكن حين دخلتُ الغرفة وجَدتُ امرأة نائمة في سريري. وبالرغم مِن أنّني لا أتذكّرها، علِمتُ فورًا أنّها أمّي. إنتابَني غضب شديد وركَضتُ أنزع عنها الشرشف التي كانت قد التفَّت به وصرَخَتُ:
– يا لوقاحتكِ! جئتِ تنامين في سريري!”
واستفاقَت والدتي مِن نومها ونظرَت إليَّ وأدرَكتُ فورًا أنّها مريضة، فما رأيتُه كان بالفعل محزن: كانت شديدة الضعف ولونها شاحب والسواد تحت عَينَيها كان مخيفًا. سكَتُّ وامتلأت عَيناي بالدمع. أمّا هي، فابتسمَت لي وقالَت بصوت خافِت:
– نِمتُ في سريركِ لأشمّ رائحتكِ… لم أكن متأكّدة مِن أنّني سأراكِ الليلة… أعذريني.”
لم أجبها إلّا بعد ثوان:
– عودي إلى النوم… سترَينَني بعد أن ترتاحي.”
أعدتُ تغطيتها وخرَجتُ مِن الغرفة بعدما أغلَقتُ الباب ورائي. ذهَبتُ إلى الصالون وجلَستُ مع والدي وشقيقتي مِن دون أن أتفوّه بكلمة. كسَرَ أبي هذا الصمت الثقيل قائلًا:
– أرأيتِ حالتها؟
– نعم… ممّا تشكو؟
– إنّها مريضة جدًّا وجاءَت لتودّعنا… لم يبقَ لها سوى أيّام… لا تكوني قاسية معها… أنتِ فتاة طيّبة وحنونة… إحسبيها امرأة غريبة جاءَت إليكِ.”
هزّيتُ برأسي بِصمت لأنّني طوال طفولتي انتظَرتُ عودتها وصلَّيتُ لأراها ولو مرّة في حياتي، وها هي نائمة في سريري قبل أن تغادر مجدّدًا ولكن مِن دون عودة. 
بكيتُ بقوّة وعانقَتني شقيقتي وبكَت معي. جلَسنا هكذا صامتَتين أمام التلفاز غارقتَين بأفكارنا نحاول تقييم الوضع وكيفيّة التعامل معه. وبعد حوالي الساعة، قمتُ مِن مكاني ودخَلتُ الغرفة على مهل. كانت أمّي لا تزال نائمة فجلَستُ في الظلمة أنظر إليها. شعرَت بوجودي، فاستيقظَت وابتسمَت لي قائلة:
– هل أخبروكِ؟
– أجل…
– أعلم أنّكِ غاضبة منّي ومعكِ كل الحق… لا أطلب منكِ أن تعذريني على ما فعلتُه بكم ولكنّني آنذاك كنتُ شابّة ولم أكن أدرك فظاعة أفعالي… تزوّجتُ مِن أبيكِ مِن دون أن أحبّه، بل لأهرب مِن بيت سادَ فيه العنف اليوميّ… إعتقدتُ أنّني سأستطيع العيش مع والدكِ لكنّني لم أتمكّن مِن ذلك. أنجَبتُ شقيقتكِ ثمّ أنتِ وبالرغم مِن حبّي لكما، شعَرتُ بالحاجة إلى ترك كل شيء واختيار الحياة التي أريدها فعلًا. وحتى عندما رحَلتُ لم أكن سعيدة، لأنّ الحزن كان في داخلي وحمَلتُه معي أينما ذهبتُ ومهما فعلتُ… أبي الظالم كان قد قضى على أيّ فرصة لأكون سعيدة… فكَّرتُ مرارًا بالعودة إليكم ولكنّني لم أجرؤ على ذلك… وعلِمتُ أنّ جدّتكِ وعمّتكِ كانتا تهتمان بكما جيّدًا، فارتاحَ قلبي. ولكن كان عليّ المجيء لأودّعكم وأطلب السماح منكم لأرحل بسلام… والألم الذي أنا فيه الآن هو أخفّ بكثير مِن الذي شعَرتُ به عندما عشتُ بعيدة عنكم… هل لكِ أن تمسكي بِيدي قليلًا؟ حلِمتُ بذلك سنينًا طويلة.”
مسكتُ بِيدها الهزيلة وقبَّلتُها وأنا أبكي. وضَعتُ رأسي على كتفها وأغمَضتُ عَينَيّ لأخزّن في قلبي الدفء الذي حُرِمتُ منه طوال حياتي. بقينا هكذا إلى أن غفَوتُ. 
عندما استيقَظتُ في الصباح وجدتُ أمّي باردة. كانت قد فارقَت الحياة والبسمة على وجهها. أقَمنا لها مأتمًا جميلًا وودَّعناها لآخر مرّة. وبالرغم مِن حزني الشديد، شعَرتُ براحة عميقة لأنّني رأيتُها قبل أن تموت وقضَيتُ معها آخر ساعاتها بعدما فهِمتُ سبب تركها لنا، وأنّها إنسانة حاوَلت إيجاد نفسها ونسيان طفولة قاسية، وأنّها عاشَت تعيسة بعيدة عنّا وقرَّرَت أن تموت بيننا، أي بالمكان الذي لم يكن عليها تركه. 
وعندما تزوّجتُ وأنجَبتُ ابنتي، أسميتُها نوال تيمّنًا بأمّي ليبقى أثرٌ مِنها بقربي دائمًا. وبعد فترة قصيرة تزوّجَت أختي ثمّ وجَدَ أبي زوجة جديدة، وكأنّ رجوع أمّي كان قد رفَعَ عنّا لعنة كانت ستقودنا إلى حياة كلّها بئس وتعاسة.


إن أعجبَتكم القصة انقروا على الصورة أدناه لمعرفة المزيد عن كتابي






لمتابعتي على الفيسبوك انقروا على الرابط أدناه واتبعوا التعليمات لتتمكّنوا مِن معرفة كل جديد

أضف تعليق