“أنسيتَني، يا أخي؟”

(قصصي محميّة بقانون الملكيّة الفكريّة ويُمنَع منعًا باتًا نسخ هذه القصص تحت طائلة الملاحقة القانونيّة ودفع غرامة ماليّة)

كنّا عائلة متماسكة، نحمي بعضنا ونغار على مصالح جميع أفراد أسرتنا الصغيرة. لم يكن لدَيّ سوى أخ واحد وتربيّنا على الاهتمام ببعضنا، لِدرجة أن اعتقَدَ الناس أنّنا توأمان وذلك بالرغم مِن الثلاث السنوات التي تفصل بيننا ومِن أنّه صبيّ وأنا بنت.

فعندما توفّيَ والدانا، لم أشعر بالقلق لأنّني كنت واثقة مِن أنّ وليد سيرعاني، خاصة أنّه كان قد بدأ العمل لدى محام كبير بعد تخرّجه بدرجة ممتاز مِن كليّة الحقوق. أمّا أنا، فكان لدَيَّ سنة بعد لأخوض معركة الحياة ومزاولة مهنة هندسة الديكور.

وكان لدَيَّ صديقة أحبُّها كثيرًا وأعرفُها منذ ما كنّا في المرحلة الابتدائيّة، وكانت ربى بالنسبة لي الأخت التي لم ينجبها والدايَ. كنتُ قد شعرتُ أنّ ربى معجبة بوليد وخطَرَ على بالي أن أقرَّب بينهما، وفرحتُ كثيرًا عندما نجَحتُ بربط أعزّ شخصَين على قلبي ببعضهما. وبعد أن خرجا سويًّا فترة سنة، قرَّرا أن يتزوّجا. وبعد زواجه بفترة قصيرة، إرتأى أخي أنّ عليّ ترك بيت أهلنا والعيش معه ومع زوجته لأنّ منزلهم الجديد أكبر وأقرب إلى مكان عملنا جميعًا. في البدء رفضتُ بقوّة، فلم أكن أريد أن أزعج أحدًا ولكنّه استطاعَ إقناعي بالقول:

– لن أترككِ لوحدكِ… أنتِ كل ما لدَيَّ يا أختي.

– الآن لديكَ ربى.

– صحيح ذلك ولكنّها ليست مِن لحمي ودمي… لن أحبّها يومًا أكثر منكِ.

– لا أريد أن أفرض نفسي على أحد…

– ربى صديقتكِ قبل أن تكون زوجتي وأنا متأكّد مِن أنّها ستكون سعيدة جدًّا لأنّكِ بقربها. ولا تنسي أنّكِ بدأتِ بالعمل وستغيبين فترة النهار كلّه.”

وهكذا انتقلتُ للعيش معهما وحضَّرتُ نفسي لحياة جميلة وهنيئة، ولم أتصوّر ولو للحظة أنّ الناس يمكنهم أن ينسوا بسهولة صداقتهم أو حتى أقرب صلة لهم مع الآخرين.

في البدء جرى كل شيء كما توقَّعتُ، أي أنّنا كنّا نعيش بتناغم، خاصّة أنّنا لم نكن نلتقي سوى في المساء بعد أن نعود مَن أشغالنا لنتناول العشاء سويًّا وننام. ولكن سرعان ما وجدَت ربى نفسها حامل وبدأَت تستعدّ هي ووليد لمجيء طفلهما. كانت الفرحة عارمة في المنزل وعمِلتُ مِن كل قلبي على تصميم ديكور غرفة المولود. ولكن قبل الولادة بشهر واحد قال لي أخي:

– أختي الحبيبة… لدَينا مشكلة صغيرة… ربى لن تستطيع الاهتمام بالمولد على الأقل في الفترة الأولى وذلك بسبب عملها… وسيكون لدَينا مصاريف كثيرة لا تسمح لنا جلب مربيّة…

– وما دخلي أنا؟

– لِمَ لا تتركين عملك… لبضع أشهر فقط.

– أترك عمَلي؟ ولَما لا تترك ربى عملها؟؟؟

– مسؤوليّاتها كثيرة… منصبها في المصرف لا يسمح لها بالتغيّب أكثر مِن فترة إجازة الأمومة القانونيّة… أعلم أنّني أطلب منكِ الكثير ولكن أنتِ مصمّمة ديكور…

– أهذا يعني أنّ عملي ليس مهمًّا كفاية؟

– لا… لا… ولكن… بإمكانكِ إيجاد أي عمل آخر لاحقًا، أمّا ربى فعمِلَت بجهد لنَيل هذا المنصب وقليلون هم الذين يصلون إليه وبهذه السرعة.”

فكّرتُ بالموضوع مطوّلًا. في ظروف عاديّة لم أكن لأقبل ولكنّ أخي وزوجته كانا قد استضافاني في بيتهما وتقاسما معي كل شيء، فخجلتُ مِن نفسي واستقَلتُ مِن عملي وبدأتُ أساعد صديقتي بالاعتناء بطفلها، وحين عاودَت العمل أصبحتُ أقوم بذلك لوحدي. تعِبتُ كثيرًا لأنّني لم أكن معتادة على تربية الأطفال ولكنّني فعلتُ ذلك مِن كل قلبي.

إلّا أنّ ربى أصبحَت تتّكل عليّ بكل شيء، حتى أنّها لم تعد تستفيق في الليل عندما يبكي ابنها وكان عليّ أن أركض لإطعامه أو أغيّر حفاضه كي تستطيع هي وزوجها أن يناما جيّدًا والنهوض بنشاط لمزاولة عملَيهما في الصباح. ولم تكتفِ ربى بذلك، بل طلبَت منّي أن أحضّر وجبات العشاء لأنّني، وحسب قولها، لدَيَّ ما يكفي مِن الوقت. حاولتُ أن أرفض ولكنّ وليد نظَرَ إليّ وقال:

– ربى على حق… أنتِ في البيت طوال النهار، أمّا هي فتعمل في المصرف وتعود متعبة… أنتِ فتاة منطقيّة وما نطلبه منكِ هو منطقيّ.”

إمتلأَت عَينايَ بالدموع لأنّني شعَرتُ أنّني أصبحتُ مربيّة وطاهية وأنّهما سيطلبان منَي قريبًا أن أنظّف البيت بأكمله. لم تكن تلك الحياة التي رسمتُها لنفسي، بل اعتقدتُ أنّني سأصبح مصمّمة ديكور مشهورة وأعمل على مشاريع ضخمة وأنال جوائز عالميّة.

وبعد مرور سنة على هذا النحو، طلَبتُ مِن أخي أن أتكلّم معه على انفراد. قلتُ له:

– أظنّ أنّ الوقت حان لأعود إلى عملي… قلتَ لي إنّ الوضع لن يطول ولقد ساعدتكما كثيرًا… عليّ مزاولة مهنتي قبل أن أنسى أصولها.

– ولكنّ زوجتي ليست مستعدّة بعد.

– كان لديها سنة بكاملها… هذا كان اتفاقنا.

– أجل ولكنّه تغيَّرَ… لا تنسي أنّني أهتمّ بكِ…

– أنتَ أخي الكبير وهذا مِن واجبكَ… هل تعتبره جميلًا عليَّ ردّه؟

– لا… ولكن…

– أظنّ أنّ مِن الأفضل أن أعود إلى منزل أهلنا… هكذا يستطيع كل منّا أن يعيش الحياة التي يريدها.

– ولكنّني بعتُ المنزل.

– ماذا؟ كيف تفعل هذا؟؟؟ ولماذا؟؟؟

– أخذَت ربى ثمنه لِتوظيفه في المصرف.

– ولماذا لم تخبرني أنّكَ تنوي بيعه؟ وكيف استطَعتَ التصرّف به مِن دوني؟ أليس لدَيَّ حصّة فيه؟

– لا… فلقد كتبَه أبي بإسمي منذ زمن بعيد.”

ولم أنتظر حتى ينتهي أخي مِن الكلام لأخرج. مشيتُ في الشارع أبكي مِن كل قلبي. كنتُ قد خسِرتُ كل شيء: المنزل وعمَلي وأخي وصديقتي، ولم أكن أريد الحياة التي فُرِضت عليّ مِن قِبَل أناس قرّروا استغلالي.

ولأنّني لم أجد مخرجًا لمصيبتي، رضَختُ للأمر الواقع وأصبَحتُ أقوم بكل شيء في منزل أخي.

وحتى ذلك الحين كنتُ أتحاشى أي مواجهة مع ربى، فكان كل حديثي مع شقيقي ولكنّني قرّرتُ أخيرًا أن أتكلّم مع التي أصبحَت زوجة أخي بفضلي. فقلتُ لها:

– إسمعي يا ربى… حسبتُكِ صديقتي… عرّفتُكِ إلى أخي لأنّني كنتُ متأكّدة مِن أنّكِ ستكونين سعيدة معه ولأنّني أرَدتُ أن تكوني موجودة في حياتي طوال الوقت… وليس لأصبح خادمتكِ… لقد خابَ ظنّي بكِ كثيرًا واتّضح لي أنّني أحبّكِ أكثر ممّا تحبّيني… بسببكِ خسرِتُ كل ما كنتُ أملكه والأهمّ مَن ذلك خسرتُ أخي.

– يمكنكِ الرحيل إذا لست سعيدة معنا.

– لا… لا يمكنني الرحيل لأنّكِ بعتِ منزلي.

– إذًا عليكِ القبول بشروطنا والعيش معنا حسب قوانيننا.”

إبتسمَت لي ونظرَت إليّ بتحدٍّ، وفي تلك اللحظة، شعَرتُ أنّني وقعتُ بفخّ لن أخرج منه أبدًا. واستسلَمتُ لواقعي وبدأ أخي وزوجته بالسفر والسهر وتركي لوحدي مع ابنهما وكأنّني فعلًا موظّفة لدَيهما.

ولكنّ القدر كان يخبّئ لي مفاجأة. فذات يوم رنَّ هاتف المنزل وإذ بقريبة لنا تتصل لتقول لي إنّها أُعجِبَت كثيرًا بما صمَّمتُه لغرفة ابن أخي ولتعرض عليَّ تصميم ديكور منزلها في الكويت. سرِرتُ جدًّا بفرصة عمل كهذه وقبِلتُ عرضها شرط أن تبقي الأمر سرًّا.

وبدأتُ أرسم ما تصورّتُه بعدما أخذتُ منها قياسات ومواصفات المنزل، وأرسلَت لي صورًا عن المبنى وجواره. وبعد مرور شهَرين، طلَبتُ منها القدوم خلال فترة قبل الظهر للنظر إلى نتيجة عملي. سُرَّت جدًّا بتصاميمي وقالت لي:

– أريدكِ أن تذهبي معي إلى الكويت لتشرفي على تنفيذ الأعمال… سأدفع لكِ جميع التكاليف وكل ما تطلبينَه… ستجدين فريق عمل بانتظاركِ.

– ولكن…

– إسمعيني… لديَّ العديد مِن العلاقات هناك وأنا متأكّدة مِن أنّ الكثير سيسلّمون منازلهم لكِ بعد أن يروا ما فعلتِ عندي… أنتِ موهوبة جدًّا… هذه فرصة مِن ذهب… فكّري بالموضوع.”

كنتُ أعلم أنّ عرضًأ كهذا لن يتكرّر مرّة أخرى وأنّها مناسبة جيّدة لتحقيق حلمي المهنيّ والخروج مِن المأزق الذي زجّني به أخي وزوجته. وبعد يومَين، إتصَلتُ بالزبونة وأخبرتُها أنّني موافقة ومستعدّة للسفر في أقرب وقت.

حزَمتُ حقيبتي مِن دون أن أخبر أحدًا وانتظرتُ حتى قبل ذهابي إلى المطار بِساعة واحدة لأقول لأخي إنّني راحلة. تفاجأ كثيرًا حتى أنّه نادى ربى لتسمع الخبر. نظَرتُ إليهما وقلتُ لهما:

– أشكركما على إيوائي هنا… أشكركما لأنّكما أطعمتَماني مقابل عملي كمربيّة وطاهية وخادمة… أشكركِ يا صديقتي لأنّكِ ألقيتِ عليّ كل مسؤولياتكِ ونسيتِ سنين الصداقة… أشكركَ يا أخي لأنّكَ أقنعتَني على ترك عملي وبعتَ منزل أبوَينا وأجبرتَني على العيش هنا لأخدم زوجتكَ… أشكركَ لأنّكَ نسيتَ صلة الدم الذي تربطنا مِن أجل امرأة غريبة لم تكن تعلم بوجودها حتى سنوات قليلة… أشكركَ لأنّك حاولتَ الوقوف بوجه مستقبلي لتستفيد منّي وتريح تلك الغريبة… لذا أنا راحلة ولن أشتاق لكما… لن أشتاق إلّا لابنكما الذي واكبتُه يوميًّا ورأيتُه يكبر وكأنّه ولَدي… وإذا أرَدتَ يومًا أن تراني مجدّدًا يا أخي العزيز، عليكَ أوّلًا أن تعي ما فعلتَه بي وتعتذر منّي وتُفهم تلك الناكرة للجميل أين حدودها. الوداع… فحياتي الجديدة تناديني.”

2 Comments اضافة لك

  1. أفاتار Ward chami Ward chami كتب:

    الاخ ليست كلمة تقال انما هو الشعور بالأمان والحماية.

    إعجاب

    1. أفاتار Paula jahshan بولا جهشان paulajahshan كتب:

      صحيح يا حبيبتي ❤

      إعجاب

أضف تعليق