(قصصي محميّة بقانون الملكيّة الفكريّة ويُمنَع منعًا باتًا نسخ هذه القصص تحت طائلة الملاحقة القانونيّة ودفع غرامة ماليّة)
مَن يلقي نظرة على أوراقي الثبوتيّة، سيتفاجأ بأنّ اسمي ليس وفاء بل نسرين وأنّ وراء هذه المفارقة قصّة مأساويّة.
كل شيء بدأ عندما تزوَّجَ أبي مِن أمّي وسكنا في شقّة ظريفة في العاصمة. كانا يحبّان بعضهما كثيرًا ولكنّ والدتي كانت تغار كثيرًا على رجل حياتها، لدرجة أنّها كانت تخلط بين الواقع والخيال.
ولسوء حظّها، كانت هناك امرأة جميلة تعيش في المبنى نفسه اسمها نسرين، ومعها تغيّرَت وجهة حياتنا. ولِكثرة جاذبيّتها، كان جميع السكّان الذكور معجبين بها، خاصة أنّها كانت ما زالت عزباء وتسكن مع والدتها العجوز، وكانوا يتهافتون لِعرض مساعدتهما، تحت حجّة أنّهما بحاجة إلى رعاية رجل. ومِن بينهم والدي الذي لم يفوّت فرصة لقرع بابهما كلّما عادَ مِن العمل.
وبالطبع كل ذلك لم يغِب عن انتباه والدتي التي كانت تجتمع في الصباح مع باقي الزوجات لإيجاد طريقة لِمَنع “الأفعى” مِن تخريب حياتهنّ. ولكنهنّ لم تجدنَ حلًّا لها، لأنّها لم تكن تفعل شيئًا غير أخلاقيًّا.
وبعد بضع أشهر، ولِدتُ وأصَرَّ أبي أن يسمّيني نسرين، وعلِمتُ لاحقًا أنّ شجارًا حادًّا دارَ بين والدَيَّ بشأن تسميَتي، ولكنّ والدتي لم تستطِع تغيير ذلك القرار المرير، فوجَدَت أنّ الحل الوحيد كان أن تختار لي اسمًا آخرًا تناديني به خلال تواجدي في البيت لتثبتُ لأبي أنّها غير موافقة على الذي يجري.
وهكذا كبِرتُ مع اسمَين. في البدء وجَدتُ صعوبة في أن أكون في نفس الوقت نسرين ووفاء، وعندما سألتُ أبي لماذا يناديني هكذا، قال لي:
– لأنّ هذا اسمكِ الحقيقيّ وهو مدوّن على شهادة ميلادكِ، أمّا الآخر فهو نتيجة صغر عقل أمّكِ… أعذرينا يا حبيبتي ولكنّ الكبار معقّدون بعض الشيء… ستفهمين عندما تكبرين.”
ولكنّ الأمور لم تقف عند ذلك الحدّ، بل ازدادَت سوءًا لأنّ أمّي لم تعد تفكّر سوى بتلك الجارة، إلى درجة أنّها بدأَت تهمل كل ما ليس له علاقة بالأمر. وبدل أن تعمل على أن تُنسي أبي أمر نسرين وتعامله بلطف، صارَت تصرخ به طوال الوقت وتعاتبه على أتفَه الأمور، لدرجة أنّه باتَ يفضّل المكوث خارج المنزل والعودة بعد أن تخلد إلى النوم. ولم نعد نراه كثيرًا وظنَّت الدتي أنّها انتصرَت بإثبات موقفها، ولكنّها خسرَت معركة ضدّ عدوّ لا وجود له.
وبعد فترة قصيرة، تركَت نسرين المبنى تاركةً أمّها لوحدها وارتاحَت كل النساء وقلَبنَ صفحة جديدة مع رجالهنّ ما عدا والدتي التي استمرَّت بسياستها وكأنّها لم تكن مستعدّة للتراجع. وبالرغم مِن غياب التي كانت السبب في خلافهما، لم تتحسّن الأجواء في البيت. أصبَحَ أبي يُلام على الأشياء التي كان سيفعلها لو بقيَت نسرين، وفضَّل أبي أن يضع حدًّا لجنون زوجته. فطلّقَها وارتاحَ مِن غيرتها العمياء ووعدَني بأنّه سيأخذني مِنها في المستقبل القريب. كنتُ في الخامسة مِن عمري حين قال لي:
– تحمّلي الوضع قليلًا… وتحمّليها هي… أنا لم أقدر على ذلك.”
وغادَرَ وسط صراخ والدتي وبكائها:
– إرحل أيّها الخائن المنحط! لا أريدكَ على أي حال! نحن أفضل بكثير مِن دونكَ.”
وبقينا نحن الاثنتَين وبما أنّه لم يعد هناك سوايَ، أخذَت أمّي تصبّ غضبها عليّ. فكلّما وقعَت عَيناها عليّ تذكّرَت اسمي وتلك الجارة وأنّ رحيل أبي كان بسببها، وكانت تصرخ عليّ طوال الوقت.
مرَّت حوالي السنة على هذا النحو وكنتُ أنتظر بفارغ الصبر أن يأتي أبي وينشلني كما وعدَني مِن ذلك الكابوس، لأنّ الحياة مع إنسانة أعمَتها الغيرة إلى درجة الأذيّة باتَت مستحيلة ولأنّني سئمتُ أن أُدعى نسرين في المدرسة ووفاء في البيت وذلك فقط لأنّ اسمي الحقيقيّ يشبه اسم التي ظنَّتها أمّي عشيقة أبي.
وفي آخر أيّام السنة التالية، جاءَ والدي إلى مدرستي وتكلّم مع المديرة وبعد أن أعطَته الإذن بذلك، أخَذَني معه. سألتُه إن كان بإمكاني المرور بالبيت لِجَلب أمتعَتي فقال لي:
– لا… لا أريد مواجهة أمّكِ…. تعرفين كيف هي… وقد تمنعكِ مِن الذهاب معي… سأشتري لكِ كل ما تحتاجين إليه لا تخافي.”
قبّلتُه بقوّة وابتسَمتُ للحياة التي فتحَت أخيرًا ذراعَيها لي. وعندما وصَلنا إلى منزله ونزلنا مِن السيّارة قال لي وهو يبتسم:
– هناك مفاجأة لكِ… أرجو أن تعجبكِ.”
وإذ بالباب ينفتح وأرى نسرين جارتنا القديمة واقفة أمامي. نظَرتُ إلى أبي باندهاش، ثمّ قلتُ له بصوت خافت:
– إذًا أمّي كانت على حق!
– أدخلي حبيبتي وسلّمي على زوجة أبيكِ.”
دخَلتُ المنزل وكأنّني في حلم مزعج وتمتَمتُ بعض الكلمات للّتي كانت سبب انفصال والدَيَّ وجنون أمّي المزعوم. أخذَتني نسرين إلى غرفتي وتركَتني أرتاح ريثما تحضّر الغداء. وبعدما أغلَقتُ الباب الغرفة، بدأتُ بالبكاء لأنّني أدرَكتُ أنّ أبي كان فعلًا خائنًا وأنّ أمّي كانت ضحيّة حقيقة لم يرَها أحد سواها. وتخيَّلتُ خوفها عندما تعرف أنّني لن أعود إلى البيت وكيف سيزداد إرباكها ويأسها. لذا قرَّرتُ أن أعود إلى أمّي، لأنّها الوحيدة التي بقيَت كما هي ولم تغشّ أحدًا. ذهبتُ إلى المطبخ حيث وجَدتُ والدي وزوجته الجديدة وقلتُ لهما بكل بساطة:
– أنا عائدة إلى أمّي… سآخذ سيّارة أجرة… لا أريد العيش هنا.”
قامَ أبي مِن كرسيّه وصرَخَ بي:
– لماذا؟؟؟ لقد وعدتُكِ بأن أعود لآخذكِ معي ووفَيتُ وعدي.
-أجل، ولكنّني انتظرتُ رجلًا ظلمَته زوجته بِسبب غيرة لا أساس لها… أمّا الواقع هو أنّكَ أنتَ الظالم… لا أحبّ زوجتكَ ولن أحبّها، فلولاها لكنّا ما زلنا عائلة سعيدة. أريد الرحيل… الآن!”
وأمام لهجتي الجديّة، علِمَ أبي أنّني لن أبقى لحظة واحدة معهما، فأخَذَ مفاتيح سيّارته وركبنا سويًّا حتى منزل أمّي. وقبل أن أترجّل قال لي:
– سامحيني… أرجوكِ لا تكرهيني كثيرًا… كنتُ أحبّ والدتكِ ولكن عندما رأيتُ نسرين، علِمتُ أنّها هي التي أريدها… صحيح أنّني ادّعَيتُ البراءة طيلة سنوات وجعَلتُ الجميع يعتقد أنّ أمّكِ مجنونة، ولكنّني كنتُ مجبرًا على ذلك كي أرحل وأتزوّج مجدّدًا… إعلَمي أنّني لم أنوِ ولو للحظة أن أعيش مِن دونكِ.
– ولكنّك لم تتردّد على حرمان أمّي منّي! ألم يكفِكَ أنّكَ تركتَها بل أرَدتَ أيضًا تحطيم قلبها… لماذا؟
– لستُ أدري… ربّما بسبب نسرين… فقدتُ عقلي معها.”
خرَجتُ مِن السيّارة وقرَعتُ باب بيتنا وفتحَت لي أمّي وهي تبكي. كانت المديرة قد اتصلَت بها وأخبرَتها أنّني رحَلتُ مع أبي. وعندما دخَلتُ، أخبرتُها ما جرى خلال ساعات غيابي وطمأنتُها أنّها لم تختلق شيئًا وأنّ والدي كان فعلًا يقيم علاقة مع جارتنا ووعدتُها أنّني لن أتركها إلّا حين أتزوّج. ضحَكنا سويًّا وتعانقنا لدقائق طويلة.
ومنذ ذلك الحين لم أعد أسمح لأحد أن يناديني نسرين، لأنّني أصبحتُ أكره ذلك الاسم الذي يذكّرني بخيانة والدي لنا وصارَ اسمي وفاء مثل الصفة التي تتمتّع بها أمّي والتي تربط الناس ببعضهم.


رائعه على الرغم من الخيانه ولكن لابد للحق ان ينتصر
إعجابإعجاب
دائمًا وأبدًا ❤
إعجابإعجاب