” ملِكَتي”

(قصصي محميّة بقانون الملكيّة الفكريّة ويُمنَع منعًا باتًا نسخ هذه القصص تحت طائلة الملاحقة القانونيّة ودفع غرامة ماليّة)

كلّ الأديان أوصَت بأن نكرّم والدَينا، وهذا ما فعَلتُه حتى آخر أيّامهما. ماتَ أبي أوّلًا ومِن ثمّ والدتي بعدما عانَت سنوات طويلة مِن مَرض سَرَقَ منها ليس فقط الصحّة بل البهجة والأمل. إعتنائي الدائم بها لم يكن بسبب كَوني ابنها الوحيد، ولكن مِن كثرة حبّي لها واحترامي للتضحيات التي قدّمَتها مِن أجلي.

ونسيتُ نفسي معها، لا أخرج سوى للذهاب إلى عملي، وعند عودَتي كنتُ أتفرّغ لـ “ملكَتي” كما كنتُ أسميّها. فمَن ينظر بتمعّن إلى ملامحها المتعبة، كان قادرًا على رؤية الجمال الذي لفَتَ انتباه الجميع ودهشتهم.

نسيتُ نفسي معها ولم أعاشر فتيات ولم أُغرَم، ربما لأنّني كنتُ أعلم أنّني لستُ قادرًا على ترك أمّي، أو بكلّ بساطة لأنّني لن أجد أبدًا مَن يُضاهيها.

وعندما فارقَت والدتي الحياة، كنتُ قد تخطَّيتُ الثلاثين مِن عمري، ولم أعد أعلم كيف أعيش مِن دون التي لفظَت أنفاسها وهي تدعو لي بالتوفيق، وأصبَحَ المنزل فارغًا لا يحتوي سوى ذكريات وأصداء أنين سكَنَ جدرانه.

قد يظنّ البعض أنّني أهدَرتُ نصف حياتي، ولكنّني لم أندَم ولو للحظة واحدة، لأنّ العيش مِن دون حبيبة أفضل بكثير مِن تأنيب الضمير أو الشعور بالتقصير أو إهمال مَن هم بحاجة إليّ.

تابَعتُ حياتي بِحزن عميق، ولاحَظَ زملائي في العمل كيف أمسَيتُ أقوم بعملي مِن دون حماس، وأبقى بعد الدوام أطوَل وقت ممكن كي أتفادى العودة إلى مسكني الموحِش. لِذا قرَّرَ البعض الترفيه عنّي باصطحابي إلى سهرة في أحد المطاعم الفخمة، ولم يتركوا لي خيار الرّفض، فرافقتُهم على مضَض. لم أكن أعلم بعد أنّني سأتعرّف في تلك الليلة إلى مايا.

كانت تلك المرأة جالسة مع صديقاتها إلى طاولة مجاورة، ولم ألاحظها إلّا بعدما لفتَت ضحكتها انتباهي. وعندما استدَرتُ نحوها، تلاقَت نظراتنا وابتسمَتُ لها. وفي تلك اللحظة بالذات، انتابَني شعور بالدّفء ملأ جسمي وقلبي وعلِمتُ أنّني وقَعتُ في الغرام.

الباقي حصَلَ بسرعة، ونسيتُ كيف حصَلَ إذ وجَدتُ نفسي جالسًا إلى مائدتها أخاطبُها بسهولة لم أخال نفسي أملكها.

الجدير بالذكر أنّ مايا كانت تكبرني بحوالي العشرين سنة وكان ذلك ما شدَّني إليها، ففرق العمر كان واضحًا للعيان. ومنذ تلك الأمسية لم نعد نفترق، وصارَت مايا السّبب الذي يحملني على الابتسام في كلّ صباح.

وكان مِن البديهيّ أن أقرّر ربط حياتي بحياة حبيبتي، إذ لم أعد أتصوّر نفسي مِن دونها، ولكنّ مايا أبدَت تحفّظات على الموضوع وذلك بسبب فارق العمر، إلّا أنّني طمأنتُها:

ـ أفهم مخاوفكِ حبيبتي ولكنّ هذا الفارق هو الذي يعطيني الفرَح… أنتِ امرأة ناضجة ولا وقت ولا نيّة لي بالارتباط بفتيات سطحيّات.

ـ ولكن… ماذا سيحصل بعد بضع سنوات عندما أكبر؟ وماذا عن الانجاب؟ ألا تريد أولادًا؟

ـ أبدًا… ولن أريد يومًا… أقسم لكِ أنّكِ ستكونين “ملكَتي الوحيدة”.

وتزوّجنا وكان ذلك اليوم هو الأجمل في حياتي، بعدما سكَنَ الحزن قلبي منذ موت أمّي الحبيبة.

حاولَت مايا أن تعطيني ولدًا ولكنّها لم تفلح بسبب سنّها. ولم آبه للأمر، فكما قلتُ لها إنّ الشيء الوحيد الذي يهمنّي هو وجودها معي. ولكن مع مرور السنين، تحوّلَت علاقتنا إلى ما يُشبه العاطفة الموجودة بين ابن وأمّه، على الأقل مِن طَرَفي. لم أقصد أن يحصل ذلك ولكنّه حصَلَ، وباتَت زوجتي بنظري بمثابة أمّي.

كنتُ أعاملها باحترام شديد ومحبّة فائقة، أسمع منها وأنفّذ ما تريده مِن دون مناقشة، لأنّها كانت بالنسبة إليّ “الشخص الذي يعرف مصلحَتي أكثر منّي”. ولكنّ ذلك لم يكن ما أزعجَها، بل عدَم قيامي بواجباتي الزوجيّة معها. فقد باتَ مِن المستحيل عليَّ معاشرة التي صارَت بذهني أمّي، لأنّ هكذا علاقة كانت محّرمة أخلاقيًّا ودينيًّا.

حاولَت المسكينة إثارة رجولَتي بشتّى الطرق ولكن مِن دون جدوى، الأمر الذي سبَّبَ لها الحزن العميق، خاصّة أنّها كانت تخشى منذ البداية أن يحصل لها ذلك.

في ما خصَّني كنتُ رجلًا سعيدًا يعيش في كنَف أمّه، ولكن ما لم أحسب له حسابًا هو أنّ قلبي كان لا يزال فارغًا وكان لا بّد أن يملأه أحد يومًا ما.

فبعد سنَتين على توقّفي عن معاشرة زوجتي، تعرَّفتُ إلى سَوسن. كانت تلك الصبيّة جميلة وجذّابة وتعرف أنّها قادرة على إيقاع الرجال في حبّها، أي أنّني لم أكن قادرًا بسبب قلّة خبرتي على مقاومتها. والغريب في الأمر أنّني كنتُ فعلًا أعتقد أنّ مِن حقّي أن أحبّ، فكما ذكَرتُ سابقًا كانت مايا أمّي. قد يبدو الأمر صعب التصديق، ولكن العقل الباطنيّ له منطقه الخاص به، ولم أفهَم فعليًّا ما كان يدور فيه إلّا لاحقًا، أي بعد فوات الأوان.

ووقَعتُ في الحب وكنتُ سعيدًا أن تكون حياتي قد اكتملَت مِن جميع النواحي. واعَدتُ سَوسن سرًّا ليس خوفًا على شعور زوجتي بل خوفًا مِن توبيخها، كما قد يفعل مراهق حين يُخفي حبّه عن والدَيه. لكنّني لم أكن ممثًّلًا بارعًا، وسرعان ما شعَرَت مايا أنّ لدَيَّ حبيبة. وسَكَتَت زوجتي على الذي كنتُ أفعلُه، ربما لأنّها كانت قد كبرَت ولم تكن تدري ما ستفعله إذا تَرَكَتني، خاصة أنّها تَخلَّت عن عملها عندما تزوّجنا وذلك بطلب منّي، أوّلًا لأنّني كنتُ قادرًا على الاعتناء بها ماديًّا، وثانيًا لأنّني أرَدتُها أن تهتمّ بي أنا وحدي طوال الوقت.

ولم تعد تقبَل سَوسن بالاختباء لتراني، وأرادَت أن تعيش علاقتها معي على العلَن ووضعَتني أمام خيارَين: إمّا الانفصال عنها أو الزواج منها. للحقيقة لم أتوقّع ذلك، فوقَعتُ في حيرة مِن أمري لأنّني أدرَكتُ حينها أنّني متزوّج وأنّ مايا لن تقبل أبدًا أن أستبدلها بأحد.

هل كنتُ مستعدًّا لأن أخسَرَ أمّي البديلة مقابل زوجة حبيبة؟ وأمام الضغط الذي مارسَته عليّ عشيقتي وطَعم اللذّة التي كانت تؤمّنها لي، أخَذتُ قراري: واجَهتُ مايا بالأمر.

لم أكن فخورًا بنفسي أبدًا، لأنّني رأيتُ أمام عَينيَّ نتيجة ما فعلتُه. بكَت زوجتي كثيرًا ولكنّها لم تقل شيئًا ويا لَيتها فعَلَت. وقَفتُ أمامها عاجزًا، كالطفل الذي اقترَفَ ذنبًا كبيرًا وينتظر صدور العقاب.

أخَذَت مايا أمتعتها وعادَت إلى منزل أمّها العجوز، تاركة وراءها مكانًا سرعان ما سكَنَه الفراغ.

فبعد زواجي مِن سَوسن بقليل، استَوعَبتُ أنّني لم أكن أريد هذه الحياة بل تلك التي كنتُ اعيشها مع مايا. صحيح أنّ زوجتي الجديدة كانت جميلة وشابّة ومحبّة، ولكنّها لم تعطِني الشعور بالأمان الذي كنتُ بحاجة إليه. كنتُ قد أسأتُ الأختيار، وكنتُ على وشك التسبّب بالأذى لامرأة ثانية، وكرَهتُ نفسي مِن أجل ذلك.

عندها قصَدتُ طبيبًا نفسيًّا ويا لَيتني فعَلتُ ذلك مِن الأوّل، ولكنّني لم أكن أعلم أنّني أعاني مِن مشكلة. وعلى مرّ الجلسات، عرَفتُ ممّا أعاني، وكيف حوَّلتُ مايا إلى أمّ بديلة وتصرَّفتُ وكأنّني لا أزال عازبًا.

وطلّقتُ سَوسن كي لا أضيّع عليها باقي حياتها، فقد كانت لا تزال قادرة على الزواج مِن جديد، وذلك قبل أن تحمل منّي وتتعقّد الأمور. ولكن بالرّغم مِن جلسات العلاج، لم أتمكّن مِن التغلّب على الفراغ الذي يسكن حياتي ولم أعد قادرًا على المتابعة، فباتَت حياتي سلسلة أيّام تمّر مِن دون طَعم أو هدَف وكان شعوري بالذنب يأكلني، فلقد آذَيتُ امرأتَين رائعتَين… ربما إلى الأبد.

وفي إحدى الأمسيات، طرَقتُ باب مايا وطلَبتُ منها أن نتكلّم وأخبَرتُها كلّ شيء، أي الذي قالَه لي الطبيب النفسيّ، واعتذَرتُ لها على ما فعلتُه بها. أجابَتني أنّها استَوعَبت ما كان يحصل، وأنّها لا تكرهني لأنّني لم اكن أعي ما أفعله.

وقبل أن أرحل قلتُ لها:” بيتي مفتوح لكِ… أمّكِ توفّيَت وأصبحتِ وحيدة… وأنا أيضًا وحيد”.

اليوم وبعد عشرين سنة على تلك الحادثة، أعيش مع مايا التي عادَت إليّ، أهتمّ بها وبصحتّها التي انتكسَت على مرّ الوقت. أهتمّ بـِ” ملكَتي ” بعد أن استَوعبتُ أنّ هذا ما يُسعدني ويُفرح قلبي، وأعلم أنّني سأبقى إلى جانب مايا حتى آخر أيّامها.

أضف تعليق