(قصصي محميّة بقانون الملكيّة الفكريّة ويُمنَع منعًا باتًا نسخ هذه القصص تحت طائلة الملاحقة القانونيّة ودفع غرامة ماليّة)
لم أفهم السّبب الذي حَمَلَ زميلي في العمل على التودّد إليّ، وكان شعوري مزيجًا مِن الاندهاش والغضب. فمع أنّني لم أكن أحمل أيّة ضغينة له بالرّغم مِن ميوله الجنسيّة المعروفة، فقد بدأتُ أصَرخ به طالبًا منه الابتعاد عنّي. نظَرَ باقي الموظّفون إليّ ضاحكين، وفضَّلتُ الانزواء في مكتبي قبل أن أفقد أعصابي.
شعَرتُ بأنّ رجولَتي على المحكّ، مع أنّني لم أضطرّ يومًا لإثباتها، وكان معلومًا عنّي حبّي للنساء، خاصّة في الفترة التي سبَقَت زواجي حيث كنتُ أخرج مع أجمل الفتيات.
سمِعتُ طرقًا خفيفًا على الباب، ودخَلَت السكرتيرة مخجولة مِن نفسها، لأنّها هي الأخرى كانت تضحك لِما جرى لي قبل دقائق. قالت لي:
ـ لا تغضب يا سيّدي فالأمر لم يكن بهذا السوء.
ـ بلى… لا أدري لماذا فَعَلَ هيثم ذلك… لم أعِره يومًا أيّة أهميّة وتعاملي معه كان منذ البدء باردًا وجِدّيًّا… قولي لي، هل أبدو وكأنّني …؟
ـ لا… ربمّا كانت مزحة مِن جانبه.
ـ مزحة؟!؟ داعَبَ شعري، وتغنّى بِوسامتي وعَرَضَ عليّ أن نقصد مكانًا أكثر حميميّة! لا أرى المزاح في ذلك!
ـ قد يكون أساء التقدير… هيّا… إبتسم قليلًا!”
بقيتُ على حالتي حتى موعد إقفال الشركة. إنتظَرتُ أن يكون قد عادَ الجميع إلى داره حتى لا أرى أحدًا منهم، خاصّة ذلك الثقيل الظل هيثم الذي كادَ أن يُفسد سمعَتي.
ولكنّه كان بانتظاري واحتَرتُ كيف أتعامل معه، وسبقَني قائلًا:
ـ لماذا تدَّعي عَدم حبّكَ للرّجال؟ أراكَ غاضبًا وكأنّني أهَنتُكَ. آه! لا تريد أن ينتشر الخبر مِن أجل أولادكَ، فهمتُ الآن… سنُبقي إذًا علاقتنا سريّة فلطالما كنتُ معجبًا بكَ… إن كنتَ تريد ذلك، يُمكننا الخروج سويًّا الآن”.
نظَرَتُ مِن حولي ولم أجد أحدًا، فسدَّدتُ إليه ضربة على وجهه آلمَته كثيرًا وصَرَختُ به:
ـ أتركني وشأني! ما بكَ لا تفهم؟ إيّاكَ أن تقترب منّي مجدّدًا أو أن تكلّمني حتى! أفهمتَ؟”
وخَرَجتُ مِن الشركة قبل أن أقترفَ جريمة. قُدتُ إلى بيتي مقرّرًا ألّا أخبر زوجتي بالأمر، فلَم أكن مستعدًّا لشرح أيّ شيء بل كلّ ما أرَدتُه كان أن أنعم بهدوء منزلي.
لم أجد رانيا بانتظاري بل الأولاد فقط، وسألتُ نفسي كيف لها أن تتركهم لوحدهم، فالكبير فيهم لم يكن قد تجاوَزَ العاشرة مِن العمر بعد، ولم يكن قادرًا على الانتباه إلى الصغار. أخَذتُ هاتفي واتصَلتُ بها، وعلِمتُ منها أنّها عالقة في زحمة سَير خانقة بعدما كانت عند إحدى صديقاتها الجدد.
أقول الجدد لأنّنا انتقَلنا للعيش في هذا الحيّ منذ فترة قصيرة، بعدما تَرَكنا وراءنا حياتنا القديمة التي لم تكن سهلة. كافَحنا كثيرًا، أنا بالعمل الدّؤوب وزوجتي بتحمّل فقري وحبّي المفرط للأولاد الذي دفعَنا إلى الانجاب بكثرة ومِن دون المال الكافي لذلك. وبعد حوالي العشر سنين، إستطَعنا أخيرًا أن نسكن في شقة تلائم عددنا وتعطينا رضى ذاتيًّا. ومع تلك القفزة النوعيّة، تغيَّرَ معشرنا بعد أن كَرهنا مَن كان بوضعنا ولم يستطع الخروج منه، واستقبَلنا مَن قَبِلَ بالأغنياء الجدد.
عادَت رانيا أخيرًا، واستطَعتُ أن أرتاح مِن نهار متعِب جسديًّا ونفسيًّا وغرِقتُ في نوم ثقيل.
في اليوم التالي، لم يُزعجني هيثم وخِلتُ أنّها كانت مسألة عابرة، ولكنّني كنتُ مخطئًا. فقد كان ذلك الرّجل ينتظرني بعد انتهاء الدوام قرب سيّارتي، وحين رأيتُه تحضَّرتُ لمناكفة قويّة. لكنّه قال لي:
ـ أرَدتُ الاعتذار ورأيتُ أنّ هنا أفضل مكان لذلك، أي بعيدًا عن موظّفي الشركة… أقدّركَ كثيرًا وأعتبرُكَ مثَلي الأعلى في العمل والكفاح والوصول إلى الهدف، ولم أكن أريد أبدًا إزعاجكَ. هل تسامحني؟
ـ بالطبع ولكن لا تمازحني هكذا بعد الآن!
ـ لم تكن أبدًا مزحة… لا تغضب مِن جديد أرجوكَ! أقصد أنّني فعلًا اعتقَدتُ أنّكَ تهوى الرّجال بسبب ما سمِعتُه عنكَ.
ـ ما سمِعتَه عنّي؟ وهل الموضوع متداوَل بين الناس؟!؟ مَن يقول هذه الأشياء عنّي؟ تكلّم!”
إرتعَبَ هيثم، وخفتُ أن يرحل مِن دون أن أعلم الحقيقة ولكنّه قال:
ـ هناك أخبار عن… عن ميولكَ وعن عدَم قدرتكَ على تلبية رغبات زوجتكَ.
ـ ماذا؟!؟ لدَيَّ خمسة أولاد! كيف جئتُ بهم إذًا؟
ـ قد تكون ثنائيَ الجنس، أي أنّكَ تهوى النساء والرّجال.
ـ ما هذا الكلام السّخيف! ومَن يُطلق هذه الإشاعات عنّي؟ أريد أن أعرف وإلّا…
ـ حسنًا… لا تغضب أرجوكَ! سمِعتُ ذلك مِن ابن عمّ رجل يعرف الكثير عن حياتكَ الحميمة”.
لدى سماعي ذلك ضحكِتُ عاليًا لشدّة سخافة الخبر. مَن عساه يعلم ما يدور في غرفة نومي ورانيا؟ كان الخبر حتمًا غير صحيح واخترَعَه هيثم لإسكاتي ولكنّه تابع:
ـ أعذرني على الذي سأقوله، ولكن عليّ تبرئة نفسي، فكما قلتُ لكَ سابقًا أنا أقدّركَ كثيرًا ولا أريد أن أخسر زمالتكَ بسبب سوء تفاهم… الرّجل الذي أتكلّم عنه هو عشيق زوجتكَ، وهي التي قالَت له إنّكَ لا تعاشرها سوى للإنجاب لتبعد عنكَ الشبهات حول حبّكَ للرّجال”.
وركَضَ هيثم خارج موقف السيّارت قبل أن أصبّ عليه نقمَتي. ولكنّني لم أنفعل، بل ابتسَمتُ لمحاولات هيثم اليائسة لتبرير إعجابه بي، وقرَّرتُ تفاديه في المستقبل.
وحين عُدتُ إلى المنزل، نوَيتُ إخبار زوجتي بالأمر لنضحك سويًّا، ولكنّني مرّة أخرى لم أجدها بل كانت هناك إحدى جاراتنا جاءَت لتبقى مع الأولاد.
غضِبتُ لِما اعتبرَتُه إهمالًا مِن جهّة زوجتي، وعلِمتُ مِن الجارة أنّ رانيا ذهَبَت لحضور حفل مولِد عند صديقة لها.
صحيح أنّني الذي شجَّعَها على معاشرة أصدقائنا الجدد، لأنَني أرَدتُها أن تحظى بحياة جميلة بعد الذي عانَته منّي ومِن الولادات المتكرّرة، ولكنّني لم أكن أريدها أن تنسى عائلتها.
ولم أكن لأشكّ بشيء لولا ما قالَته لي تلك الجارة قبل أن تعود إلى بيتها: “أنا سعيدة مِن أجل رانيا… فمِن الصعب العيش مع نصف رجل”. وحين استوعَبتُ ما قالتَه، كانت قد غادرَت، وأقسم أنّ عَينَيّ امتلأتا بالدّموع. فالخبر كان قد انتشَرَ، وشعَرتُ بِعجز كبير لأنّني أعلَم أنّ لا أحد يستطيع إيقاف الشائعات.
وعندما عادَت رانيا أخيرًا ونظَرتُ إلى عَينَيها، علِمتُ أنّها كانت مع رجل آخر. لم أقل لها شيئًا، لأنّ ظنّي لم يكن يستند على أدلّة بل كان مجرّد شعور، ووَعَدتُ نفسي أن أتأكّد مِن الأمر.
في الصباح الباكر غادَرتُ المنزل وأوقَفتُ سيّارتي في أوّل الشارع، واتصَلتُ بالمكتب لأقول إنّني مريض وسأتغيّب بضع أيّام. كان عليَّ أن أتاكّد مِن أنّ زوجتي لا تخونني وإلّا لم أكن قادرًا على الاستمرار.
في اليوم الأوّل لم تخرج رانيا مِن البيت قط، وكانت فرحَتي عارمة فكنتُ أحبّ زوجتي كثيرًا وأقدّر تضحياتها إلى أقصى درجة. ولكن في اليوم التالي رأيتُها تصعد في سيّارتها، فلحقتُ بها حتى حيّنا القديم وقلتُ لنفسي إنّها تزور إحدى معارفها السابقة، فمِن الصعب أن يترك المرء كلّ شيء وراءه ويبني حياة جديدة.
صَعِدَت زوجتي سلّم مبنى قديم، ومكثَت هناك حوالي السّاعَتين ثمّ عادَت إلى البيت.
في اليوم الثالث خَرَجَت مِن جديد، وقصَدَت ذلك الحيّ أيضًا ولكنّها لم تترجّل بل بقيَت في سيّارتها وكأنّها تنتظر أحدًا. وإذ برجل يخرج مِن المبنى ويجلس بقربها، وانطلَقَت رانيا به إلى فندق صغير ورخيص.
كان قلبي يدقّ بسرعة، وتمنَّيتُ حتى آخر لحظة ألّا تدخل زوجتي ذلك الفندق، ولكنّها فعَلت. إنتظَرتُ حوالي الربع ساعة في سيّارتي ومِن ثمّ دخَلت وراءهما. كانت رجلَاي ترتجفان ووَجَدتُ صعوبة بالتكلّم مع موظّف الاستقبال.
في البدء لم يقبل بإخباري في أيّة غرفة هي زوجتي وعشيقها، ولكنّني أعطَيتُه مبلغًا حمَلَه على التكلّم.
قرَعتُ بقوّة على باب الغرفة وعندما سألَني العشيق مَن أكون أجبتُه: “الإدارة”.
وحين فُتِحَ الباب، إقتحَمتُ الغرفة ورأيتُ زوجتي في السرير تنظر إليّ وكأنّني شبح. كلّ ما استطَعتُ قوله كان: “لماذا؟!؟”
عندها أجابَ العشيق:
ـ لأنّكَ لستَ رجلًا حقيقيًّا!
ـ إسألها إن كنتُ رجلًا أم لا! إسألها أمامي! إنّها كذبة ألّفَتها لتبرّر خيانة زوج طيّب وكريم ومحبّ… إسألها! هيّا!”
إستدارَ الرجل نحوَها وهي تمتمَت بضع كلمات غير مفهومة. عندها أضَفتُ قبل أن أرحل:
ـ إبقي حيث أنتِ… لم تخسريني وحسب بل خسرتِ أولادكِ ومنزلكِ الجميل وسيّارتكِ السريعة والمجتمع الذي حلِمتِ به… إبقي معه فهو جزء مِن ماضيكِ الذي يليق بكِ… إيّاكِ أن تعودي إلى البيت، أوراق الطلاق ستصل إلى أهلكِ!”
صحيح أنّ السنين مرَّت على تلك الحادثة البشعة، وأنّني طلَّقتُ رانيا واعتنَيتُ لوحدي بالأولاد، إلّا أنّ الشائعة التي أطلَقَتها عليّ لا تزال سارية، فبإمكاني رؤية نظرة الناس إليّ وسماع تلميحاتهم، ولكنّ الأمر لم يعد يهمّني الآن بعدما تعرَّفتُ إلى سميرة التي سأتزوّجها بعد شهرَين. أحبّها وهي تحبّني وأولادي يعشقونَها، وهذا كلّ ما يهمّ.
( إن أعجبَتكم القصّة، الرجاء النقر على الإعلان أدناه لأتمكّن مِن متابعة النشر، وشكرًا.)
