(قصصي محميّة بقانون الملكيّة الفكريّة ويُمنَع منعًا باتًا نسخ هذه القصص تحت طائلة الملاحقة القانونيّة ودفع غرامة ماليّة)
لدَيّ والدان: الأوّل الذي أعطاني الحياة والثاني الذي يستحقّ فعلًا هذا اللقب.
أبي البيولوجيّ تركَنا أنا وأخي وأختي وأمّي ذات مساء أو صباح، لا أتذكّر تمامًا. كنتُ آنذاك في الثانية عشرة ولم أجده عندما استيقَظتُ لأذهب إلى المدرسة. لم يكن موجودًا حتى في المساء أو اليوم الذي تلا أو في أيّ يوم آخر.
كنتُ أودّ أن أحصل على تفسير، إلّا أنّ والدتي لم تشأ التكلّم في الأمر، ومنعَتنا مِن ذكر اسم أبينا تحت طائلة العقاب الصّارم. وبما أنّني الكبرى بين الأولاد، كان عليّ تنفيذ ذلك الأمر والتأكّد مِن أنّ الجميع يمتثل به.
ذهاب أبي كان لخَيرنا كلّنا لأنّه كان إنسانًا سيّئًا، فقد كان يضرب أمّي ويشتمنا لأيّة صغيرة أو كبيرة، مفرغًا غضبه علينا. عذره أنّه فنان لا يفهمه أحد، ولكنّ الحقيقة كانت أنّه مجرّد أنانيّ وفاسد. رأيتُه في أحد الأيّام يغتصب أمّي التي رفضَت أن يلمسها بعد أن باتَت تكرهه. وبالرّغم مِن صراخي وتوسّلاتي له بأن يتركها، تابع ما كان يفعله أمام عَينَيَّ.
ومع أنّنا ارتحنا مِن ذلك الوحش، واجهنا صعوبات لم تكن بالحسبان، لأنّنا كنّا قد انتقلَنا لتوّنا إلى أستراليا حيث فتَحَ أبي معرضًا فنيًّا ولم نعرف أحدًا بعد. كنّا نعيش برخاء في بلد يُكرِّم الفن والفنّانين، وكنتُ أنا وأخوَتي قد بدأنا الدرس في مدرسة راقية وسط العاصمة، ولم يُفكّر أبي أنّ بتركنا سنجد أنفسنا مِن دون أيّ مورد رزق لمتابعة حياتنا. إضطرِرنا للانتقال إلى شقّة رديئة وصغيرة، بعد أن باعَت والدتي مجوهراتها، ونِمتُ على فرشة وضعتُها على الأرض لأترك السرير الوحيد لأمّي وأخوَتي الصغار.
بالطبع تركنا مدرستنا الجميلة لنقصد أخرى حكوميّة، وذقنا الأمرّيَن إلى حين وجَدَت والدتي عملًا كبائعة في محل صغير. وأتذكّر جيّدًا أنّنا عرفنا الجوع والبرد واليأس، فأغلب أكلنا كان مؤلّفًا مِن الخضار المغليّ ورقائق الذرّة بالماء، فالحليب كان غالي الثمن. كيف تخلّى عنّا ذلك الرجل هكذا بينما كان هو يأكل الأطيَب والأفخَر، ويُحيط نفسه بالنساء الجميلات ويغتني مِن مبيع لوحاته؟ لا أملك الجواب.
مرَّت السنوات وتحسّنَت حالتنا بعص الشيء، لأنّني كنتُ قد بلَغتُ سنًّا يسمح لي بالعمل لمساعدة عائلتي ودفع أقساط جامعتي. عمِلتُ كنادلة في كافيتيريا الجامعة، وتحمَّلتُ تلميحات زملائي البشعة، ولكنّني صمَدتُ مِن أجل أمّي وأخوَتي بعد أن أقسَمتُ أن أفعل ما بوسعي كي لا ينقصهم شيء.
وقرَّرتُ التواصل مع أبي لأحثّه على تحمّل مسؤوليّاته تجاهنا نحن أولاده، فمشاكله كانت مع أمّي وليس معنا. وبعد البحث، حصلتُ على عنوانه وقصدتُه مِن دون أن أخبر أمّي التي كانت ستمانع حتمًا.
إستقبلَني والدي بتهذيب في مكتبه الفخم داخل المعرض. لم نتعانق بل تصافحنا فقط، وجلستُ قبالته ونظَرَ إليّ وكأنّني زبونة تودّ شراء لوحة مِن لوحاته. أنا الأخرى لم أشعر تجاهه بشيء لِذا قرَّرتُ البدء بالكلام:
ـ نحن بحاجة إلى مال.
ـ كم؟
ـ لقد تسجّلتُ في الجامعة وأخي وأختي بحاجة إلى أشياء كثيرة.
ـ كم؟
ـ مبلغًا شهريًّا… كما كان يجب أن يحصل منذ الأوّل.”
أخَذَ دفتر الشيكات وأعطاني شيكًا مِن دون أن ينظر إليّ حتى، وخرجتُ مِن مكتبه بعد أن تمتمتُ “شكرًا” وركضتُ بعيدًا.
كان المبلغ زهيدًا، ولكنّني وجدتُه أفضل مِن لا شيء، ووعدتُ نفسي بأن أحمله على اعطائنا أكثر في الشهر التالي.
إشترَيتُ الملابس والهدايا لعائلتي، ولكنّني لم أفصح عن مصدر المال خوفًا مِن ردّة فعل أمّي واكتفَيتُ بالقول: “أعطوني علاوة في العمل”.
عند بداية الشهر، عدتُ إلى معرض والدي ولكنّني في تلك المرّة لم أتمكّن مِن رؤيته. تارة كان برفقة زبائن وتارة أخرى خارج المدينة. كان مِن الواضح أنّه يتهرب منّي وأدركتُ أنّني لن أستطيع الاتكّال عليه أبدًا.
وبسببه اضطرِرتُ لترك الجامعة في سنتي الأولى لأنّ هناك أولويّات أخرى. لم أحزن لأنّني كنتُ مصمّمة على اجتياز كلّ تلك الصعوبات والعودة إلى العلم بأسرع وقت.
وتدخَّلَ القدر أخيرًا: بعد سنة بدأ أخي العمل في مطعم للوجبات السريعة وتحسّنَت أحوالنا قليلًا. مايكل، مالك المطعم كان رجلًا طيبًّا، وكان يُصرّ أن يقلّ أخي إلى البيت في المساء، وهكذا ولِدَت بيننا جميعًا مودّة صادقة. وبدأ مايكل يقضي أمسياته برفقتنا في البيت بعدما يأتي محمّلًا بالهدايا والأكل الشهيّ.
وجود رجل معنا أعطانا الفرحة والطمأنينة، خاصّة لأمّي التي كانت ترتدي له الفساتين الجميلة وتتبرّج. كنتُ قد نسيتُ كم هي جميلة بعد أن قضَت سنوات تهمل نفسها بسبب القلّة والحزن. وسرعان ما نما حبّ جميل بين والدتي ومايكل، وكنّا ننظر إليهما مبتسمين وفي الوقت نفسه خائفين مِن أن يرحل ذلك الرّجل كما فَعَلَ أبي قبله.
إلّا أنّ مخاوفنا لم تكن في محلّها لأنّ مايكل تزوّج أمّي، وانتقلنا جميعًا للعيش في بيته الجميل لنسبَح في مسبحه الكبير ونمرَح في حديقته الشاسعة. كان قد أصبَحَ لنا أب جديد وكنّا سعيدين.
ولكنّني كنتُ بحاجة إلى إقفال فصل حياتي السابقة نهائيًّا لأتمكّن مِن المواصلة بهناء، أي تصفيّة حساباتي مع أبي.
دخلتُ مكتبه عنوة بالرّغم مِن معارضة سكرتيرته وصراخها. وقفتُ أمام والدي وقلتُ له مِن دون مقدّمة:
ـ لماذا رحلتَ؟ أريد أن أعرف لماذا، وكيف استطعتَ رمينا هكذا!”
نظَرَ إليّ وكأنّه يراني لأوّل مرّة وسكَتَ مطوّلًا ثمّ قال:
ـ أنا فنان والحياة العائليّة لا تناسب الفنّانين… لا يسعني العيش مكبّلًا هكذا فأنا بحاجة إلى حريّتي. لا يُمكنكِ فهمي… أمّكِ كانت متطلبّة جدًا وأنتم كنتم تصدرون أصواتًا عالية. طَفَحَ كيلي ورحَلتُ.
ـ كان بإمكانكَ تأمين حياة كريمة لنا على الأقل!
ـ صحيح… ولكنّ ذلك كان بمثابة اعتراف بوجودكم، وكنتُ أريد محوكم مِن حياتي وذاكرتي. أعلم أنّ ما أقوله لكِ أمر فظيع ولكن هكذا أنا. على كلّ الأحوال أمّكِ هي التي أرادَت أن تنجب وليس أنا، وعليها تتحمّل مسؤوليّة خياراتها.”
لم أصدّق أذنَيَّ، فحتى الحيوانات تهتمّ بصغارها وكان مِن الواضح أنّ أبي لم يكن ينتمي لا إلى الفصيلة البشريّة ولا الحيوانيّة. كنتُ أودّ البصق في وجهه ولكنّ ذلك كان ليُشرّفه. فَتَح درجًا وأخَرَجَ منه رزمة مِن المال وأعطاها لي. رميتُها بوجهه قائلة:
ـ إحتفظ بمالكَ الوسخ فأنا لا أريده. بدءًا مِن هذه اللحظة أنتَ ميّت بالنسبة إليّ… لا أريد سوى شيء واحد وهو أن يأتي يوم وتدرك كم أسأتَ إلينا ويأكلكَ الندم حتى العظم!”
مايكل هو الذي أمسكَ بذراعي وقادَني إلى عريسي يوم زفافي. كان يبكي وكأنّني ابنته وجعلَني أقسم ألّا أنساه يومًا. وإكرامًا له أسمَيتُ ابني الأوّل مايكل، فذلك أقلّ ما يُمكنني فعله مِن أجل الذي أعطانا هذا الكمّ مِن الحبّ. ولولاه أنا متأكّدة مِن أنّني كنتُ سأكره صنف الرجال إلى الأبد ولم أكن لأحبّ وأتزوّج وأؤسّس عائلة. فمِن دون أناس مثل مايكل لكان العالم بشعًا والحياة لا تستحقّ العناء.
طلبتُ أن تُكتَب قصّتي إكرامًا لمايكل لأنّني لن أشكره كفاية أبدًا. وأدعو الله أن يُطيل عمره، أوّلًا لأنّه يستحقّ ذلك وثانيًا لتبقى أمّي سعيدة إلى جانبه وأنا مطمئنّة البال.

