كيف نساعدُ ولدَنا على استيعابِ الموتِ وتقبّلِه؟

بِقلَم الدكتور أرنست الحجّار – نفسانيّ مدرسيّ

نلحظُ أنّ كلَّ الأولاد يتساءلون عن الموت ويخافون منه. عندما يفقدون إنسانًا عزيزًا، يعيشون الحزنَ والقلقَ والارتباكَ والضياعَ والتمرّدَ وينتابُهم الشعورُ بالذنب. مِن الصعب والمؤلم أن يخسَرَ الطفلُ أباه أو أمّه، فيشعُرُ فجأة بالوحدة وبعدم الأمان. فالوالدُ الباقي على قيد الحياة لا يقدِرُ أحيانًا أن يعزّيَه ويشدّدَه، ممّا يزيدُ إحساسَ الولد بأنّهُ مهمَلٌ ومتروك.

لا يمكنُ أن ينموَ الولدُ ويتقدّمَ في الحياة إذا حَمَيْناه دائمًا مِن الأحزان والأوجاع. إنّ الأجوبة المُبهمَة يمكنُ أن تكونَ أيضًا خطرة، كأنْ نقولَ له مثلًا وهو في عمر الست سنوات: “إنّ جدّك ينامُ الآن”، فممكنٌ أن يخافَ الصغيرُ عندئذٍ مِن النوم ويرفضَ الذهابَ إلى الفراش، أو “لقد دعاهُ الله”، “لقد ذهبَ إلى السماء مع الملائكة”. إنّ مثلَ هذه التفسيرات يمكنُ أن تسبّبَ مشاعرَ الرفض والذعر، وحتى الاستياء تجاه هذا الإله القادر الذي يسلُبُ الولدَ شخصًا عزيزًا دون سابق إنذار.

عندما نشرحُ له الموت، علينا ان نأخذ في الاعتبار الوقائع أو الأحداث التي سبّبَتِ الوفاة، كالمرَض والحوادث الطارئة أو الشيخوخة. إذا كان الطفلُ في عمر الثلاث سنوات، يمكنُ أن نقولَ له: “إنَّ جدّتك كانت مُسنّة ومُتعَبَة”، وفي عمر الست سنوات: “كانت جدّتك مُسنّة ومُتعَبَة كثيرًا، وإنّ كلّ إنسان سيصبحُ مُسنًّا ومُتعَبًا، ولا يعودُ مِن الممكن حينئذٍ أن يعيشَ أطولَ مِن ذلك”. إنّ أفضلَ جواب على السؤال عن الموت هو الجواب الصريح والواقعيّ. كما أنّه يُستحسَن أن نُخبِرَ الولد عن حصول الموت في حينه ودون تأجيل. علينا أن نفسَحَ المجال أمام الولد أن يعبّرَ عن قلقِه ومخاوفِه وتساؤلاتِه حول الموت، أن نتفهّمَ حزنَه، دون أن نحاولَ التقليلَ مِن أهميّة مشاعره هذه.

غالبًا ما نكرّرُ على مسامع الولد عبارات تسبّبُ له بالضرر، كأن نقولَ للفتى مثلاً: “ها إنّكَ الآن رجل البيت، بعد وفاة والدِكَ” أو للفتاة: “عليكِ أن تكوني أنتِ المسؤولة عن العائلة بعد وفاة أمّكِ”. وفي الواقع، فإنّ أيَّ ولد لا يمكنُ له أن يحلَّ مكان المتوفّى، أبًا كان أم أمًّا. إنّ مثلَ هذه المسؤوليّة المُلقاة على عاتقه ستعيقُ نموّه الطبيعيّ وتؤثّرُ حتمًا على شخصيّته. ثمّ إنّه مِن الأفضل ألاّ نُبعِدَ الصغار عن الاجتماعات العائليّة بعد الوفاة وعن الاحتفالات الجنائزيّة، فوجودُهم مع العائلة وحضورُهم ومشاركتهم في الصلوات، تخفّفُ غالبًا حزنَهم وتهدّئ روعَهم، ولكن علينا، في الوقت عَينه، أن نحيطَهم ونجنّبَهم مظاهر التفجّع الشديدة.

وفي النهاية، علينا أن نساعِدَ الأولاد كي يدركوا أنّ الحياةَ تجلُبُ الأتراح بقدر الأفراح، وعلينا ألاّ ننسى أنّهم بحاجة خصوصًا للعاطفة والحب في الأوقات الصعبة والحرِجة.

أضف تعليق