“الشرَف ثمّ الشرَف!”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

كان الطقس باردًا وجافًّا، وكنّا مُجتمعين ليلًا حول الموقد بعدما تناولنا العشاء، حين سمِعنا طرقًا عنيفًا على الباب. خفتُ كثيرًا أنا وأخوَتي إذ شعَرنا أنّ الواقف وراء الباب ليس أحد مرضى أبي بل هو شخص مليء بالغضب.
وقَفَ أبي وطمأنَنا بحركة مِن يده، ونظَرَ إلى أمّي وكأنّه يقولُ لها: “خذي الأولاد إلى الداخل”، فهو الآخر أحسَّ أنّ الموضوع مهمّ للغاية.
عندما صرنا في غرفة والدَيَّ، تجمّعنا لنُلقي نظرة على ما سيحصل مِن الشقّ الذي تركته والدتي مفتوحًا لتسترِق هي الأخرى النظر. عندها رأيتُ ثلاثة رجال وامرأة بلباس عروس. كان المشهد شبه خياليّ إذ أنّ البخار، بسبب البرد القارس، كان يخرجُ مِن فم الأكبر سنًّا وكانّه تنّين يستعدُّ لِحرق المكان. لَم أكن مخطئًا تمامًا، فغرَض هؤلاء الناس كان معرفة إن كان عليهم إراقة دَم المسكينة التي برفقتهم أم لا. نعَم، فالبعض يعتبرُ نفسه القاضي الأعلى والجلّاد بالوقت نفسه، ولدَيه الصلاحيّة لإنهاء حياة شخص آخر.
المرأة التي يدورُ الجدَل حولها كانت بالكاد في العشرين مِن عمرها، وكانت ترتجفُ كالورقة ليس فقط مِن البرد بل خاصةً مِن الخوف.
أدخَلَ أبي هؤلاء الناس وطلَبَ منهم التكلّم بصوت خافِتً “لأنّ أولاده نيام”. وهو أراد بذلك تهدئة النفوس بإجبارهم على خفت نبرتهم. قال له الأكبر سنًّا:
ـ هذه ابنتي وأخوها وعريسها.
ـ هل أحدهم مُصاب أو مريض ليستدعي قدومكم ليلًا إلى داري؟ أرى أنّ الجميع بخير ما عدا العروس… ما الأمر؟
ـ عذرًا على مجيئنا في هكذا وقت يا دكتور عبدالله، لكن علينا أن نعلَم ما علينا فعله قبل بزوغ الفجر.
ـ ماذا تقصد؟
ـ لدَينا شكوك في ما يخصّ شرَف ابنتي، وإن تأكّدَت هذه الشكوك وجَبَ عليّ وعلى أخيها غسل عارنا بالطريقة التقليديّة.
ـ وهي؟”
في تلك اللحظة بالذات وجوابًا على سؤال أبي، أخرَجَ الرجل مِن جَيبه مُسدّسًا فحبَسنا جميعًا صرخة كادَت تخرجُ مِن فمنا الصغير. أمّا العروس، فأجهشَت بالبكاء ومالَت إلى الوراء وكادَت تقَع لو لَم يُسندُها عريسها الذي كان حتمًا يتمنّى ألّا تُقتَل حبيبته. لَم يُحرِّك والدي ساكنًا بل استطاعَ الحفاظ على هدوئه وقال:
ـ سأُعطيكم جوابًا واضحًا بعدما أفحص العروس.”
أخَذَ أبي بيَد الصبيّة ليُدخلُها إلى عيادته في الغرفة المُجاورة، ولحِقَ به الرجال لكنّه صرَخَ بهم: “أين تظنّون أنفسكم ذاهبين؟!؟ أنا الطبيب الوحيد هنا ويحقُّ لي وحدي أن أتواجد في العيادة! إن كنتم لا تثقون بي فاقصدوا طبيبًا آخر”. هو أخَذَ ذلك الموقف الصارم عن قصد ليتسنّى له التواجد مع العروس لوحده ومعرفة ما يجري تمامًا. فحياة المسكينة كانت على المِحكّ.
غابَ والدي والصبيّة لحوالي الربع ساعة. وأذكرُ أنّني وأخوَتي وأمّي كنّا مشدودي الأعصاب ننظرُ إلى الرجال الثلاثة بخوف شديد ونُراقبُ جَيب الأب حيث أعادَ مُسدّسه. وتصوّرتُه يُطلّق النار فجأة على أبي والعروس، ومَن يدري، علينا أيضًا!
خَرَج والدي مِن العيادة مع العروس وبسمة عريضة على وجهَيهما وقال للرجال:
ـ هنيئًا لكم جميعًا وخاصّة لكَ أيّها العريس، فتلك الصبيّة هي شريفة. ولقد كتبتُ لكم تقريرًا طبّيًّا يُفيد بذلك. إذهبوا بسلام!”
إرتاحَ الجميع وشكروا والدي بحرارة، ولكثرة حماسهم نسوا أخذ التقرير الذي كان أبي قد وضعَه على إحدى طاولات الصالون.
أقفَلَ أبي الباب وراءهم وجلَسَ على الأريكة ونادانا: “يُمكنكم الخروج الآن! “. ركضنا نُعانقه وهو طمأنَنا: “لن يعودوا، لا تخافوا… إذهبوا إلى النوم”.
بقيَت والدتي معه لتعرفَ ما حدَثَ في العيادة، في حين ذهَبَ أخوَتي إلى فراشهما واختبأتُ أنا مُجدّدًا لاستراقَ السمَع، فقد كنتُ في الثالثة عشرة وكنتُ، كالكثير مِن الصبيان في مثل سنّي، أعلمُ بعض الأمور المُتعلّقة بالزواج. وسمعتُ أبي يروي لها:
ـ المسكينة وقعَت ضحيّة مُحتال وعدَها بالزواج، وأقنعَها بأنّ ممارسة الجنس معه ستكون بمثابة دليل على حبّها له… هذا ما يحصلُ حين تُربّى الفتيات على الخوف مِن مُشاركة ما يحصل لهنّ مع أهلهنّ لأنّهم قساة… تصوّري، كان أبوها مستعدًّا لقتلها… وكذلك أخوها… يا إلهي، ما هذا الحبّ الأبويّ والأسريّ؟!؟
ـ وكيف علِما بأنّها ليست بتولاً؟ ولِما أتوا بها جميعًا ليلة الفرَح؟
ـ لأنّ المبغضين كُثر… قبل انتهاء حفل الزفاف بقليل، جاء أحد الرجال الذين كانوا مُقرّبين مِن المُحتال الذي استغلّ المسكينة، وهمَسَ في أذُن العريس أنّ عروسته قد عاشرَت أحدًا مِن قبله. عندها اشتكى العريس إلى أب الصبيّة وأتوا إليّ فور مُغادرة المدعوّين.
ـ لكنّ العروس ليست بتولًا حتى لو أنّكَ كتبتَ تقريرًا رسميًّا.
ـ لن يعرفَ أحدٌ بذلك فوحده الطبيب يستطيع الجزم أو النفي…
ـ ألا تخاف أن يُسبب لكَ ذلك التقرير مشاكل لو كُشِفَت الحقيقة؟
ـ يا زوجتي العزيزة… التقرير لا يزالُ على طاولة الصالون… لقد غادَر الجميع بسرعة بعد أن سرّوا بما أكدّتُه لهم… كنتُ أعلَم أنّ لا أحد سيهتمّ بأيّ تقرير لِذا…
ـ لِذا؟
ـ اجلبي التقرير مِن الصالون وسترَين.”
راحَت والدتي وعادَت والورقة في يدها وهي تضحَك عاليًا، فالورقة كانت بيضاء. قبّلَت والدي قائلة: “لا أحدٌ يعرفُ الناس مثلكَ! أنا فخورة بكَ لأنّكَ أنقذتَ حياة تلك الفتاة، فهي قبل شيء ضحيّة… ضحيّة مُحتال وضحيّة أهل جاهلين لا يرون فيها سوى بضاعة تُباع أو يُقايَض بها… ألَم يُفكّر أبوها بأنّها مِن لحمه ودمه وأنّه رآها تكبر يومًا بعد يوم؟ أبهذه السهولة نسيَ أنّها إنسانة يحقُّ لها العَيش وإعطاؤها فرصة ثانية؟ وهل اسمه واسم عائلته أهمّ وأثمَن مِن نبضات قلبها والدم الذي يجري في عروقها؟!؟
ـ لا عليكِ حبيبتي، فالأمور جرَت بخير.”
أنا أيضًا إفتخَرتُ بأبي، وأظنُّ أنّ تلك الأحداث عزّزَت قراري بأن أصبَحَ أنا الآخر طبيبًا.
مرَّت السنوات ودخلتُ كليّة الطبّ في العاصمة، وصرتُ أزورُ البلدة وأهلي كلّ فرصة نهاية أسبوع. وذات مرّة قال لي أبي: “تعالَ معي، هناك رجل مُسنّ يُحتضَر… أنتَ تعرفُه جيّدًا فهو أب العروس التي كادَت أن تموت على يده”. إمتلأ قلبي بالامتعاض فلقد كرهتُ الرجل لفترة طويلة، فهو كان يُمثّلُ بالنسبة لي عكس مفهوم الأبوّة تمامًا.
دخلنا غرفة الرجل، وأخَذَ أبي مِن شنطته سماعته وفحَصَ قلب العجوز بصمت. كان مِن المعلوم أنّه لن يعيش طويلًا وأنّ حضور أبي كان شكليًّا فقط. لَم يرَ الرجلان بعضهما منذ حادثة الزفاف، فقال المُحتضَرلأبي وهو يتنفّس بصعوبة:
ـ أعلمُ الحقيقة… لستُ كما تتصوّرني يا دكتور عبدالله.
ـ ماذا تعني؟
ـ لقد اخترتُ المجيء إليكَ عن قصد في تلك الليلة، فالعريس اقتَرَحَ طبيبًا آخر في البلدة المجاورة التي تبعدُ دقائق عن بلدتنا إلّا أنّني رفضتُ ذلك بقوّة.
ـ ولِما اختَرتَني؟
ـ لأنّني أعرفُكَ جيّدًا، أعني سمعتُ عن قلبكَ الكبير وضميركَ الحَي وكنتُ أعلَم أنّكَ ستُنقذُ ابنتي.
ـ تعني أنّني سأُنقذُها منكَ!
ـ أجل… وأنا لستُ فخورًا بنفسي… هناك أشياء علينا فعلُها و…
ـ لا! لا أحد مُجبرٌ على قتل ابنته مهما كان السبب. على كلّ الأحوال، مضى وقت طويل على الحادثة.
ـ كنتُ واثقًا منكَ… أجل… لَم آخذ التقرير عن قصد كي لا أُسبّب لكَ المتاعب… علِمتُ بالذي حصَلَ لابنتي مع ذلك القذر قبل الزواج، فذلك الوغد نشَرَ الخبر… إنّها فتاة طيّبة لكنّنا قسونا عليها فضحِكَ عليها أوّل شاب رأَته… الذنب ذنبي… فهل يُسامحني الله؟
ـ أجل، فأنتَ حاولتَ حمايتها بمجيئكَ إليّ.
ـ لكنّني كدتُ أنّ أقتلها! إبنتي! إبنتي! بدلًا مِن أن أحميها! يا إلهي! على كلّ الأحوال لقد خسرتُها، فهي لَم تُسامحني… بالكاد أراها أو أرى أولادها.”
سكَت والدي مطوّلًا وغادرنا بصمت. كان العجوز فعلًا نادمًا لكن بعد ماذا؟
في اليوم التالي، وقبل عودتي إلى العاصمة، عادَ أبي يطلبُ منّي مُرافقته عند المريض نفسه، فخلتُ أنّ العجوز سيُفارق الحياة بين لحظة وأخرى. إلّا أنّ والدي أوقَفَ سيّارته أمام منزل آخر ورأيتُ امرأة وولدَين قادمين إلينا. تفاجأتُ بالمرأة إذ أنّها إبنة المُحتضَر، نفسها التي دخلَت بيتنا في لباس عروس. ركبوا جميعًا السيّارة وقادَ أبي بصمت، ثمّ توقّفَ أمام بيت العجوز واستدارَ نحو الابنة وقال لها:
ـ المُسامح كريم… تعلمين الآن الحقيقة وكيف أن والدكِ جلبَكِ إليّ كي يُنقذكِ… إنّه وليد بيئة ومجتمع معيَّن وعليكِ تفهّم ذلك حتى لو لَم تستطيعي تقبّله… إذهبي أنتِ وولداكِ إليه وقبّليه قبل أن تأخذه المنيّة… إفعلي ذلك مِن أجله وخاصّة مِن أجلكِ فلا يسعُكِ العَيش والضغينة تملأ قلبكِ.
ـ هذه المرّة الثانية التي تُنقذني فيها يا دكتور… شكرًا.”
ماتَ العجوز مُرتاح البال فابنته استطاعَت مُسامحته وأنا شكرتُ ربّي على هكذا أب.
صِرتُ دكتورًا وبعد تمرّسي في إحدى مُستشفيات العاصمة عدتُ إلى البلدة لآخذ الشعلة مِن أبي، آملًا أن أكون على قدر المهمّة التي تنتظرُني وأُنقذ ليس فقط الأجسام بل أيضًا العقول.

أضف تعليق