(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
كنتُ قد سمِعتُ عنها، لكنّني لَم ألتقِ بها إلّا يوم زفافنا. للحقيقة، لَم أكن أعلَم حتّى أنّها مدعوّة، بالرغم مِن أنّني كتبتُ شخصيًّا الأسماء على المغلّفات التي تحتوي الدعوات. فبعد دخولي ورضوان زوجي قاعة الاحتفال، جاءَت امرأة نحونا وعانقَتني مُبتسِمة ومُهنّئة. نظرتُ إلى رضوان، وهو قال لي: “إنّها ماجِدة… أخبرتُكِ عنها، زميلتي المُقرّبة في العمَل”. ردَدتُ لها الابتسامة وأُكمَلتُ طريقي إلى طاولة الشرَف حيث كان أهلي بانتظاري. بقيَ رضوان مع ماجِدة لبضع دقائق ثمّ وافاني قائلًا بحماس: “أليست رائعة؟”. لَم أُجِب لأنّني لَم أرَ أيّ روعة في ماجِدة، على الأقلّ خلال الثواني القليلة مِن لقائنا. نسيتُ الأمر بسرعة لأنّ ذلك اليوم كان الأجمَل في حياتي.
خلال شهر عسَلنا، إتّصلَت ماجِدة بزوجي مرّات عديدة، وطلبَت التحدّث معي لتهنئتي مُجدّدًا والسؤال عن أحوالي. وجدتُ الأمر مُزعِجًا، فمَن يتّصل بالعروسَين في هكذا وقت؟ إلّا أنّ زوجي دافَعَ عنها لأنّها “لطيفة وتُريدُ الاطمئنان علينا، فهي هكذا”. سكتُّ، فلَم أجِد شيئًا لأقوله، إلّا أنّني كنتُ بالفعل مُستاءة.
بعد عودتنا مِن شهَر العسَل، كنتُ امرأة سعيدة ولَم تخطر ببالي ماجِدة، لأنّ ما مِن شيء حصَل مِن ناحيَتها. مرَّت الأسابيع ثمّ الأشهر، حين عادَ زوجي ذات مساء مِن عمَله وعلى وجهه بسمة عريضة. جلَسنا سويًّا في الصالون، لأنّ كان لدَيه خبَر سار لي وهو أنّه قرَّرَ تأسيس شركة خاصّة به مع… ماجِدة! نظرتُ إليه باندهاش، لأنّ رضوان كان موظّفًا عادّيًّا وليس لدَيه أيّ خبرة في تأسيس وإدارة الشركات. لكنّه طمأنَني قائلًا: “أنتِ على حقّ، فكلّ ما عليّ فعله هو تأمين المبلغ المطلوب وتَرك الباقي لماجِدة، فهي تعرفُ الكثير عن الموضوع”. سألتُه غاضِبة مِن أين كان سيأتي برأس المال، وهو ابتسَمَ قائلًا: “لقد بِعتُ قطعة الأرض التي ورثتُها عن أبي… وقدّمتُ استقالتي اليوم!”. نظرتُ إليه، ثمّ نعتُّه بالغبيّ! وقَبل أن يستاءَ مِن كلامي أكمَلتُ:
ـ لَم تعُد لوحدكَ، بل صارَت لكَ شريكة حياة وعلينا تأسيس عائلة سويًّا، وها أنتَ تأخذ قرارَين حاسِمَين مِن دون استشارتي، فقط لأنّ تلك المرأة أقنعَتكَ بذلك.
ـ كانت ماجِدة على حقّ حين قالَت لي إنّكِ ستقفين في وجه مشروعنا!
ـ قُل لي… لماذا لَم تتزوّج ماجِدة بما أنّكَ تعتبرُها رائعة وذكيّة ولطيفة؟
ـ لأنّني أحبُّكِ أنتِ! ما هذا السؤال!
ـ حسنًا، إذًا عليكَ أن تسمَع منّي وتأخذ رأيي وتُفكّر بي وبأولادنا المُستقبلين!
ـ أنا أفعَل ذلك مِن أجلكِ ومِن أجل هؤلاء الأولاد! سترَين، سننجَح وسيكون لدَينا المال الوفير. فقط ثقي بي!”.
كانت عيناه تلمعان وهو يتحدّث وكأنّه ولَد صغير وجَدَ لعبة جديدة. خفتُ على مصيري لكنّني قرّرتُ، على مضض، مُجاراة رضوان. على كلّ الأحوال، كان قد باعَ الأرض وقدَّمَ استقالَته، وكلّ ما تبقّى أن أفعله هو أن أؤمِن بأن ماجِدة هي بالفعل جديرة بإدارة الشركات.
في الفترة التي تلَت، بالكاد رأيتُ زوجي، إذ أنّه كان مشغولًا بالشركة الجديدة، لكنّ ماجِدة كانت موجودة معنا خلال فرَص نهاية الأسبوع بانتظام، وتجلسُ مع رضوان ويتحدّثان عن الأعمال. شعرتُ بأنّني أوضَع جانِبًا، إذ كان مِن الواضح أنّ لا مكان لي بين هذَين الاثنَين. حاولتُ بضع مرّات أن أُجالِسهما، لكنّهما لَم ينتبِها إلى وجودي، حتّى حين حاولتُ القيام ببضع مُداخلات. عندها فهِمتُ أنّ لا لزوم لوجودي.
سألتُ مرّات عديدة زوجي كيف كانت تسيرُ الأمور بالنسبة للشركة الجديدة، وهو كان يُجيبُني في كلّ مرّة: “أصبري، تلك الأمور تسري على مهل، لكنّ النتيجة مضمونة حقًّا!”. لكنّ أوضاعنا المادّيّة بدأَت تسوء، إذ أنّني لَم أكن أعمَل، نزولًا عند طلَب زوجي قَبل الزواج، وهو ترَكَ عمَله في الشركة السابِقة، واستثمَرَ كلّ قرش لدَيه في مشروعه الجديد. فعلتُ جهدي لأتمكّن مِن إيجاد طريقة للمواصلة بالقليل الذي كنتُ وضعتُه جانبًا مِن مصروفي السابق، لكنّنا وصَلنا إلى مرحلة حيث باتَ شراء حاجيات البيت شِبه مُستحيل.
عندها غضِبتُ كثيرًا، فحانَ وقت التوقّف عن اللعِب ومواجهة الواقِع، لذا وضعتُ رضوان أمام الأمر الواقِع وهو أنّنا بحاجة ماسّة إلى المال وإلّا مُتنا جوعًا. نظَرَ إليّ زوجي مُستغرِبًا وقالَ: “أنتِ لا تفهميني، وحدها ماجِدة تفعل… فهي مثلي تمامًا… وأنا وأنتِ مُختلفان جدًّا”. ولدى سماعي ذلك، أجبتُه: “إبقَ إذًا مع ماجِدة، أنا عائدة إلى بيت أهلي إلى حين تسترجِع صوابكَ. وإن لَم تفعَل، فعليكَ تطليقي. لَم أعُد أتحمّل غباءكَ وافتتانكَ بتلك المرأة. وسأقولُها بكلّ وضوح: إمّا أنا أو هي!”. ومِن دون تردّد، قال لي رضوان: “مع ألف سلامة، فأنا أُريدُ شريكة تؤمِنُ بي!”.
أخذتُ أمتعتي وذهبتُ إلى أهلي باكية وشاكية، وهم احتضنوني بعد أن ذهِلوا بالذي يجري، لأنّني كنتُ قد كتَمتُ وضعي عنهم خوفًا مِن الشماتة وأمَلًا بأن تنجَح الشركة.
لَم يُحاوِل زوجي استرجاعي، بل انشغَلَ أكثر وأكثر بمشروعه، لدرجة أنّه نسيَني ونسيَ تطليقي حتّى. إضافة إلى ذلك، هو رهَنَ بيته ليدعَم الشركة ويزيد مِن رأس مالها.
مرَّت الأشهر، ثمّ السنة وفقدتُ كلّيًّا الأمَل بمواصلة زواجي، وأعترفُ أنّني اعتدتُ على العَيش مِن دون رضوان، خاصّة أنّني وجدتُ عمَلًا أحبَبتُه وأعطى هدَفًا لحياتي.
ثمّ وصلَني خبَر أدهشَني: كان رضوان قد خسِرَ كلّ شيء، بيته وماله وقطعة الأرض، ليس بسبب فشَل الشركة وحسب، ولكن لأنّ ماجِدة كانت قد أخذَت كلّ الأموال وسافرَت إلى البرازيل عند أخيها. فالواقِع أنّ زوجي الذكيّ، كان يُعطيها المال لتتصرَّف به لكثرة ثقته بها، وأعطاها أيضًا توكيلًا يُخوّلها أن تعمَل ما يحلو لها بهذا المال. أيّ أنّها لَم تقُم بأيّ شيء غير قانونيّ يُمكِن مُحاسبتها عليه. وذهابها إلى البرازيل لَم يكن فرارًا مِن العدالة، بل خوفًا مِن انتقام رضوان منها.
أسِفتُ لدى سماعي ذلك، لكن ليس كفاية لمُسامحة زوجي يوم هو دقّ باب بيت أهلي لاسترجاعي.
إسترجاعي لماذا؟ للفقر والقلّة؟ إسترجاعي لأصرِف عليه مِن راتبي، بعد أن بدَّدَ كلّ ما لدَيه لأنّه صدَّقَ امرأة نصّابة؟ وما ذنبي أنا؟ أين كان حبّه لي حين كان مفتونًا بماجِدة؟ فلَم أكن موجودة بالنسبة له أو ذكيّة كفاية لأفهَم بأمور الشركات، بل فالِحة فقط بالطهو والتنظيف، على خلاف ماجِدة التي كانت باعتقاده سيّدة أعمال ناجِحة.
البعض قالَ لي إنّ زوجي حتمًا أقامَ علاقة حميمة مع تلك المرأة، ولن أعرف أبدًا إن هو فعَلَ أو لا. لكنّني أعتقِد أنّه كان مُعجبًا بها فقط. مَن يدري؟
ماجِدة… يا للماكِرة! عرفَت كيف تدخل حياة رضوان ولاحقًا حياتنا، لتصبَح جزءًا مِن يوميّاتنا، لأنّها شعرَت بأنّ زوجي رجُل ضعيف وساذِج. ولقد تمَّ إبعادي شيئًا فشيئًا كَي لا أفسِد خطّطها، والله وحده يعلَم ماذا قالَت له عنّي ليُفضِّلها عليّ ويقبَل بتركي للبيت.
بقيَ رضوان يُحاول إقناعي بالعودة إلى حين فهِمَ الرسالة وطلّقَني أخيرًا، فشعرتُ بفرَح كبير لأنّني استرجَعتُ حياتي. حمَدتُ ربّي أنّني لَم أُنجِب منه وأُدمِّر إمّا حياتي أو حياة طفلي.
إنقطعَت أخبار رضوان كلّيًّا ونسيتُه، إلى حين علِمتُ أنّه وجَدَ عمَلًا بسيطًا ويعيشُ عند أقاربه، مُتنقِلًا بينهم بين الحين والآخَر. والمُحزِن، هو ليس فقط أنّه خسِرَ كلّ شيء بما فيه سقفًا يأويه، بل قيلَ لي إنّه ينوي تأسيس شركة مِن جديد… بمُساعدة ماجِدة! ماذا؟؟؟ أجل، فهي اتّصلَت به مِن البرازيل مُعتذِرة على الذي فعلَته، تحت حجَج عديدة ومِن بينها مرَضها السرّيّ الذي يتطلّب علاجًا مُكلِفًا. وهي وعدَته بأنّها ستُساعِده على الوقوف على رجلَيه فور تحسّن حالتها. سامَحها رضوان وانتظرَها. وبعد خمس سنوات على هذه القصّة، هو لا يزال ينتظرُ ماجٍدة لتعود مِن البرازيل، وفي هذه الأثناء، يبعَثُ لها قسمًا مِن راتبه شهريّا لتدفَع ثمَن علاجها الوهميّ.
أمّا بالنسبة لي، فلقد تزوّجتُ وأنجَبتُ وأعيشُ حقًّا سعيدة. وأحمدُ ربّي يوميًّا أنّني لَم أعُد زوجة ذلك الرجُل الغبيّ، الذي دمَّرَ حياته ولا يزال مُستعِدًّا لتدمير ما تبقّى منها.
