“عقاب مُستحقّ”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

وعدَني بالزواج وصدّقتُه طبعًا، فنحن نُصدِّق هكذا وعود لأنّها مُطابِقة لأحلامنا ورغباتنا. ولأنّني كنتُ سأصبَح زوجته، أعطَيتُه ما هو مُخصَّص للزوج، فظنَنتُ أنّ ذلك سيُسرِّع بزواجنا، لأنّني كنتُ ساذِجة وهو مُتلاعِب مُحترِف.
بدأَت علاقتنا حين رحتُ إلى ذلك المشفى لأعمَل كمُمرِّضة، وخلال أيّام قصيرة، صارَت لي صداقات في ذلك المكان المُغلَق، حيث لا نرى سوى الألَم والموت. فكّنا جميعًا كحِلف واحِد، نمرُّ سويًّا بالحلو والمُرّ، ونأمَل أن نتغلَّب على الحالات التي تأتينا وأن يخرجُ المرضى مُتعافين. إلّا أنّ قسمنا كان مُختصًّا بضحايا الحوادِث المُريعة كالمحروقين، والناجين، على الأقلّ لبضع ساعات، مِن حوادِث سَير فظيعة. وغالِبًا ما كنّا نفقدُ هؤلاء المساكين ويعمُّ الحزن قلوبنا. وكان هناك جهاد، وهو جرّاح ماهِر، أنقَذَ العديد مِن الموت المحتوم، وكان الكلّ يتطلّع إليه وكأنّه بطَل حقيقيّ. فيوم هو بدأ يُعيرُني أهمّيّة خاصّة، شعرتُ وكأنّني محظوظة بالفعل.
غارَت منّي زميلاتي والبعض منهنّ نبّهَتني منه، واحتَرتُ مَن أُصدِّق، فقلتُ لنفسي إنّ ما مِن ضرَر بقبول دعوة جهاد للعشاء، في ليلة كنّا نحن الاثنَين مُلزمَين بالبقاء في المشفى حتّى الصباح. وجدتُه ذكيًّا ويتحلّى بشخصيّة مُميّزة، وأعجبَني أسلوبه الرقيق… والمطعم الجميل الذي اصطحبَني إليه! فأنا آتية مِن بيئة مُتواضِعة، ولَم أتصوَّر أن أجِدَ يومًا نفسي في هكذا مكان فخم.
تتالَت اللقاءات والأحاديث، إلى حين هو اعترَفَ لي أنّه مخطوب لكنّه لا يُحِبّ تلك الصبيّة، بل أنّ مكانتها الاجتماعيّة مُهمّة لباقي مسيرته المهنيّة. حزِنتُ كثيرًا وقلتُ له إنّ مِن الأفضل ألّا نتواعَد بعد ذلك، لكنّه أسرَعَ بالقول:
ـ لا! فأنا أحبُّكِ أنتِ! ها أنا قلتَها أخيرًا… أنتِ سرقتِ قلبي مِن أوّل نظرة وأُريدُكِ أنتِ زوجة لي. لكن أمهليني بعض الوقت لأجِد طريقة للانسحاب مِن الخطوبة، فالمسألة تتخطّاني، إذ أنّ عائلتَينا مُتّفقتان حول موضوع الزواج. أنتِ مَن أُحِبّ وأنتِ مَن سأتزوّج!”
إمتلأ قلبي بالفرَح لدى سماعي تلك الكلمات والوعود، فنحن النساء نُحِبّ الكلام المعسول، ونُصدِّقه. ركضتُ أزِفّ الخبر السارّ لأهلي الذين طاروا مِن الفرَح، إذ أنّ ابنتهم ستتزوّج مِن جرّاح عظيم! فكان الأمر بمثابة انتصار إجتماعيّ للجميع، وحُلم صعب تصديق تحقيقه. وكان عليّ بالفعل عدَم تصديقه، فمَن أكون ليُريدُني رجُل كجهاد؟ فالذين مثله لا يتزوّجون إلّا مِن طبقتهم، ما عدا بضع استثناءات تُعَدّ على الأصابع.
طلَبَ منّي جهاد عدَم الافصاح عن علاقتنا إلى حين يجِد طريقة لِتَرك خطيبته، وبدأ يُناديني بِـ “خطيبتي” كلّما كنّا لوحدنا. وليؤكِّد لي أنّه جادّ، أهداني خاتمًا، لكن ليس مِن تلك الخواتم التي تُقدَّم للخطوبة، بل عادّيّ جدًّا يُمكنُني أن ألبِسه مِن دون أن أُثير الشُبهات.
إستمرَّ الحال على هذا النحو لفترة، ثمّ طلَبَ منّي جهاد أن نلتقي في غرفة فندق لأنّ خطيبته الرسميّة بدأَت تشكّ به، وأنّ الوقت لَم يحن بعد ليقول لها الحقيقة بسبب أهلها وأهله. قبِلتُ معه لأنّني كنتُ غبيّة ومولَعة به. لكن حين رحنا إلى ذلك المكان، هو أقنعَني بأن أثبِت له مدى حبّي وإعطاء نفسي له مِن دون شروط أو تردّد. أقنَعني نهائيًّا حين قال لي إنّنا في كلّ الأحوال سنتزوّج قريبًا، وهو بحاجة إلى دليل قاطِع على التزامي. بعد ذلك، لَم نعُد نلتقي في أماكن عامّة على الاطلاق، بل فقط في ذلك الفندق، ونعودُ فور انتهائه مِن الذي كان يفعله معي.
بدأَت تتصاعد في المشفى الأقاويل حولي وحول جهاد، فلقد لاحَظَ العديد الحميميّة الموجودة بيننا، فنبّهوني منه لكنّني لَم أستمِع لأحَد، لأنني كنتُ واثِقة مِن حبّ جهاد لي… إلى حين علِمتُ أنّه قد تزوّجَ!!!
كلّ المُمرّضات والأطبّاء كانوا مدعوّين لزفاف جهاد ما عداني، ومِن كلامهم في اليوم التالي عن الزفاف وجمال العروس فهمتُ ما حصَلَ حقًّا. حاولتُ الاتّصال بجهاد، لكنّ هاتفه كان مقفولًا واضطرِرتُ لانتظار عودته مِن شهر العسَل لمواجهته. في تلك الأثناء، كنتُ بحالة يُرثى لها، وبالكاد استطَعتُ الذهاب إلى عمَلي. الأمر الأصعَب كان اخفاء مشاعري وحزني واستنكاري عن أهلي وزملائي، ولَم أكن أعلَم إن شكَّ أحَد بما حصَل بي.
عادَ جهاد، العريس الجديد، إلى المشفى حيث تلقّى التهاني الحارّة. وحين هو رآني واقِفة أمامه، سحبَني مِن ذراعي إلى إحدى الغرَف الفارِغة وقالَ لي بسرعة:
ـ لقد أجبَروني على الزواج، تعرفين كيف هم الأهل… حاوَلتُ وقاوَمتُ لكن مِن دون جدوى… أنتِ مَن أُحِبّ، صدّقيني!
ـ كيف أُصدّقكَ؟!؟
ـ صدّقي قلبكِ… تعلمين كَم أنتِ ثمينة بالنسبة لي… زواجي لا يعني شيئًا على الاطلاق، إنّه فقط قطعة ورق وحبر. ما يهمّ هو ما في القلب والبال. جرّبيني، وإن وجدتِ أنّ حبّي لكِ قلَّ بذرة واحِد، عندها قولي لي إنّني كاذِب!”.
أقنعَني جهاد مرّة أخرى، وصدّقتُه لكثرة سذاجتي وافتتاني به. فكانت له قدرة هائلة على الاقناع، ليس فقط في ما يخصّني، بل مع الآخَرين أيضًا. لكن بالرغم مِن كلّ شيء، بقيَ قلبي حزينًا وفقدتُ بسمَتي وفرَحي. عُدنا نلتقي في الفندق وعُدتُ أسمَع الكلام الجميل.
علِمَ أهلي بموضوع زواج جهاد، ووبّخوني كثيرًا لأنّه ضحِكَ عليّ ولأنّني أخفَيتُ الأمر عنهم. بتُّ محَطّ سخرية أهلي وأقاربي، لأنّني صدّقتُ أنّ جرّاحًا سيتزوّجني. لكنّني بقيتُ أتمسّكَ بحبّ جهاد لي الذي ملأ قلبي، إلى حين جاءَت زوجته إلى المشفى بزيارة مُفاجئة. يا إلهي كَم أنّها جميلة وأنيقة! ولحظة رآها، ركَضَ جهاد إليها وعانقَها بِحنان، فرأيتُ أمام عينَيّ كيف هو يكون عندما يُحِبُّ حقًّا، وفهِمتُ أنّني لَم أكن سوى لعبة بالنسبة له، وأنّ الجميع كان على حقّ عندما نبّهوني منه وقالوا عنه إنّه يتلاعَب بمشاعر الفتيات الغبيّات. وقفتُ أمام جهاد وزوجته، لكنّه لَم ينظُر إليّ على الاطلاق لأنّني لَم أكن موجودة بالنسبة له. مشى وزوجته بعيدًا، ودخَلا مكتب مُدير المشفى لتُلقي الزوجة التحيّة عليه. أمّا بالنسبة لي، فعُدتُ إلى عمَلي وقلبي ثقيل وعينايَ مليئة بالدموع. حاوَلَ جهاد لاحِقًا تبرير نفسه وأقنعتُه بأنّني أُصدِّقه، لكنّني كنتُ قد رأيتُ أخيرًا حقيقة ذلك الرجُل. إتّفقنا على اللقاء في الفندق “ليُعبِّر لي على مشاعره كامِلة”.
وبعد وصولنا إلى تلك الغرفة بحوالي الربع الساعة، سمِعنا دقًّا على الباب، وعندنا فتَحَ جهاد الباب وهو نصف عريان، وجَدَ زوجته أمامه والغضب والشرّ على وجهها. أمّا بالنسبة لي، فقد رتَّبتُ نفسي وأخذتُ حقيبة يَدي وخرجتُ مِن الغرفة، مارّة قرب الزوجة التي همَسَت لي: “شكرًا”. نظَرَ جهاد إلينا باندهاش قَبل أن تدخل الزوجة الغرفة… وبرفقتها رجُلان ضخمان أتيا معها.
عادَ جهاد إلى المشفى لكن ليس بصفته جرّاحًا، بل مريضًا، ليُعالَج بسبب كسوره العديدة والبليغة. بعد حين، دخلتُ غرفته وهو نظَرَ إليّ بمزيج مِن الخوف والاندهاش والغضَب. وقَبل أن يتفوّه بأيّ كلِمة، قلتُ له همسًا في أذنه:
ـ أجل، أنا التي قلتُ لزوجتكَ أين تجِدُنا، بعد أن اجتمَعتُ بها وأرَيتُها كلّ رسائلكَ الخطيّة لي المليئة بالحبّ والوعود. كلّها… حتّى التي أرسلتَها لي بعد زواجكَ حيث تقولُ لي كَم أنّكَ نادِم على زواجكَ وكَم تمقُت تلك المرأة. قلتُ لها أن تأتي إلى الفندق، لكنّني جعلتُها تعِدُني بألّا تأتي لوحدها، بل مع مَن بإمكانه تأديبكَ وحَملكَ على عدَم التلاعب بقلوب وشرَف الفتيات الساذِجات. لقد اطّلَعتُ على ملّفكَ الصحّيّ قَبل المجيء إليكَ الآن، وحالتُكَ بشِعة للغاية، خاصّة في ما يخصّ يدَيكَ… فكلّ أصابعكَ مكسورة… يا للأسف… جرّاح ماهِر يفقِدُ استعمال يدَيه، ولفترة طويلة… قد لا تستطيع مزاولة مهنتك أبدًا، فبعض الكسور لا تُشفى كلّيًّا، ما سيُعطيكَ مُتّسَع الوقت للتفكير بما فعَلتَه بي وبغيري، وبأنّ لكلّ فعل ردّة فعل. آه، كِدتُ أن أنسى… هنيئًا لكَ على طلاقكَ!
ـ لقد دمَّرتِني أيّتها الأفعى!
ـ لا بل أنتَ دمَّرتَ حياتي، ومِن كلّ النواحي! صحيح أنّني كنتُ غبيّة حين أحبَبتُكَ، يا دكتور جهاد، لكن إيّاكَ أن تستهين بامرأة تمَّ التلاعب بها!”.

أضف تعليق