“وكأنّها القرون الوسطى!”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

يوم دخلَتُ الجامعة، كنتُ أسعَد فتاة في الدنيا، إذ أنّني أوّل مَن يصِل إلى ذلك الحدّ مِن التعلّم في العائلة، ولزِمَني الكثير مِن الاقناع ليقبَل أهلي بأن أخوضَ تلك التجربة التي لَم تكن تُعَّد ضروريّة لدى بنات العائلة، لأنّنا كنّا مُعدّات للزواج والانجاب فقط.
صارَ لي أصدقاء وصديقات في الكلّيّة تقاسَمتُ معهم أحلامي وطموحاتي، وكنتُ فالِحة جدًّا في دروسي ومِن أوائل صفّي. لَم يحظَ جهدي بالترحيب المرجوّ بين ذويّ، إلّا أنّني لَم آبَه للأمر إذ أنّ ردّة فعلهم كانت مُتوقّعة منذ البدء.
تعرّفتُ إلى رفيق صدفةً وأنا عائدة مشيًا على الأقدام، بعد أن تعذَّرَ على أخي أن يوصِلني إلى البيت كعادته بعد انتهائه مِن عمَله. فتوقّفَت سيّارة بجانبي، وأنزَل السائق نافذته ودعاني للركوب معه. بالطبع رفضتُ، فمَن كان يحسبُني؟؟؟ دارَ حوار بيننا مفاده أنّ فتاة حسناء مثلي لا يجِب أن تمشي لوحدها بعد غروب الشمس، فأجبتُه أنّ هذا ليس مِن شأنه وأنّ عليه الرحيل قَبل أن أبدأ بالصراخ وأجمَعُ المارّة. ضحِكَ الشاب ورحَلَ.
في اليوم التالي، وجدتُه واقِفًا عند باب الكلّيّة يتحدّث مع أحَد الطلّاب وهو لَم ينظُر إليّ قط، بل تصرّفَ وكأنّني لستُ موجودة. ركبتُ سيّارة أخي وأشَرت إلى الشاب قائلة: “إنّه الذي حاوَلَ اصطحابي البارِحة”. جعلَني أخي أعِدُه بأن أقولَ له إن حاوَل ذلك الشخص مُضايقتي مُجدّدًا ليُلقّنِه درسًا، ونسيتُ الموضوع.
عدتُ ورأيتُ رفيق كلّ يوم تقريبًا في أماكن مُختلِفة مِن الكلّيّة، إلّا أنّه لَم يُكلّمني على الاطلاق أو يُزعجني بأيّ طريقة، لِدرجة أنّني اعتدتُ الأمر وباتَ ذلك الشاب جزءًا مِن الديكور.
وذات يوم، وجدتُ رفيق بصحبة زملائي وزميلاتي في الكافيتريا يشربون القهوة، فخطَرَ ببالي ألّا أنضمّ إليهم لكنّ أحدَهم ناداني لأجلِسَ معهم، فلَم يسعَني الرفض. جلَستُ مع المجموعة لكنّني لَم أُلقِ التحيّة على رفيق، ليفهَمَ أنّني لا أُريدُه.
لكن خلال الجلسة، وجدتُ أنّ ذلك الشاب يتحلّى بروح مرِحة، ويعرف كيف يروي القصص المُشوِّقة. لكن ذلك لَم يحمِلني على الاعجاب به لأنّ كان هناك شيء مُريب به لَم أقدِر تفسيره.
بعد تلك الجلسة، صارَ رفيق يُلقي التحيّة عليّ وأنا أردُّها له لكن ليس أكثر. فلَم آتي إلى الجامعة لإقامة علاقات، بل للدّرس وتأمين مُستقبل جميل لنفسي ولعائلتي، ولأثبتَ لهم أنّ الثقافة والمعرفة أمران مُهمّان لحياة المرأة، وأنّنا لسنا فقط للانجاب والأعمال المنزليّة. ثمّة شيء لَم أفهمه، وهو ما الذي كان يفعله رفيق في الكلّيّة في حين هو ليس طالِبًا فيها؟ فلقد فهِمتُ مِن الحديث الذي دارَ بينه وبين زملائي في الكافيتيريا، أنّه يعمَل كميكانيكيّ ثمّ هم بدأوا يسألونه عن سيّاراتهم وأمور مُشابِهة.
وذات يوم، رحتُ إلى رفيق وهو واقِف في إحدى زوايا الكلّيّة وسألتُه:
ـ ماذا تفعل هنا كلّ يوم؟
ـ أقضي بعض الوقت، لماذا السؤال؟
ـ لأنّ هذا المكان مُخصّص للطلّاب، وأنتَ لستَ طالِبًا هنا أو في أيّة كلّيّة أخرى!
ـ أفعلُ ما أشاء، فأنا لا أُزعِجُ أحدًا. هل أنتِ مُتشاوفِة لهذه الدرجة؟ هل تُعدّين نفسكِ أفضل مِن الذين لَم يُكمِلوا دراستهم؟
ـ أنا آسِفة، لَم أقصد… كان مُجرّد فضول مِن جانبي.
ـ هذا ليس صحيحًا… مِن نبرة صوتكِ أستطيع القول إنّكِ تنظرين إليّ وكأنّني لستُ مِن مستواكِ.
ـ لا! أبدًا، أعذرني.”
أدارَ رفيق ظهره لي وشعرتُ بالأسف تجاهه. فعندما تأخَّرَ أخي لاصطحابي مِن الجامعة وقفتُ لوقت طويل عند المدخل ومرَّ رفيق في سيّارته عارِضًا عليّ توصيلي، لَم أستطِع الرفض كَي لا يتأكّد مِن أنّني مُتشاوِفة.
وكانت تلك هفوة ستُكلّفني الكثير.
إذ أنّ رفيق قادَ بي ليس إلى بيتي… بل إلى بيته!
في البدء لَم أفهَم لماذا هو غيَّرَ طريقه، إلّا أنّه قالَ لي إن عليه المرور بمكان ما لشراء ما طلبَته منه أمّه، فسكتُّ. لكنّه أوقَف مركبته أمام بيت معزول وطلَبَ منّي الترجّل. وعند رفضي، فتَحَ بابي وأمسكَني مِن ذراعي وسحبَني إلى الداخل حيث كانت أمّه بانتظارنا. وأوّل شيء قالَته لي كان: “أهلًا بالعروس!”. مرّة أخرى لَم أفهَم ما يجري، ثمّ بدأتُ أصرخ بأنّني أُريدُ العودة إلى بيت أهلي، وأنّ لا يحقّ لهم باحتجازي بالرغم عنّي، وأنّني سأشتكي لدى أهلي والشرطة وأشياء مُماثِلة. لكنّ رفيق وأمّه بدآ بالضحك حتّى قالَت لي المرأة:
ـ أنتِ باقية عندنا ولا يجوزُ أن تعودي إلى أهلكِ، فماذا ستقولُ الناس عنكِ؟
ـ وهل نحن في القرون الوسطى؟!؟ لن يقولَ أحدٌ شيئًا ما عدا أنّكما خطفتُماني! أخي سيتصرّف معكَ يا رفيق، سترى!”.
عندها قال رفيق وبسمة على وجهه:
ـ أخوكِ؟ هو مَن دبَّرَ كلّ شيء!
ـ ماذا تقول؟ أنا لا أُصدّقكَ!
ـ في أوّل مرّة عرَضتُ عليكِ توصيلكِ، أين كان أخوكِ؟
ـ هو لَم يستطِع المجيء إلى الكلّيّة.
ـ واليوم، أين أخوكِ؟
ـ لقد تأخَّرَ و… هل يعني ذلك… يا إلهي! لماذا يفعلُ أخي ذلك؟ لماذا؟!؟
ـ ليس فقط أخوكِ، بل كلّ عائلتكِ! لقد سئموا مِن موضوع الجامعة الذي يُبعدُكِ عن مهامكِ الأساسيّة، وهي أن تكوني زوجة وأمًّا. وحين أعرَبتُ لهم عن رغبتي بالزواج منكِ لأنّكِ لطالما كنتِ تُعجبيني، قالوا لي: “إن استطعتَ سحبها مِن الجامعة، فهي لكَ”.
ـ وهل أنا بضاعة لتساوموا بي؟!؟
ـ أنتِ ابنتهم وبإمكانهم التصرّف بكِ كما يشاؤون.
ـ أنا انسانة بحدّ ذاتي، لدَيّ شخصيّتي وكياني وأحلامي!
ـ كفاكِ فلسفة! ستصبحين زوجتي شئتِ أم أبَيتِ!
ـ ألا يهمّكَ أن أُحبّكَ؟!؟ أن أُريدكَ؟!؟ وهل الزواج يكون غصبًا؟!؟
ـ ستحبّيني مع الوقت، سترَين!”.
في اليوم نفسه جاءَ مأذون إلى بيت هذَين الماكرَين، وقلتُ له إنّني خُطِفتُ وسأتزوّج عنوةً، لكنّ الرجُل قالَ إنّ أبي موافِق وهذا يكفي. بكيتُ وتوسّلتُ مِن دون جدوى. لكن أحَد الشاهدَين الموجودَين على توقيعي، شعَرَ بأنّ الموضوع خطير ولَم يقبَل بالذي يجري وهدَّدَ بفضح ما يحصل. عندها، إنضمَّ إليه الشاهد الثاني الذي خافَ مِن التداعيات إذ أنّني بقيتُ أهدِّد بإخبار الشرطة. ولدى انسحاب الشاهدَين، قلتُ لهما:
ـ خُذاني معكما… إنّ ما يحصل لا يُرضي الله أو القانون…. ربّما لدَيكما بنات، أو أخوات، هل ترضون أن تُخطفنَ وتُجبَرنَ على الزواج مِن شخص غريب؟ إن تركتُماني هنا، فمصيري بائس، وسألعَنكما مدى الحياة، وسأشتكي عليكما. خذاني معكما، أرجوكما!”.
وقَفَ رفيق أمام الباب لِمَنعي مِن الرحيل، إلّا أنّ أحَد الشاهدَين أزاحَه قائلًا: “أنتَ لَم تقُل لنا إنّكَ خطَفتَ فتاة وتريدُ الزواج منها رغمًا عنها! دَعنا نمرُّ أو اشتكَيتُ أنا عليكَ! هيّا!”. خافَ رفيق وأمّه واستطَعنا الخروج مِن ذلك البيت القذِر.
لَم أعُد إلى بيت أهلي، بل التجأتُ إلى صديقة لي تعرّفتُ إليها في الكلّيّة، وقَبِلَ أهلها باستقبالي بعد أن علِموا بما جرى لي. إتّصلتُ بأخي وبدأتُ أصرخُ به وأُهدِّد، وأخبرتُه بأنّني لن أعودَ أبدًا إلى بيتٍ يبيعُ أناسها بناتهم. أعطى أخي الهاتف لأبي الذي أمرَني بالعودة، لكنّني أجَبتُه بأنّني راشِدة ولا يسَعه فعل أيّ شيء. بعد ذلك، قصدتُ الشرطة واشتَكَيتُ على رفيق وأمّه وأعطَيتُهم إسم الشاهدَين والمأذون. تمّ التحقيق مع هؤلاء، واتّضَحَ أنّ رفيق مطلوب مِن العدالة بتهمة سرقة سيّارات، فقبضوا عليه على الفور. أسِفتُ أنّ أهلي كانوا مستعدّين لتزويجي مِن أيٍّ كان، فقط لِمَنعي مِن تحصيل العِلم، لكنّ ذلك لَم يوقِفني. فلقد وجدتُ عمَلًا في مكتبة الكلّيّة، وتابَعتُ عِلمي بينما بقيتُ أعيشُ مع صديقتي وأهلها، وهم أناس طيّبون ومُثقّفون. بعد حوالي العامَين، نِلتُ شهادتي وبدأتُ العمَل في شركة، الأمر الذي ساعدَني على استئجار شقّة صغيرة. في تلك الأثناء، لَم يُحاوِل أحَد مِن أفراد عائلتي الاتّصال بي أو السؤال عنّي، فبنظرهم كنتُ “ميّتة”.
ويوم تزوّجتُ مِن رجُل أحبَبتُه بالفعل، لَم أدعُ أهلي لِفرَحي لأنّني لَم أستطِع أن أغفُر لهم، فتصوّروا لو لَم يُنقِذني الشاهدان!

أضف تعليق