“كان عليّ أن أُظهِر الحقيقة” ـ الجزء الأول ـ


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية )

عادَ بهجَت ذات يوم مِن عمَله، ليقولَ لي إنّه تمَّ فصله لأنّ الشركة على شفير الافلاس، فواسَيتُه لأنّ الدّمع كان يملأ عَينَيه، ليس فقط لأنّه أحَبَّ عمَله، بل لأنّه شعَرَ أنّه لن يعودَ مُعيل عائلتنا الصغيرة. طمأنتُه قائلة إنّه موهوبٌ جدًّا، وسيجدُ بديلًا لوظيفته بسرعة وإنّ ألف شركة تتمنّاه، مُضيفةً أنّني سأبحث عن عمَل بسرعة، فقد كنتُ امرأة عامِلة قَبل ولادة وحيدنا. نمنا في تلك الليلة مُتعانقَين، وكنتُ واثِقة مِن أنّ الأمور ستجري جيّدًا لأنّ زوجي إنسان طيّب وعاقِل ومؤمِن، فكان لا بدّ أنّ يوفِّقه الله.
لكن بعد حوالي الأسبوعَين، وجدتُ زوجي يختبئ في الحمّام وجسده مُغطّىً بالكدمات. شرَحَ لي بهجَت أنّه وقَعَ ضحيّة اعتداء هدفه سرقته، حين كان عائدًا مِن السوبر ماركت، لكنّه قاوَمَ المُعتدين بشراسة لأنّه ليس جبانًا، بل هو شجاع كما عهدتُه. عرضتُ عليه أن آخذه إلى المشفى، لكنّه رفَضَ بقوّة، ورفَضَ أيضًا أن يُقدِّم بلاغًا لدى الشرطة. شفيَ زوجي مِن كدماته ببطء إذ أنّ الاعتداء كان بليغًا.
بعد الاعتداء، لزِمَ بهجَت البيت، بينما كنتُ أذهب إلى العمَل الذي وجدتُه في أحَد محلّات الألبسة، وهو يهتمّ بابننا حين يعودُ مِن المدرسة. لكن حتّى بعد شفائه، لَم يخرج زوجي إلى أيّ مكان، وكأنّه خائف مِن أن يتعرّض للأذى مُجدّدًا، الأمر الذي تفهّمتُه تمامًا، إذ أنّ الحادِثة كانت بالفعل وحشيّة. فلماذا لَم يكتفِ هؤلاء بسرقته والرحيل بعد ضربه كفاية ليستسلِم؟ لماذا هذا التركيز لأذيّته؟ فبدا لي الأمر وكأنّه شخصيّ وليس بدافِع السرقة وحسب. أطلَعتُ زوجي على نظريّتي، طالبةً منه التذكّر جيّدًا إن هو رأى وجه أحَد المُعتدين أو أيّ تفصيل يُمكِّنُنا مِن التعرّف عليهم، إلّا أنّه بقيَ يقولُ إنّ الحادثة وقعَت ليلًا وإنّهم كانوا يرتدون أقنِعة. لَم أُصِرّ، خاصّة بعدما رأيتُ أنّ أسئلتي كانت تُزعجِه، وفهِمتُ أنّه كان يُريدُ نسيان ما حصَلَ له. شجّعتُه على البحث عن عمَل ليتسلّى وينسى، إلّا أنّه بقيَ يُرجئ الموضوع.
لكن في أحَد الأيّام، إلتقَيتُ صدفة في السوبر ماركت بأحَد زملاء بهجَت السابقين، فركضتُ أسأله إن هو وجَدَ عمَلًا بعد أن أعلنَت الشركة إفلاسها، على أمَل أن يجِدَ لزوجي وظيفة معه. إلّا أنّ الرجُل نظَرَ إليّ برَيبة واضِحة، ثمّ تمتَمَ بضع كلمات لَم أفهَمها وأدارَ لي ظهره وتابَع تسوّقه. لكنّني لَم أستسلِم، فكنتُ أعلَم أنّ مكوث زوجي في البيت كان مُدمِّرًا له، فلحِقتُ بالرجُل وسألتُه مُجدّدًا السؤال نفسه. عندها قالَ لي بِنرة غاضِبة:
ـ إمّا أنّكِ تدّعين الغباء، أو أنّ زوجكِ لَم يقُل لكِ عن السبب الحقيقيّ وراء طرده. فالشركة لَم تُعلِن أفلاسها ولا أزال أعمَل لدَيها.
ـ طرده؟؟؟ ماذا تعني؟ لستُ أفهَم!
ـ آه… بالطبع لَم يستطِع بهجَت مواجهتكِ بالحقيقة… إسأليه عن سارة، فأنا مُتأكِّد مِن أنّ لدَيه الكثير ليقوله بشأنها.”
رحَلَ الزميل السابق وبقيتُ واقِفة وسط الممرّ أُحاوِل فهم ما قصده. تركتُ عربة الحاجيات حيث هي، وركضتُ إلى البيت لأستفهِم مِن زوجي عن سارة. ولدى سماعه اسم تلك المرأة، بدأ بهجَت بالبكاء سائلًا مَن أخبرَني عنها وماذا علِمتُ بالتحديد. عندها كذِبتُ عليه وقلتُ:
ـ علِمتُ كلّ شيء! لكن أُريدُ سماع القصّة مِن فمِكَ! وإيّاكَ أن تُخفي عنّي شيئًا!
ـ حسنًا، حسنًا… لكن صدّقيني حين أقولُ لكِ إنّني بريء، صدّقيني!
ـ تكلَّم!
ـ تلك المرأة، سارة، هي بالفعل أفعى. جاءَت إلى الشركة منذ أقلّ مِن سنة حامِلة شهادات عالية وفي بالها شغل منصبي. وأنتِ تعلمين أنّني وصلتُ إلى ذلك المنصب ليس بالشهادات، بل بفضل الخبرة وثقة الإدارة والعملاء بي. ومنذ وصولها، وهي تحاول تشويه عمَلي، ولفتَ الانظار إلى ما أسمَته أخطاءً جسيمة عن غير حقّ. لَم تحصل على أيّة ردّة فعل، لذلك هي بدأت بالتلاعب بعقول زملائي وتحريضهم ضدّي. البعض انضمَّ إليها، والبعض الآخر بقيَ وفيًّا لي. ضربتُها الأخيرة والقاضية كانت الادّعاء بأنّني تحرّشتُ بها، لا بَل فعلتُ ما هو أفظَع مِن ذلك، وأقنعَت الادارة بذلك يوم اشتكَتني لديهم باكية. أنكرتُ لدى المسؤول عن الموارد البشريّة تهمّة التحرّش، لكنّه لَم يُصدّقني إذ أنّ سارة أعطَتُه تفاصيل رهيبة عمّا تدّعي أنّه حصَل. عندها تمّ طردي. لَم أقُل لكِ الحقيقة، أعذريني، فكيف كنتِ ستتقبّلين الخبَر؟ إضافة إلى ذلك، حين قرّرتُ انتقاد طردي، إعترضَني رجال مجهولون ذات مساء وأبرَحوني ضربًا قائلين إنّهم سيقتلوني في المرّة القادِمة إن بقيتُ مُصرًّا على مُتابعة موضوع سارة. هذه هي الحقيقة كامِلة، أقسمُ لكِ!
ـ يا إلهي! ما هذه المُصيبة!
ـ أنتِ لا تُصدّقيني! أنا بهجَت، زوجكِ وحبيبكِ! هل تشكّين ولو للحظة أن أكون مِن هؤلاء الذين يعتَدون على النساء؟!؟
ـ لا طبعًا… أنا أُصدّقكَ، لا تخَف، لكن كيف لهذه المرأة أن تصِل إلى هذا الحدّ مِن الكذِب والمِكر؟ كيف تُدمِّرُ سمعة شخص آخَر فقط لنَيل منصب ما؟!؟
ـ هي تطمَح إلى الأعلى، فلا بدّ أن تمرّ بمنصبي لتصل إلى رئاسة الشركة.
ـ لكن أن ينقلِبَ زملاؤكَ عليكَ!
ـ كنتُ أقسو عليهم لِيتمّ العمَل في موعده وبالشكل المطلوب، ربّما هم ظنّوا أنّهم سيرتاحون إن رحَلتُ.
ـ ألَم تُقابِل مُديركَ؟ ألَم تشرَح له؟
ـ لا، فقط المسؤول عن الموارد الانسانيّة، فهذا عمَله. أرجوكِ أن تنسي الموضوع، أعِدُكِ بأنّني سأجِدُ عمَلًا جديدًا، فلقد ارتحتُ كثيرًا بعدما علِمتِ الحقيقة، فقسم كبير مِن يأسي كان خوفي مِن ردّة فعلكِ.”
للحقيقة أقلقَني ذلك الحديث وأتعبَني، فبالرّغم مِن أنّني صدّقتُ بهجَت لأنّه زوجي وأعرفُه جيّدًا، فقد كنتُ أكرَه فكرة التحرّش والاعتداء وأُحاوِل عدَم التفكير به على الاطلاق لأنّه هاجِس كلّ فتاة منذ صغرها حتّى مماتها. فالرجال المرضى أو قليلو الأخلاق كُثر، وكلّنا نخاف أن نكون ضحيّتهم، وما هو أهمّ، ألّا يُصدِّقنا أحَد لو اشتكَينا عليهم. لكن مِن جهة أخرى، كانت هناك نساء ماكِرات تتّهِمنَ رجالًا أبرياء. حاولتُ نسيان الموضوع قدر المُستطاع والتركيز على ابني وعمَلي، وتركتُ عبء إصلاح الأمور على زوجي، فهو رجُل ناضِج وربّ عائلة وعليه الوقوف على رجلَيه بسرعة وتخطّي محنته.
لكن في قرارة نفسي، بتُّ أشمئزّ مِن بهجَت مِن دون أن أعرف لماذا!
ربّما كان السبب أنّه مُرتبط بشكل ما بموضوع يُزعجُني لأقصى درجة كما ذكرتُ، وربّما لأنّه أظهَرَ ضعفًا كبيرًا تجاه وضعه واستسلَمَ بسرعة. على كلّ الأحوال، كنّا بحاجة إلى المال ولَم أكن مُستعِدّة لإهمال وظيفتي وخسارتها. مرَّت الأسابيع والشهرَين حين وجَدَ بهجَت أخيرًا عمَلًا، فارتاحَ بالي مِن ناحيته إذ أنّه كان بالفعل مُحبَطًا.
لكنّ مسألة التحرّش عادَت إلى بالي، وصِرتُ أُفكِّر بطريقة لفضح تلك التي اسمها سارة، خوفًا مِن أن تصِل أصداء تلك المسألة إلى آذان المسؤولين عن زوجي الجدد. فماذا لو لاحقَت تلك الإشاعة بهجَت أينما عمِلَ؟ بالفعل كان عليّ إيجاد طريقة لتبيان الحقيقة، وغَسل اسم زوجي واسمنا جميعًا مِن عارٍ كبير.
لِذا وجدتُ أنّ الانسانة الوحيدة التي بإمكانها مساعدتي في مُهمّتي كانت منال، إحدى زميلات بهجَت القدامى. كنتُ أعرفُها بطريقة سطحيّة لكن كفاية لأتّصل بها وأُعطيها موعدًا لمُناقشة موضوع سارة، وقد أعطَتني رقم هاتفها يوم تبادَلنا الأرقام، خلال حفل أقامَته الشركة في ما مضى. لَم تتواصَل منال ببهجَت بعد طرده على الاطلاق، ربّما لأنّها خافَت مِن التداعيات لو أنّها فعلَت، لكنّني علِمتُ مِن زوجي أنّها كانت مِن الذين وقفوا معه ضدّ الفريق الآخَر. يا رب، ساعدني لإظهار الحقيقة، فلا أُريدُ أن يكبر ابني ويسمَع أخبارًا سيّئة عن أبيه، فُيؤثِّر ذلك على نظرته له، لأنّه بمثابة بطَل بالنسبة له.
وعندما إتّصلتُ بمنال وذكّرتُها بنفسي، قالَت لي بِتردّد:
ـ أجل، أعِرفُ مَن تكوني، فرقمكِ مُسجَّل في هاتفي. ماذا تُريدين؟
ـ أودُّ الجلوس معكِ في مكان ما لنتكلّم.
ـ عمّا؟
ـ أمور عديدة… أرجوكِ أن تقبلي، فالموضوع هامّ بالنسبة لي.
ـ لستُ أدري… أفضِّل عدَم رؤيتكِ، فالوضع بالشركة شائك.
ـ هل عليّ التوسّل إليكِ؟ إذًا سأتوسَّل!
ـ لا، لا… حسنًا، سأراكِ.”
(يتبَع)

أضف تعليق