(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
ظننتُ أنّ منال لن تأتي إلى موعدنا، لأنّني أنتظرتُها في ذلك المقهى لِحوالي الساعة. وحين كنتُ على وشك الرحيل، رأيتُها قادِمة وعلامات الهمّ والخوف على وجهها. جلسَت المرأة قُبالتي وقالَت على الفور:
ـ لقد تردّدتُ كثيرًا في ما يخصّ مجيئي اليوم، لكن ها أنا هنا… ماذا تُريدين معرفته؟
ـ سارة… تلك المرأة دمَّرَت حياة بهجَت المهنيّة والنفسيّة والجسديّة. هل تعرفين أنّها أرسلَت رجالًا أبرحوا زوجي ضربًا لِدرجة إرساله إلى المشفى؟ وكلّ ذلك مِن أجل ماذا؟ لكَي تأخُذ منصبه؟
ـ أهذا ما قالَه لكِ بهجَت؟ أنّها تُريدُ أخذ مكانه؟
ـ أجل، لماذا إذًا هي ادّعَت أنّه تحرّشَ بها؟
ـ لأنّه فعَلَ حقًّا، فهو تحرّشَ بها حقًّا.
ـ ماذا تقولين؟!؟ أنتِ الأخرى متواطئة معهم؟
ـ لستُ مُتواطئة مع أحَد! سألتيني وأنا أجبتُكِ!
ـ وكيف عرفتِ أنّه بالفعل تحرَّشَ بها؟
ـ لأنّه حاوَلَ أيضًا معي سابقًا.
ـ أيّتها الكاذِبة! أليس لدَيكِ أيّة ذرّة ضمير؟
ـ كان يجدر بي عدَم القدوم إلى هنا!
ـ ومِّما أنتِ خائفة إن كنتِ تقولين الحقيقة؟
ـ أخافُ على سُمعتي يا سيّدة! وأخافُ مِن بهجَت الذي هدّدَ بأذيّتي لو أخبَرتُ أحَدًا عمّا فعلَه معي.
ـ ولستِ خائفة الآن؟
ـ حين رأيتُ شجاعة سارة وكيف أنّها فضحَت بهجَت، شعرتُ بقوّة في داخلي وعَزم على عدَم السكوت، بل التصرّف لمَنع هكذا تصرّفات! زوجكِ إنسان معدوم الأخلاق، إنسان مريض لا يُفكِّر سوى بالجنس وكيف يحصل عليه بالرضى أو بالقوّة!
ـ أنتِ إنسانة فاجِرة!”.
خرَجتُ بغضب مِن المقهى وجلَستُ في سيّارة أبكي، لأنّ زوجي كان بالفعل ضحيّة مؤامرة قذِرة. لكنّني لَم أكن مُستعِدّة للتخلّي عنه أبدًا.
وكان مِن الواضِح أنّ منال قد حصلَت على ترقية للانقلاب على بهجَت، أو على الأقل على رضى سارة. فأظنّ أنّ الكلّ في الشركة رأى إلى أيّ مدى سارة مُستعِدّة للوصول إليه لنَيل مُبتغاها، وأنّه مِن الأفضل لو هم كانوا في صفّها.
ولدى وصولي إلى البيت مساءً، قلتُ لزوجي الذي هو الآخَر قد عادَ مِن عمَله الجديد:
ـ لا تغضَب منّي يا حبيبي، لكنّني التقَيتُ بمنال، زميلتكَ السابقة، على أمَل أن نُساهِم في غَسل اسمكَ مِن العار، إلّا أنّها ليست أفضل مِن الباقين.
ـ ماذا فعلتِ؟!؟ لماذا هذا الاصرار؟!؟
ـ فعلتُ ذلك مِن أجلنا جميعًا، فسمعتكِ هي سمعتِي وابننا.
ـ ماذا قالَت منال بالتحديد؟
ـ قالَت إنّكَ بالفعل تحرّشتَ بسارة وإنّكَ حاوَلتَ معها هي الأخرى.
ـ وهل صدّقتِها؟؟؟
ـ بالطبع لا يا حبيبي، فأيّ امرأة تتكلّم عن هكذا أمور مع انسانة بالكاد تعرفُها؟ مِن الواضح أنّ المسألة أخذَت حجمًا كبيرًا في الشركة، ومِن الجيّد أنّكَ لَم تعُد تعمَل هناك، فتلك الشركة هي بالفعل وكر أفاعٍ.
ـ تلك المسألة صارَت ورائي اليوم، فلقد فتَحتُ صفحة جديدة، والفضل يعودُ لكِ.
ـ لَم أفعَل سوى ما يملي عليّ حبّي لكَ وخوفي على عائلتي، فهذه هي واجباتي كزوجة وأمّ.
ـ عِديني بأنّكِ لن تُثيري ذلك الموضوع مُجدّدًا، معي أو مع أيّ شخص آخَر، فلقد تعِبتُ منه.
ـ أعِدُكَ يا حبيبي.”
اعترِفُ أنّني شعرتُ بالذنب حيال لقائي بمنال، فكان بهجَت على حقّ، علينا وضع تلك المسألة وراءنا والمضيّ في حياتنا، فالأشخاص المؤذيّون كثر ولا يسَعنا مُحاربتهم جميعًا، فهذه هي سُنّة الحياة. بدلًا مِن ذلك، قرّرتُ التركيز على بثّ مناخ فرَح في العائلة، فأقَمتُ نشاطات ترفيهيّة عديدة لزوجي وابني. وبعد فترة، نسيتُ موضوع سارة ومنال بتاتًا.
إلّا أنّ زوجي صارَ يقضي وقتًا طويلًا على هاتفه، فشعرتُ بالوحدة عندما كان ابننا نائمًا، وأنا وزوجي في غرفة الجلوس نقضي المساء سويًّا. سألتُه ماذا يفعل على هاتفه، وهو كان يُجيب أنّه يُكمِلُ بعض الأعمال المُعلّقة وليس أكثر. وجدتُ الأمر مُريبًا، فالعلامات البائنة على وجهه لَم تبدُ لي وكأنّه يعمَل. لكنّ الأمر كان مُجرّد إحساس، فأسكتُّ شكوكي وردَدتُ الأمر إلى تعَب كنتُ أشعرُ به، فكانت فترة الأعياد قريبة وكانت الزبونات في المحلّ حيث أعمَل كثيرات.
شيء آخَر أثارَ انتباهي، وهو الوقت الذي صارَ يقضيه بهجَت في الحمّام قَبل الخلود إلى النوم. وحدَثَ أنّني قرَعتُ على باب الحمّام مرّات عديدة خوفاً مِن أن يكون قد حصَلَ له مكروه كأزمة قلبيّة أو دوار حاد. لكنّه كان يخرج مِن الحمّام مُستاءً في كلّ مرّة، وشاكيًّا من أنّه “لا يستطيع القيام بحاجاته الطبيعيّة بسلام في هذا البيت”. فكنتُ أعتذِر منه وأشرَح له أنّ دافعي كان الاطمئنان عليه وحسب.
لكنّني لَم أكن مُرتاحة أبدًا للوضع، لِذا، فعلتُ ما تفعله نساء عديدات حول العالَم، حين ينتابهنّ الشكَ وتُملي عليهن حاستهنّ السادِسة أن تتفحّصنَ هاتف زوجهنّ. فتركتُ زوحي ينام، ثمّ أخذتُ هاتفه لأتفحّصه، إلّا أنّه كان قد غيَّرَ الرمز السرّيّ، الشيء الذي لَم يفعله مِن قَبل! حينها، تأكّدتُ مِن أنّ هناك حاجة ماسّة لمعرفة ما يجري. هل كانت لزوجي عشيقة؟؟؟
ومنذ ذلك المساء، فعلتُ جهدي لأُراقِب بهجَت وهو يضَع رمزه مِن دون أن يشكّ بشيء. فمرّات كنتُ أسترِق النظَر، ومرّات أخرى كنتُ أطلبُ منه أن يَرِني صَورًا طلبتُ منه أخذها لي ولابننا. وعلى مرّ الأيّام، إستطَعتُ أخيرًا معرفة كامِل الرمز. كان قلبي يدقُّ بقوّة ليلة سرقتُ هاتف بهجَت وركضتُ به إلى المطبخ، فكان بإمكانه الاستيقاظ في أيّة لحظة وكشف ما كنتُ أفعله!
لَم يكن زوجي يخونُني كما اعتقدتُ، لكن ما إكتشفتُه كان أفظَع: هو كان مُنتسِبًا لمواقع خلاعيّة لا تُحصى، ولدَيه مجموعة صوَر غير أخلاقيّة بكمّيّة هائلة. وأكثر ما أثارَ انتباهي، هو أنّ تلك الصوَر في نسبتها الأكبر، هي لنساء ومواقِف مُتعلِّقة بمكان العمَل، كالشركات والمكاتب. ففهمِتُ أنّ زوجي يهوى المُغامرات في العمَل وبطريقة بالفعل غير أخلاقيّة.
لا تُسيؤوا فهمي، فأنا أعرِف أنّ مُعظم الرجال يهوون النظَر إلى الصوَر والأفلام الإباحيّة، لكن ليس بهذا الشكل والكمّيّة التي تدلّ على هوَس واضِح. وفهمِتُ أيضًا لماذا كان بهجَت يقضي وقتًا طويلًا في الحمّام بعد جلوسه مع هاتفه طوال المساء!
عندها سألتُ نفسي السؤال البديهيّ: هل أنّ سارة ومنال كانتا تقولان الحقيقة بشأن التحرّش؟ وهل أنّ زوجي صارَ يقضي وقته بالنظر إلى تلك الأمور البشعة، ليتفادى أن يضطرّ للتحرّش بنساء مُجدّدًا ويتمّ طرده كما في المرّة السابِقة؟ أم أنّه سيُعيد الكرّة في أيّ حال؟ لكن لماذا تلك الحاجة الماسّة، في حين أنّ لدَينا حياة جنسيّة طبيعيّة جدًّا؟ إشمأزَّيتُ مِن زوجي لِدرجة أنّني نمتُ في غرفة ابننا في تلك الليلة، بعد أن أعَدتُ الهاتف إلى مكانه. لَم أنَم طوال الليل بعد أن أستوعَبتُ أنّني بالفعل لا أعرفُ زوجي، ذلك الرجُل الذي أعيشُ معه منذ سنوات، فلَم أُلاحِظ شهيّته المُفرطة للأمور الجسديّة، ولا ميوله للتحرّش بنساء في مكان عمَله. كيف هو لَم يستطِع ضبط نفسه في حين هو مُعيلنا وقد يفقِدُ عمَله كما حصَل له؟ وهل كنتُ لا أكفيه كزوجة، بالرغم مِن أنّني لَم أمتنِع يومًا عن القيام بواجباتي الزوجيّة؟
في الصباح الباكِر، أخذتُ أبني ورحتُ إلى بيت أهلي، ثمّ اتّصلتُ ببهجَت وأطلعتُه على كلّ الذي عرفتُه. في البدء هو أنكَرَ كلّ شيء، ثمّ اعترَفَ لي بالحقيقة حين بدأتُ أصرخُ به بأنّني لستُ عمياء وأعرِفُ تمامًا ما رأيتُ على هاتفه.
إتّضَحَ أنّ زوجي مُدمِن على الجنس والأفلام الإباحيّة. وحتّى مسألة التحرّش، هو استطاعَ كَبت نفسه، إلّا أنّ سارة ومنال كانتا مُطابقتَين لأحلامه الإباحيّة، فقامَ بالتحرّش بهما. وكما تصوّرتُ، هو عادَ بقوّة إلى مُشاهدة تلك الأفلام والصوَر، لِمَنع نفسه مِن إعادة الكرّة في عمَله الجديد.
رفضتُ العودة إلى البيت لأنّني نفَرتُ منه لأقصى درجة، فكيف لزوجي الحبيب أن يُجبِر النساء على تلبية رغباته رغمًا عنهنّ؟ وفي مكان عمَله؟ وهو مُتزوّج وأب؟؟؟ فمكانه كان السجن ولسنوات طويلة! وعَدَني بهجَت أنّه سيرى طبيبًّا نفسيًّا، لأنّه كان يُدرِك أنّه بالفعل مريض ولَم يتصوّر أنّ يومًا سيأتي ويُنفّذ ما رآه وبالقوّة ويُدمِّر عائلته وسُمعته.
لَم أعِده بشيء، فالإدمان صعب التغلّب عليه مهما كان، فقلتُ له إنّني أُريدُ الطلاق وإنّ مسيرته نحو الشفاء أمر عليه مواجهته لوحده، فأنا قمتُ بواجباتي كزوجة على أكمَل وجه، وليس عليّ تحمّل ميوله القذِرة لهذه الدرجة. بدأ بهجَت جلسات لدى مُعالِج نفسيّ، لكن بعد فترة تخلّفَ عن حضورها، كما علِمتُ مِن المُعالِج. كنتُ على حقّ، فكيف له أن يشفى مِن إدمان مُزمِن إن هو لَم يجِد أيّ خطب فيه، بل قرَّرَ الشفاء منه فقط لأنّني تركتُه؟
إتّصلتُ بمنال وقدّمتُ لها إعتذاراتي الحارّة لأنّني لَم أُصدِّقها، وهي سامحَتني. اليوم أعيشُ سعيدة مِن دون بهجَت، وأُربّي ابني على أسُس سليمة دينيًّا وأخلاقيًّا ونفسيًّا.
