“الأعمار بِيَد الله”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية )

كلّ شيء بدأ حين دخلَت عمّة زوجي المشفى يوم غرِقَت بغيبوبة عميقة. فالواقع أنّ تلك المرأة كانت قد بقيَت عزباء طوال حياتها إلّا أنّها جمعَت ثروة بفضل عمَلها الدؤوب في شركة أسّسَتها وكبّرَتها وباعَتها في آخِر المطاف لترتاح مِن حياة خصَّصَتها للعمَل وحسب. فهي وضعَت كلّ شيء جانِبًا لتُركِّز على تجارتها، ونسيَت أن تتزوّج وتبني عائلة. وكان مُفيد زوجي الوحيد الذي اهتَمّ بها حين تركَها كلّ باقي أولاد اخوَتها، ولقد استقبلناها في بيتنا حين ساءَت حالتها الصحّيّة. وهي بقيَت تشكره وتشكرني لأنّنا بقينا بالقرب منها وعامَلناها وكأنّها أمّ لنا. إضافة إلى ذلك، هي وعدَتنا مرّات عديدة بأنّها ستترك كلّ مالها وأملاكها للذين أبدوا رحمة ومحبّة تجاهها. وبالطبع فهِمَ مُفيد أنّه سيكون وريثها الوحيد… وكذلك أنا والأولاد.
وذات مساء، وجَدتُ العمّة غائبة عن الوعي في الغرفة التي شغلَتها في شقّتنا منذ وصولها إلى بيتنا. حاولتُ إيقاظها لكن مِن دون نتيجة، فاتّصلتُ على الفور بالإسعاف وبطبيبها، وبزوجي الذي لحِقَ بنا إلى قسم الطوارئ. وضِعَت العمّة في غرفة مُجهزّة بالماكينات العديدة ومكثتُ معها طوال الليل والأيّام التي تلَت، بعد أن بعثتُ الأولاد إلى أختي لأنّني كنتُ أُدرِك أنّ المسألة قد تطول. كنتُ جدًّا حزينة لفكرة فقدان تلك العجوز التي اعتَدتُ عليها وباتَت فردًا مِن عائلتنا الصغيرة… على عكس مُفيد الذي بدا لي في أحسن حال، لا بل فرِحًا. عاتَبتُه، إلّا أنّه قالَ لي:
ـ هي عاشَت حياةً غنيّة بالأحداث والتشويق وبلغَت سنًّا مُتقدّمًا، فحان الوقت لتذهب روحها إلى خالِقها… ومالُها لي! أقصد لنا.
ـ ما هذا الكلام، يا مُفيد؟!؟ ألستَ حزينًا ولو بعض الشيء لفكرة فقدانها؟
ـ للحقيقة لا… فأنا أنتظرُ هذه اللحظة منذ فترة… لا تنسي أنّها ليست أمّي، بل فقط عمّتي، وموتها سيكون مُفيدًا جدًّا.
ـ لا أُريدُ سماع هذا الكلام! وإيّاكَ أن تردِّده أمام أولادنا، فلا أريدهم أن يصبحوا مثلكَ!”.
وكأنّ كلام زوجي لَم يكن كفاية لأمتعِض منه، فهو بدأ يُلاطِف المُمرّضات في المشفى على غير عادته. فحتّى ذلك الحين، هو لَم يُبدِ يومًا اهتمامًا بنساء أخريات، بل كان بالفعل سعيدًا معي ويعتبرُني أجمَل وأفضَل امرأة في الكون!
لكنّ المُمرّضات لَم تكنَّ مسرورات بتصرّفات مُفيد، أوّلًا لأنّه مُتزوِّج ولدَيه أولاد، وثانيًّا لأنهنّ رأينَ كيف أتعَب ليلًا نهارًا بالمكوث مع عمّته. لذلك، قالَت لي إحداهنّ:
ـ أنتِ سيّدة رائعة… تلك المريضة ليست أمّكِ أو حتّى حماتكِ وها أنتِ تُعاملينها أفضل معاملة… لكنّ زوجكِ…
ـ ما به؟
ـ عليكِ معرفة ما يقولُه لي ولزميلاتي… فهو يعِدُنا بالزواج حالما تُفارِق العجوز الحياة.
ـ ماذا؟!؟
ـ وعندما قلتُ له إنّه مُتزوّج منكِ، ردَّ عليّ: سأُطلّقها فور استلامي ميراثي، فعليّ أن أنعَم بحياة جديدة مِن كلّ النواحي!”.
صدّقتُ المُمرّضة لأنّني بدأتُ أرى وجه زوجي الحقيقيّ، فهو باتَ مهووسًا بمال عمّته وكأنّه الأحقّ به، ومِن الواضِح أنّه ينوي الاستمتاع بهذا المال، حتّى لو مِن دوني! لَم أقُل له شيئًا عن الحديث الذي دارَ بيني وبين المُمرّضة، إلّا أنّ نظرتي له تغيّرَت كلّيًّا وبدأتُ أُصلّي لأن تبقى العمّة على قَيد الحياة لأطوَل مُدّة مُمكِنة على أمَل أن يستعيدَ مُفيد صوابه ويعودُ الزوج الذي أحبَبتُه.
لكن مع طول غيبوبة العجوز داقَ صبر مُفيد ولَم يعُد يتكلّم إلّا بالميراث وقرَّرَ أن يترك عمَله فما الفائدة مِن العمَل حين سيصبح مِن الأغنياء. هدّأتُ مِن روعه قائلة:
ـ الأعمار بيَد الله، يا مُفيد.
ـ وهذا ما يُقلِقُني… ماذا لو… أعني… لو سرَّعنا بمشيئة الله؟
ـ ماذا تقول؟؟؟ ما الذي يحصلُ لكَ؟؟؟ أين ذهَبَ الرجُل الطيّب الذي عرفتُه والذي يشفقُ على الناس والحيوانات، والذي كان يُحِبّ عمّته أكثر مِن كلّ أقاربه؟ أين هو؟
ـ إنّه على متن طائرة مُتّجِهة إلى أوروبا… وعلى متن باخرة كبيرة تجولُ البحار والجزر… ويقودُ سيّارة سريعة باهظة الثمَن!
ـ وأين أنا في تلك الأحلام؟
ـ أنتِ؟ أنتِ… معي بالطبع!”.
لَم يُقنِعني جوابه على الإطلاق. لكنّ بالي انشغَلَ كثيرًا في ما يخصّ “تسريع مشيئة الله”، فأعطَيتُ تعليمات للمُمرّضات بألّا يدَعناه يبقى لوحده مع عمّته أثناء غيابي، لكن مِن دون أن أُعطيهم السبب. كنتُ أستبعِد طبعًا أن يؤذي عمّته، لكن مَن يدري؟ فالمال يخربُ عقول الناس منذ الآف السنين!
حالة العمّة لَم تتحسّن لكنّها لَم تسيء، وكنتُ تعِبة جدًّا مِن الجلوس لساعات طويلة قرب فراشها ثمّ الذهاب إلى البيت ومِن ثمّ إلى أختي لرؤية الأولاد والعودة مُجدّدًا إلى المشفى لأقضي الليل هناك. لَم أعرِف الكثير عن تحرّكات زوجي سوى أنّه كان يذهب إلى عمَله، الذي لَم يتركه بَعد، ثمّ يرتاح قليلًا في البيت ويوافيني إلى المشفى لساعة أو اثنتَين ليعود لينام. لكن في الحقيقة، كان زوجي المصون قد وجَدَ صبيّة على مزاجه ويواعِدها على أمَل أن يتزوّجها فور موت عمّته وقبض المال. لَم أعلَم بالأمر إلّا حين قالوا الأطبّاء لنا إنّ أيّام العجوز صارَت معدودة وعلينا التحضّر للأسوأ. عندها، قالَ لي مُفيد حين كنّا معًا في البيت:
ـ إسمَعي… لقد قضَينا سنوات جميلة سويًّا، لكن حانَ الوقت لأفكِّر بنفسي وأبني حياة جديدة مُناسِبة لوضعي الجديد.
ـ حياة جديدة ووضع جديد؟؟؟
ـ وضعي كمليونير! فأنتِ صِرتِ كبيرة في السنّ بالنسبة لحياتي المُستقبليّة. أنا بحاجة إلى امرأة شابّة وحُرّة لتُرافقني في مشاريعي… إضافة إلى ذلك لدَيكِ الأولاد لتهتمّي بهم. لا تخافي، لن أُطلِّقكِ، بل سأصرِف عليكِ ليس فقط كالسابق، بل أكثر! سيكون لدَي مالًا وفيرًا!
ـ تبًا لكَ ولمالِكَ! ومَن قالَ لكَ إنّني أُريدُ أن أبقى مُتزوّجة بكَ بعد هذا الكلام؟ فليس هناك مبلغًا في العالَم قادِر على حَملي على تقبّل رجُل قذِر مثلكَ! أنا ذاهبة منذ الآن إلى بيت أختي!”.
تركتُ البيت وقلبي مكسور لهذا الكّم مِن الأزدراء وقلّة الاحترام. لكنّني بقيتُ أذهب إلى المشفى كالسابق، فما ذنب تلك المسكينة؟
… وحصلَت المُعجزة! هل لأنّني صلَّيتُ مِن كلّ قلبي لتتحسّن حالة العمّة، أو لأنّ الله أرادَ مُعاقبة ذلك الفاسِق؟ لستُ أدري، لكن في أحَد الأيّام، بينما كنتُ جالسة على ذلك الكرسيّ الخشبيّ كعادتي، فتحَت العمّة عَينَيها وقالَت لي:
ـ ما بكِ حزينة هكذا؟ مَن ماتَ؟”.
ركضتُ أصرخُ بأنّ العجوز استيقظَت، فركضوا جميعًا غير مُصدّقين الخبَر. وامتلأت غرفتها بالمُمرّضات والأطبّاء لدرجة أنّها إستاءَت منهم وطردَتهم. وصَلَ مُفيد إلى المشفى بعد ساعات ليجِدَ عمّته في أفضل حال ووقَفَ ينظرُ إليها وكأنّه رأى شبَحًا. أطلَقتُ ضحكة عالية لدى رؤية وجهه، فسألَتني العمّة عن السبب. فأجبتُها: “لأنّ ابن أخيكِ يودُّ الزواج عليّ بعد أن يرِثَ مالكِ ويدورُ العالَم وعروسته الجديدة!”.
نظرَت العمّة إليه بغضب وهزَّت برأسها، وقالَت:
ـ إيّها الغبيّ… كنتُ سأتركُ مالي لزوجتكَ وأولادكَ، فأنا أعرفُ الرجال جيّدًا. فبعد مماتي لن تحصل إلّا على ما يملي عليه القانون كونكَ ابن أخي، أيّ القليل، وكذلك إخوَتي الباقين.”
ثمّ هي نظرَت إليّ سائلة:
ـ ماذا تنوين فعله به؟
ـ لَم أعُد أُريدُه.
ـ قرار صائب. متى سنعود إلى البيت؟”.
طلبتُ الطلاق بعد أن حاوَلَ مُفيد كثيرًا إقناعي بأنّه كان يمزَح في ما يخصّ زواجه الثاني. عدتُ إلى البيت برفقة العمّة والأولاد وبدأنا حياة هنيئة وسعيدة مع بعضنا. أمّا بالنسبة لمُفيد، فهو تزوّجَ مِن عشيقته لكنّها تركَته فور معرفتها بأنّه لن يصبَحَ ثريًّا، فهو كان قد أخفى عنها أمر خروج عمّته مِن الغيبوبة.
لا تزال العجوز على قَيد الحياة حتّى اليوم، وبلَغَ سنها الخمس وتسعين سنة!

أضف تعليق