(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية )
في تلك الفترة، كنتُ أعتقِد كالعديد مِن الشبّان والرجال أنّ المرأة الشرقيّة هي جدًّا مُتطلّبة وصعبة المزاج. فالكثير منّا ليس لدَيه المال لشراء شقّة أو الحُلى المُرصّعة بالماس، خاصّة في بداية حياتنا المهنيّة والاجتماعيّة. وكنتُ قد سمِعتُ أنّ عددًا لا بأس مِن الرجال قد وجَدَ في النساء الآسيويّات التوازن المطلوب بين الحبّ، والقناعة، والجمال، والاهتمام. وبما أنّني عانَيتُ كثيرًا لإيجاد عروس مِن بلَدي تقبَل بحالتي المُتوسّطة، سجّلتُ نفسي على أحَد المواقع المُخصّصة للتعارف بفتيات مِن آسيا. ذُهِلتُ بجمالهنّ وأجسادهنّ الصغيرة والجذّابة وبنظرتهم الناعِمة والدافئة التي توعِد الرجُل بأنّه سيُعامَل كالملَك.
وبعد بضع مُحاولات، إختَرتُ “داو” لتبادُل الرسائل والصوَر على الخاصّ والتعرّف عليها أكثر. كنّا نستعمِل اللغة الإنكليزيّة التي أتقنتُها، فاستطَعنا التواصل مِن دون صعوبة. ويا لروعتها! فهي كانت الفتاة المثاليّة وتفاجأتُ أن تكون لا تزال عزباء لشدّة جمالها ورقّتها وصوتها المليء بالدَلَع والحنان. أخبرتُها عن نفسي وهي أطلعَتني على حياتها في بلَد أصابَه الفقر لدرجة لا توصَف. حزِنتُ عليها، إذ أنّني كنتُ بالمُقارنة بها، رجُلًا ثريًّا للغاية!
بدأنا نتكلّم عبر الهاتف وثمّ عبر الفيديو ورأيتُ بعَينَيّ الفقر مِن خلال جدران البيت التي تسكنُ فيه مع أهلها والأثاث والطرق البدائيّة المُتّبعة لغسل الملابس والأواني. وامتلأ قلبي بشعور عظيم، شعور المُنقِذ الجبّار الذي سينتشِل حبيبته مِن الفقر ويُجلِسها على عرش قلبه!
بدأتُ أُرسِل لِداو بعض المال، ليس كثيرًا لكن كفاية لتشتري لنفسها وأهلها بعض المأكولات اللذيذة والملابس الجميلة. ومع الوقت، صارَت حبيبتي مُتعلِّقة بي لِدرجة لا توصَف بعد أن رأت كيف أُعامِلها. لَم أقُل شيئًا لأهلي، فكنتُ أعلَم أنّهم لن يروا زواجي مِن فتاة آسياويّة بِعَين إيجابيّة، فكتمتُ سرّي عن كلّ الناس.
وبعد أشهر طويلة مِن المُحادثات عن بُعد، قرّرتُ أنّ الوقت حان لأُُسافِر إلى التي سكنَت قلبي ليلًا نهارًا.
وصلتُ إلى المطار لأجِد داو بانتظاري، فتعانَقنا وركِبنا سيّارة أجرة إلى الفندق الذي حجزتُه ووضعتُ حقائبي في الغرفة. ثمّ توجّنا على الفور إلى بيت أهل حبيبتي لأتعرّف عليهم. قَبل وصولنا، طلبتُ مِن السائق أن نتوقّف عند بائع حلوى والورد لآخذ معي بعض الهدايا.
حين وصَلنا منزل أهل داو، أدركتُ مدى فقرهم إذ أنّ المكان كان شبيهًا بالخربة وسألتُ نفسي كيف يتمكّنون مِن العَيش هناك بكرامة. إستقبلوني بفرَح وقدّموا لي الطعام المحلّي الذي لَم أحبّه كثيرًا، ربّما لأنّني رأيتُ حالة مطبخهم الذي كان حمّامًا في آن واحِد. بعد الغداء، عرضتُ على هؤلاء فكرة الزواج مِن ابنتهم، بينما كانت داو تقومُ بدور المُترجِمة. مِن جهة أخرى، وجدتُ أنّ فقر داو كان مِن صالحي، إذ أنّها كانت ستجِد حالتي جيّدة جدًّا مُقارنة بحالتها وتقبَل بكلّ شيء مِن دون تذمّر. قبِلَ الأهل طلَبي بالزواج مِن ابنتهم بسرور.
في اليومَين الذي تلَيا، أخذتُ داو إلى أفضل الأماكن واشترَيتُ لها الفساتين والهدايا التي كان بالفعل ثمنُها زهيدًا. عدتُ إلى البلَد وقلبي مُفعمًا بالأمَل، وبدأتُ أستِعدّ لسفرتي المُقبِلة التي كانت ستكون أطوَل إذ أنّني كنتُ سأتزوّج داو حسب طقوس ذلك البلَد لأعود بعروستي ونتزوّج دينيًّا هنا.
أطلَعتُ أهلي أخيرًا على مشاريعي، وكما توقّعتُ، لَم يُعجِبهم الأمر. لكنّهم رأوا أنّني كنتُ جادًّا خاصّة أنّني سافَرتُ إلى داو وأهلها، فقبِلوا على مضض لكن ليس مِن دون تحذيري مِن الزواج مِن فتاة لا صِلة لنا بها مِن كلّ النواحي. هم رأوا أيضًا أنّني لَم أكن أعرِفها كفاية لِربط حياتي بها، وكانوا على حقّ منطقيًّا لكن ليس عاطفيًّا، فوحدي كنتُ أعلَم أنّ داو هي المرأة التي أبحثُ عنها والتي ستملأ حياتي بالحبّ وتُعطيني عائلة جميلة.
مرَّت الأيّام والأشهر، وكنتُ قد وضعتُ جانبًا مبلغًا لا بأس به لآخذه معي إلى بلَد داو وأشتري به لها خاتم الزواج والحُلى وأُنظِّم الفرح وما يلزم، لأنّ كلّ شيء كان أرخَص هناك. ركبتُ الطائرة بحماس لَم أشعُر به مِن قَبل، ومرّة أخرى كانت داو بانتظاري، فركِبنا سيّارة أجرة لأذهب إلى الفندق وأضَع حقائبي… لكنّ السائق أخذَنا في مكان آخَر! لَم أنتبِه إلى التغيير في مسارنا، فكيف لي أن أعلَم أيّ طريق يؤدّي إلى الفندق؟ شعرتُ بأنّ شيئًا لَم يكن على ما يُرام عندما توقّفنا أمام بيت في مكان معزول خرَجَ منه أربعة رجال حاملين سكاكين كبيرة!
لن أقدِر أن أصِف مدى خوفي في تلك اللحظة بعد أن أدركتُ ما يجري، خاصّة أنّ داو خرجَت مِن السيّارة ووقفَت وراء أحَد الرجال بعد أن قبّلَتُه بِشغف. أحاطَ هؤلاء بالسيارة وجلَسَ إلى جانبي مَن استنتَجتُ أنّه عشيق داو، وقالَ لي بالإنكليزيّة:
ـ لا نريدُ أذيّتكَ… بل فقط المال الذي بحوذتكَ.
ـ ما الذي يجري ومَن تكون؟؟؟ أنا هنا لأتزوّج داو ولقد طلبتُ يدَها مِن أهلها، هم على معرفة بنواياي، فأنا أحترمُ نساءكم وتقاليدكم!
ـ أعرفُ كلّ شيء، فأنا مَن خطّطَ لمجيئكَ إلى هنا… فداو هي زوجتي وأهلها مُشارِكون معنا، فلا داعٍ للشرح المطوَّل. أعطِني المال الذي جلبتَه معكَ وسندعكَ ترحَل سالِمًا.
ـ لكن…”
عندها شعرتُ بألَم شديد برأسي وغبتُ عن الوعي. إستَيقظتُ بعد ساعات طويلة مُلقىً على طريق معزول وسط ما يُشبِه الأدغال. لزِمَتني دقائق طويلة لتذكّر أين كنتُ ومع مَن. فتّشتُ عن الشنطة الصغيرة التي كانت بحوذتي والتي تحتوي على أوراقي الخاصّة والمال، فلَم أجِدها وكذلك هاتفي. وقفتُ بصعوبة على رجلَيّ وتوجّهتُ إلى الطريق العام لأوقِف سيّارة وأقصد الشرطة. وبعد جهد جهيد، قبِلَ أحَد سائقي السيّارات المارّة على الطريق أن يأخذني إلى قسم الشرطة، حيث أخبَرتُ قصّتي وقدّمتُ بلاغًا ضدّ داو وشركائها. إلّا أنّني لَم أكن قادِرًا على اعطائهم اسم داو الكامل أو وصف دقيق لها، خاصّة أن صوَرها كانت على هاتفي الذي جُرِّدتُ منه. كذلك، لَم أتمكّن مِن اطلاع الشرطة على مكان بيت أهل داو، فهزِؤا بي في القسم وقالوا إنّني محظوظ لأنّني لا أزال حيًّا ولَم تؤخَذ منّي كلية أو عضو آخَر. شعرتُ بالخوف الشديد وبضياع تام، فلَم يكن لدَيّ أيّ مال أو أوراق ثبوتيّة أو حتّى هاتف!
لحسن حظّي، أعطَتني الشرطة رقم سفارتنا في ذلك البلد وتكلّمتُ مع القنصل شارِحًا له حالتي. أُرسِلَت لي سيّارة أخذَتني إلى السفارة حيث استطَعتُ الاتّصال بعائلتي التي بعثَت لي بعض المال بواسطة التحويل السريع. أمّا بالنسبة لجواز سفَري المفقود، فأعطاني القنصل مكتوبًا رسميًّا يمكِّنُني مِن ركوب الطائرة والعودة إلى بلَدي. مكثتُ في فندق صغير حالَما جاء موعِد الطائرة وبكيتُ طوال الليل على نفسي وغبائي، وشكرتُ ربّي أنّ هؤلاء النصّابين لَم يقتلوني. لَم آسف على المال، فهو كان الثمَن الذي دفعتُه لأتعلّم الدرس.
ركبتُ الطائرة حزينًا وكئيبًا، وخائفًا مِن شماتة أهلي بي. فأيّ مُغفّل يذهب إلى بلَد مجهول ليتزوّج مِن فتاة لا يعرفُها جيّدًا لها لغة وتقاليد مُختلفة؟ وكلّ ذلك مِن أجل ماذا؟ مِن أجل إيجاد عروس؟ وهل أنّ الحياة تدورُ حول النساء فقط، أم أنّ عليّ إيجاد وبناء نفسي أوّلًا؟ هل أعرِفُ مَن أنا، ماذا أُحِبّ، ما هي أحلامي ومُتطلعّاتي؟ بالطبع لا. كلّ ما أردتُ هو أن أخطي خطى غيري مِن دون تفكير.
عودتي إلى أهلي كانت صعبة بالفعل إذ أنّني سمعتُ كلامًا قاسيًّا جدًّا منهم، فاعتذرتُ لهم بحرارة، مُقِرًّا بأنّهم كانوا على حقّ. شكرتُهم على انقاذي وانعزَلتُ لمدّة طويلة لكثرة عاري وامتعاضي.
لكنّ تلك الفترة كانت مُفيدة لي بالفعل، فعزلتي أفادَتني بالتركيز على عمَلي الذي ركّزتُ عليه للتمكّن مِن إعادة المبلغ الذي بعثَه لي أهلي والذي سُرِقَ منّي. ونتيجة لذلك، تمَّت ترقيَتي، الأمر الذي عزَّزَ مِن ثقتي بنفسي. إضافة إلى ذلك، تعرّفتُ إلى أصدقاء جدُد، لأملأ الفراغ الذي ولّدَته عزلتي وخذلاني مِن داو التي كانت أمَلي في حياة مليئة بالحبّ.
وهكذا، بعد ثلاث سنوات على وقوع تلك الحادثة، أصبحتُ رجُلًا واثِقًا مِن نفسي ولدَيّ هوايات جديدة كالسباحة والرياضة بفضل أصدقائي الجدد، وفهمتُ أنّ مشروع الزواج والحبّ أن يأتي بعد اكتمال الفكر والروح والهدف.
وقعتُ في الحب أخيرًا يوم تعرّفتُ إلى سميرة، صبيّة حسناء جاءَت تعمَل في الشركة. وبلحظة، فهمِتُ أنّها مَن أبحَث عنها بالفعل، لأنّ صارَت لي رؤية واضحة عمّا أُريدُه. وهي شعرَت بذلك أيضًا، فآمَنَت ووثِقَت بي وقرّرنا بناء مُستقبلنا سويًّا لنعيش قصّة حبّ جدّيّة وحقيقيّة، مِن دون أن يستفيدَ الواحِد مِن الآخَر، بل لجمَع أفضل ما لدَينا وإعطائه للآخَر. فهكذا يكون الحبّ، وهكذا يكون الزواج.
