“البحر وأسراره”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

كان قلبي مليئًا بالحماس، لدى صعودي وزوجي إلى تلك الباخِرة العملاقة حيث كنّا سنقضي شهر عسَلنا. فلطالما حلِمتُ بالسفر بحرًا إلى مُختلف الأماكن الرائعة، والاستيقاظ على صوت طيور البحر الجميلة. سامِر زوجي لَم يُشارِكني حماسي، لكنّه قبِلَ أن تكون تلك الرحلة بداية زواج إنتظرنا حدوثه، إذ أنّني بقيتُ مخطوبة له لأكثر مِن خمس سنوات.
كان كلّ شيء رائعًا على متن الباخِرة، مِن الديكور الفخم إلى الأكل اللذيذ، مرورًا بغرفتنا التي لها بلكون يطلّ على البحر الواسِع. قضَينا ليلتنا الأولى باندهاش كلّيّ، ورأيتُ كيف أنّ رأي سامِر بتلك الرحلة قد تغيّرَ. في اليوم التالي، نزِلنا إلى البرّ لزيارة إسبانيا الجميلة حيث قضَينا النهار وفترة بعد الظهر، لنعود إلى الباخِرة لتناول العشاء. بعد ذلك، ذهبنا إلى الملهى الليليّ حيث رقصنا. عُدنا إلى غرفتنا تعِبَين مِن نهار حافِل ومُثير. لكن في الصباح، لَم أجِد سامِر نائمًا بِجَانبي أو في الغرفة كلّها. حسِبتُه ذهَبَ لتناول الفطور، لكن حين اتّصلتُ به على هاتفه، طمأنّني بأنّه صاعِد إلى الغرفة على الفور. لَم يُعطِني زوجي أيّ تفسير لغيابه الذي دامَ على الأقل ساعة بكاملها بعد استيقاظي. إستنتَجتُ أنّه لَم يذهَب لتناول الفطور، لأنّه رافقَني إلى المطعم وأكلَ بشهيّة واضِحة. لَم أُعطِ للأمر أهمّيّة كبرى، فبعض الناس يشعرون بالانزعاج لتواجدهم على متن باخِرة لا يسَعهم الخروج منها ساعة يشاؤون، وهناك آخَرون يخشون أن تغرَق بهم الباخِرة وسط البحر.
قضَينا اليوم بالحماس نفسه في إيطاليا، وفي آخِر النهار مشينا في أنحاء الباخِرة قَبل خلودنا إلى النوم. إلّا أنّني شعَرتُ بزوجي يخرجُ مِن السرير وسط الليل، فحسبتُه ذهَبَ إلى الحمّام. غرِقتُ مُجدّدًا بالنوم وحلِمتُ أنّ سامِر خرجَ مِن الغرفة ولَم يعُد. لكن عندما فتحتُ عينَيّ صباحًا، كان زوجي بِجانبي. كنتُ أعلَم أنّه مُجرّد حُلم، لكنّه بدا بالفعل حقيقيًّا، على الأقلّ بالنسبة لي. وطوال اليوم الذي تلا، إنتابَني شعورٌ مُزعِج حملَني إلى التخطيط في ما يخصّ الليل الذي كان سيهبط بعد ساعات.
جرى النهار كالعادة على الباخِرة، ترفيه، وأكل، وزيارة محطّتنا المُعَدّة، ومِن ثمّ العشاء، والرّقص، وأخيرًا العودة إلى الغرفة للنوم. لكن في تلك الليلة، إدّعَيتُ النوم قائلة لسامِر كَم إنّني تعِبة وكَم أودّ النوم حتّى الصباح دفعة واحدة. قبّلَني زوجي على جبيني، وأكَّدَ اي أنّه أيضًا تعِب مِن كثرة النشاطات. أطفأنا النور وبدأ انتظاري.
كدتُ أغفو مرّات عديدة خلال الليل، إلّا أنّني بذَلتُ جهدًا كبيرًا لأبقى مُستيقظة… ويقِظة! وكما توقّعتُ، خرَجَ زوجي على مهله مِن السرير، وارتدى ملابسه ثمّ فتَحَ باب الغرفة وخرَج. أسرَعتُ باللحاق به لكنّني تراجَعتُ فجأة، فكنتُ بلباس النوم ولا يجوزُ أن يراني أحَدٌ هكذا. لذلك، إرتدَيتُ بسرعة بعض الملابس ورحتُ أجولُ باخِرة حجمها يوازي حجم حَيّ بكامله. وبالطبع لَم أجِد سامِر، مع أنّني فتّشتُ عنه في القاعات كلها، وعلى الشرفات، وحول المسابح، والكازينو، والملاهي الليليّة والأسطح جميعها. بعد ذلك، عدتُ إلى الغرفة وإلى ملابس النوم وإلى بال شغلَته أسئلة لا تُحصى. لَم تغمض لي عَين على الإطلاق، فعندما عادَ زوجي إلى الغرفة، كنتُ لا أزال مُستيقِظة تمامًا. لَم أعرِف في أيّة ساعة بالتحديد هو عادَ، لكنّني قدّرتُ أنّها كانت حوالي الثالثة فجرًا. وبينما هو غرِقَ في النوم، بدأتُ أُفكِّر في أنه كان يجدرُ بي مواجهته أم لا. ترَكتُ القرار للاحقًا، فنمتُ بضع ساعات لأكون نشيطة بعض الشيء لنهارنا القادِم الحافِل.
في الصباح، بدا زوجي على طبيعته، فحاولتُ أن أٌقلِّده وتصرّفتُ وكأنّ شيئًا لَم يكن، خاصّة أنّ فكرة خطرَت ببالي، وهي أن أدّعي ليلًا أنّني مريضة ولا أستطيع النوم حتى أمنَعه مِن الخروج. أعلَم أنّ ذلك لَم يكن حلًّا جذريًّا، لكن فقط إنتقام بسيط حالما أعلَم ما عليّ فعله.
وفي تلك الليلة، لَم أنَم على الاطلاق، وبقيَ سامِر إلى جانبي يسألُني بماذا أشعُر، وإن كنتُ بحاجة إلى دواء أو طبيب. بقيتُ أرفضُ قائلة: “أنتَ دوائي وطبيبي، ووجودكَ بالقرب منّي يكفيني”. وبالطبع لاحظتُ كيف أنّه مُنزعج مِن الوضع ومُربك… ويُرسِلُ رسائل لا تُحصى على هاتفه. هكذا إذًا…
بقيَ لنا يوم وليلة كاملَين على الباخِرة قَبل العودة إلى بلَدنا، وعرفتُ كَم أنّ ذلك سيكون مُهمًّا بالنسبة لزوجي ولِما كان يفعله حين يتركني لوحدي ليلًا ويغيب. لِذا، قرّرتُ أن أتصرّف بحكمة.
كان هناك موظّف مهامه التواجد في طابقنا ليلًا في حال أحتاجَ له أحَد الركّاب، وليطمئن على سيَر الأمور. فقصَدتُ ذلك الشخص قائلة:
ـ إسمَع… أنا بحاجة إليكَ… سأُعطيكَ مالًا إن لِحقتَ بزوجي أينما ذهَبَ وأخذتَ له صوَرًا. على الأمر أن يبقى سرًّا بيننا وأعِدُكَ بأنّني سأكون كريمة معكَ.
ـ أجل، أراه يخرجُ ليلًا ليعودَ صباحًا إلى الغرفة. لكن لا أدري إن كان يجدرُ بي…
ـ لن أُخبِرَ أحَد، أعِدكَ بذلك.
ـ لا أستطيع ترك مكاني يا سيّدتي، وزوجكِ يغيب طويلًا… لكن… قد يقبَل زميلي الذي يعمَل نوبة الصباح أن يقومَ بالمهام.
ـ لا يهمُّني مَن سيقوم بالمطلوب، أُريدُ أجوبة وصوَرًا!”.
بعد حوالي الساعة، أكَّدَ لي الموظّف أنّ زميله قبِلَ العرض، وأخَذَ رقم هاتفي ليبعَث لي الصوَر. إطمأنّ بالي مِن تلك الناحية، لكنّني كنتُ حزينة جدًّا لوضعي كعروس جديدة. فبدلًا مِن أن أستمتِع بشهر عسَلي، ها أنا ألعَب دور التحريّة، لِفهم دوافِع الذي اخترتُه زوجًا لي للتغيّب هكذا.
للحقيقة، خلتُ أنّ اليوم لن يمرّ، فكنتُ أنتظرُ بفارغ الصبر مجيء الليل. ومرّة أخرى، إدّعَيتُ النوم وسمِعتُ سامِر يخرج مِن الغرفة. كنتُ مُتعبة لِدرجة لا توصَف مِن قلّة النوم، وخفتُ أن تتأثَّرَ صحّتي بشكل ملحوظ، فلَم أذِق طعم النوم أو الراحة لأيّام! تبًّا لكَ يا سامِر، لماذا تفعل ذلك بي؟؟؟
بعد حوالي النصف ساعة، بدأَت ترِد الصوَر إلى هاتفي، وذُهِلتُ برؤية زوجي برفقة سيّدة أربعينيّة وهما في الحانة. ثمّ وصلَتني صوَر أخرى وهما على أحَد الأسطح مُتعانقَين، وصوَر لهما يدخلان إحدى الغرَف. كادَ قلبي أن يتوقّف عن الخفقان! طلَبتُ مِن الموظّف الذي التقطَ الصوَر أن يأتي إليّ لِقبض ماله، ومِن ثمّ اتّصلتُ بمكتب الاستقبال لأرى إن كان لدَيهم غرَف شاغِرة لأنتقِل إلى إحداها، فكيف لي أن أنام بالقرب مِن سامِر أو أكلِّمه بعد الذي رأيتُه؟؟؟
مِن حسن حظّي، كانت هناك غرفة مُتبقّية في الطابق السفليّ، فنقلتُ أمتعتي بسرعة فائقة، طالِبة مِن موظّفة الاستقبال والحجوزات ومِن موظّف الطابق عدَم إخبار زوجي عن رقم غرفتي الجديدة. وعندما إستقرَّيتُ في تلك الغرفة، بعَثتُ لسامِر الصوَر التي تُبيّنه وهو يخونُني، مع الكلمات التالية: “زواجنا إنتهى… إبقَ مع عشيقتكَ، أيّها السافِل!”. هو حاوَلَ الاتّصال بي على الفور لكنّني أقفَلتُ خطّي.
في الصباح، رسَت الباخِرة في مرفأ بلَدنا، وبقيتُ في غرفتي أنتظرُ وصول أختي وصهري اللذين عرِفا منّي ما حصل وقدِما ليأخذاني إلى بيت أهلي. ثمّ اتّصَلَ صهري بسامِر ليستفهِم منه كيف له أن يخونَني في شهر عسلنا وما هو أهمّ، لماذا تزوّجَني إن كان يُريدُ غيري؟ وهذا كان جواب سامِر له:
ـ لو عادَ الأمر لي، لَما تزوجتُ أخت زوجتكَ… لكنّ عائلتَينا مارَسَتا ضغطًا كبيرًا عليّ. فأنا لا أُحِبّ زوجتي، بل امرأة أخرى أعرفُها منذ سنوات عديدة.
ـ لماذا لَم تتزوّجها هي، أذًا؟؟؟
ـ لأنّها سيّدة مُتزوِّجة ولدَيها عائلة. حاولتُ التوقّف عن حبّها بخطبة فتاة أخرى، إلّا أنّني لا أستطيع الابتعاد عنها. وهي وافقَت على زواجي لكنّها طلبَت منّي اصطحابها إلى شهر عسَلي وإلّا تركَتني. أنا لا أستطيع العَيش مِن دونها، فهي كلّ شيء بالنسبة لي.
ـ ما فعلتَه هو أمر قذِر وغير أخلاقيّ! كيف تتزوّج مِن فتاة لا تُحبّها بعد أن خطبتَها خمس سنوات؟ أليس لدَيكَ ضمير؟؟؟
ـ مِن الواضح أنّني لا أمتلِكُ الضمير التي تتكلَّم عنه… أنا آسِف، ما عساني أن أقول؟
ـ لو لَم تكتشِف زوجتكَ ما يجري، هل كنتَ ستتُابِع علاقتكَ بعشيقتكَ؟
ـ حتّى مماتي.”
لدى سماعي ما قالَ لي صهري، أدركتُ أنّ لا دخَل لي بخيانة زوجي لي، ما أراحَ بالي. لَم آسَف عليه كثيرًا، بل فقط على السنوات التي أضعتُها عليه وعلى حبّي وتفانيّ له، وعلى الأحلام التي بنَيتُها معه. رفَعتُ قضيّة طلاق ربِحتُها بسرعة بفضل الصوَر.
بعد سنوات، علِمتُ أنّ تلك السيّدة طلّقَت زوجها وتزوّجَت سامِر. لَم أزعَل لأنّني كنتُ قد صِرتُ زوجة رجُل طيّب ومُحِب، ووفيّ، وأمًّا لولدَين رائعَين.

أضف تعليق