“البيت الملعون”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية )

لَم أوافِق على استقبال عائلة زوجي، وهو لَم يُطلِعني على الأمر، فحين رأيتُهم قادمين مع أمتعتهم، نظرتُ إليهم بدهشة واضِحة. أسرَعَ كمال بالقول: ” تعرّضَت أنابيب المياه في منزلهم لعطلٍ كبير، ولم يعد لديهم مكان للمبيت… لبضعة أيّام”. للحقيقة، إنشغَلَ بالي على وضع مسكنهم، فمِن منّا لا يخاف أن يغرقَ بيته أو يحترق؟ ركضتُ أؤمِّن لعمّي وحماتي وابنتهم مكانًا ليناموا فيه، وبتحضير طعام إضافيّ لهم بعدما كنتُ وكمال قد أنهَينا وجبة العشاء. شكرَنَي زوجي بحرارة وكذلك ضيوفنا، وخلَدنا جميعًا إلى النوم. كنتُ آنذاك عروسًا جديدة وإرضاء أهله كان مِن أهدافي الأوّليّة، لِذا أبقَيتُ بسمة على وجهي لأيّام عديدة، بينما هم بدأوا يتصرّفون حقًّا وكأنّ بيتي هو بيتهم. قد يجِد البعض الأمر طبيعيًّا، خاصّة في مُجتمعنا الشرقيّ حيث يحصل أن يعيشَ العروسان مع الأهل، لكنّ وضعي كان مُختلفًا إذ أنّني، كما ذكرتُ، لَم أكن على عِلم بشيء، وما هو أهمّ، أنّ لَم يكن هناك مِن أضرار تسبّبَت بها المياه في بيت أهل زوجي. كذبوا جميعًا، وأنا صدّقتُهم.
لكن مع الوقت، بدأتُ أسأل كمال عن حال تصليح الأنابيب، وهو قدَّم لي في كلّ مرّة أعذارًا مُختلِفة، إلى حين بدأتُ أشكُّ بصحّة الرواية. إضافة إلى كلّ ذلك، صارَ كمال يتصرّف وكأنّه لا يزال يعيش في بيت أهله، وباتَ يُعاملني وكأنّني إحدى قريباته أو جزء مِن الديكور، ويغيب عن البيت باستمرار، وكنت قد تصوّرتُ أن تكون بداية زواجنا مليئة بالحبّ والشغَف، وأن نخرج سويًّا إلى المطاعم وفي نزهات. إلّا أنّ وجود أهله أعطى كمال حجّة لعدَم الخروج إلى أيّ مكان معي، تحت عذر أنّ علينا اصطحابهم معنا، فكيف نتركهم بينما نتسلّى ونأكل في المطاعم؟ بدأتُ أستاء مِن الوضع، خاصّة أنّ حماتي وابنتها بدأتا بالتصرّف وكأنّ البيت هو لهما وأنا ضيفة فيه. والجدير بالذكر أنّني ساعدَتُ زوجي بشراء المنزل بفضل بعض المال الذي كنتُ قد وضعتُه جانِبًا، لكنّ العقار كان مُسجّلًا باسمه حصريًّا… لأنّه رجُل البيت.
مِن ناحيتهم، حاوَل أهلي تهدئتي بما يخصّ أهل كمال، قائلين إنّني تربّيتُ على أسس شرقيّة تحملُني على احترام الزوج وذويه، وأشياءً مِن هذا القبيل.
لكن يوم علِمتُ يقينًا أنّ مجيء هؤلاء إلى بيتنا لَم يكن بسبب أيّ ضرَر حصَلَ لمسكنهم، بدأتُ أصرخُ في وجه زوجي وأنعته بالكاذب أمام أمّه وأخته وأبيه، طالبةً إخلاء البيت على الفور، قالَت لي أمّه:
ـ إخفضي صوتكِ أيّتها الفاجِرة، لن نذهب إلى أيّ مكان! هذا بيت ابننا، أيّ بيتنا أيضًا! إضافة إلى ذلك، زوجته الأخرى تعيشُ الآن مكاننا!”.
سكتُّ لأن عقلي لَم يستطع استيعاب هذا الكمّ مِن المصائب، ثمّ نظرتُ إلى زوجي مُستفسِرة، وهو قال:
ـ أجل، لقد تزوّجتُ مِن أخرى ووضعتُها في بيت أهلي، وهذا مِن حقّي!
ـ سنتكلّم عن موضوع زواجكَ بعد قليل، لكن لماذا لَم تُسكِنها مع أهلكَ؟ لماذا أتَيتَ بهم للسكن معي أنا؟
ـ لأنّها أجمَل منكِ ولا أُريدُ أن أخسرها.”
نظرتُ إلى المجموعين في صالوني الواحد تلوَ الآخَر وهزَزتُ برأسي. ثمّ قمتُ مِن مكاني ودخلتُ غرفتي لأحزِمَ أمتعتي، لكنّني توقّفتُ عند باب الصالون وقلتُ لكمال:
ـ أنتَ أقسَمتَ لي بأنّكَ تُحبُّني أكثر مِن كلّ شيء… ووعدتَني بإسعادي حتّى آخِر أيّامي، وأقنعتَني بدفع مُستحقّات هذا البيت معكَ… لِتخون ثقتي وتتزوّج مِن دون عِلمي وتأتي بأهلكَ إلى هنا، لتُريحَ عروسًا فقط لأنّها أجمَل منّي. هل تعلَم فقط معنى الحبّ أو الصدق؟؟؟”.
وأضَفتُ لأهله:
ـ وأنتم؟ كنتم تعرفون أنّه تزوّجَ ولَم يُخبرني أحَدكم بشيء، بل سكتّم وخطّتم ونفّذتم وأنتم تبتسمون لي… ثمّ قرّرتم أن تخربوا حياتي بشكل يوميّ باجتياح حياتي ومنزلي… لا عجَبَ أن يكون كمال بهذا المِكر، فهو تربّى على أيديكم!”.
لَم يجِب أحَد، بل تفرّجوا عليّ وأنا أخرج مِن الشقّة مع حقائبي. بكيتُ لدرجة لا توصَف عند أهلي، لكثرة خذلاني والمرارة التي شعرتُ بها، ثمّ طلَبتُ الطلاق وحصَلتُ عليه. وقد كان قد مرَّ على زواجي أربعة أشهر فقط.
لاحقًا، سمِعتُ أنّ خلافًا وقَعَ بين زوجة كمال وأهله، فهي أرادَت السكن في البيت الجديد حين رحلتُ منه، ولوحدها. فطلبَت مِن ذوي كمال العودة إلى بيتهم وهم رفضوا، فالمكان كان جديدًا ومُزيّنًا بذوق ويقَع وسط المدينة. ولأنّ كمال كان مُتعلِّقًا جدًّا بزوجته، أجبَرَ أهله على الرحيل، وتمركزَت المرأة في المكان الذي استثمرَتُ فيه جنى حياتي.
وبدأَت الحرب! فسرعان ما قطَعَ كمال صِلته بأهله، بإيعاز مِن زوجته التي هدّدَته بعدَم إعطائه ولَدًا إن هو زارَهم أو اتّصَلَ بهم، وهو امتثَلَ لرغبتها. كنتُ أعلَم ما يحصل مِن أصدقاء مُشتركين إستاؤوا جدًّا مِن الذي فعلَه بي زوجي السابِق، فبقوا على التواصل معه فقط لاطلاعي على المُستجدّات. ولا أخفي عنكم أنّني كنتُ مسرورة جدًّا لِما يحدثّ!
مرَّت الأشهر، وكنتُ قد وجدتُ عمَلًا أعطى هدفًا لحياتي، وأنساني بعض الشيء ما حصَلَ لي بزواجي مِن ذلك الرجُل القذِر، حين وصلَني أنّ كمال طلَّقَ زوجته لأنّها خانَته! بعد ذلك، عادَ أهله إلى البيت الجديد… بعد أن باعوا بيتهم، وبذلك باتوا غير قادرين إلى العودة على الاطلاق. في البدء لَم أعرِف الكثير عن الموضوع، لكن حين بدأ كمال بشرب الخمر بطريقة مُفرَطة، صارَ يُخبر كلّ مَن كان حوله بتفاصيل كان قد كتَمَها حتّى ذلك الحين.
فالظاهر أنّه لَم يكن مُتأكِّدًا مِن خيانة زوجته، فهو لَم يشكّ بها يومًا ولَم يرَها مع رجُل آخَر. بل أتَت المعلومات مِن جهة مجهولة، مِن شخص إتّصَلَ به عبر الهاتف مرّات عديدة لاطلاعه على وجود عشيق لزوجته. كانت تلك المعلومات دقيقة لدرجة أنّه صدّقَها، وانتهت المسألة بالطلاق. لكن مع الوقت، خاصّة بعدما احتَلَّ أهله البيت وباعوا مسكنهم، بدأت ترِد الشكوك إلى باله. وبعد البحث الدقيق، تبيّنَ له أنّ ذويه هم وراء التّهمة الباطِلة. راحَ كمال مُباشرةً إلى زوجته السابِقة طالِبًا منها السماح والعودة إليه، لكنّها رفضَت رفضًا قاطِعًا… إلّا أذا طرَدَ أهله مِن البيت على الفور. لكن كيف له أن يرمي أهله في الشارع، خاصّة بعدما صرَفوا المال الذي حصلوا عليه مِن بيع بيتهم، أو هكذا قالوا.
وقَعَ كمال في حيرة مِن أمره، ليس فقط لأنّه أرادَ استرجاع زوجته، بل أيضًا لأنّه باتَ يكرَه أهله ويمقتُهم لأنّهم تسبّبوا له بتطليق زوجته، ولأنّهم رفضوا الخروج مِن البيت الجديد.
سكَنَ كمال في شقّة إستأجرَها وجلَبَ إليها زوجته، واعِدًا إيّاها بأنّهما سيتنقلان قريبًا إلى البيت بعد أن يخليه أهله. لكنّه كذِبَ عليها كما كذِبَ عليّ، لأنّه كاذِب مُحترِف. إلّا أنّ اللعبة لَم تدُم لأنّ الزوجة أخذَت أمتعتها، كما فعلتُ قَبلها، وعادَت إلى أهلها.
وأمام مُصيبته التي سبَبها أهله، قرَّرَ كمال أنّ الوقت حانَ لإنهاء مشكلته معهم… بإضرام النار في البيت وهم بداخله! أجل، قرأتم جيّدًا، فلقد تحوّلَ زوجي السابِق إلى مجرِم!
تعالَت ألسن النيران وركَضَ الناس للمُساعدة بإطفاء الحريق حالمَا يصِل رجال الاطفاء، واستطاعوا إنقاذ أم وأخت كمال، لكنّ أباه ماتَ خنقًا بسبب حالته الصحّيّة. وحتّى ذلك الحين، لَم يشكّ أحدٌ بأنّ كمال هو الفاعِل، فمَن يتصوّر أنّ أحَدًا بإمكانه قتل أهله بسبب بيت؟ تصرَّفَ كمال كالابن المفجوع وبكى كثيرًا، ليس حزنًا، بل لأنّ خطّته فشلَت. فبعد الحريق وموت الأب، صارَ مجبرًا بأمّه وأخته… إلى الأبَد! لكن في تلك الأثناء، كانت التحقيقات في الحريق جارية، وتبيَّنَ أنّه مُفتعَل وليس حادِثًا. فلقد وجَدَ رجال الاطفاء مادّة نفطيّة عند نقاط مُختلِفة مِن اندلاع النيران، وظهَرَ كمال في فيديو أحَد المحلّات المُجاوِرة وهو يدخل ليلًا البيت حيث هم أهله، ثمّ يخرج منه دقائق قليلة قَبل الحريق… وكان يحملُ معه غالونًا مِن النفط!
إعترَفَ كمال بكلّ شيء خلال التحقيق معه، خاصّة بعد أن أرَته الشرطة شريط الفيديو الذي يُبيّنه وسيّارته وغالونه بوضوح. حُكِمَ عليه بالسجن لمدّة خمس عشرة سنة… وبقيَت أمّه وأخته في البيت!
للحقيقة، شكرتُ ربّي أنّني خرجتُ بسرعة مِن تلك العائلة ومِن بيت كان على ما يبدو ملعونًا، فكم مِن المآسي تسبَّبَ لسكّانه! فالطمَع والكذِب لا يؤدّيان إلّا لمصائب لصاحبهما ولمَن حوله. وخطَرَ ببالي أمر مُرعِب، فلو لَم أُطلِّق كمال، ولو بقيتُ في البيت الجديد مع أهله، لكان مِن المُحتمَل أن أموتَ أنا الأخرى في الحريق، مَن يدري؟ فالله كان كريمًا معي وأنقذَني مِن هؤلاء القوم بكشفهم مُبكِرًا، وأعطاني فرصة جديدة للحياة.
أنا اليوم مخطوبة، وأرجو مِن الله أن يُنيرَ عقلي باتّخاذ القرار الصائب هذه المرّة.

أضف تعليق