“وقَعتُ بالمصيَدة”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية )

لَم أتصوّر أنّني سأضطرّ يومًا لتنظيف مساكن الناس، ليس لأنّ ذلك العمَل ليس شريفًا أو أنّه يحطّ مِن قيمة المرء، بل لأنّني كنتُ قد رسمتُ حياتي بشكل مُختلِف تمامًا. ولو أنّ زوجي كان رجُلًا طيّبًا ووفيًّا، لعِشتُ معه أيّامًا هنيئة. إلّا أنّ طلاقي غيّرَ وجهة حياتي بشكل ملحوظ، إذ أنّني وجدتُ نفسي وحيدة مع ابنة صغيرة عليّ اطعامها وتعليمها، لأنّ أباها لَم يشأ تحمّل مسؤوليّاته.
وهكذا، وبعد بحث دامَ أشهر، وجدتُ مِن خلال مكتب للتوظيف عمَلًا في أحَد بيوت هؤلاء الأثرياء الذين يدفعون الكثير ليقوم غيرهم بمهامهم… لحسن حظّي وحظّ مَن هم في حالتي. كانت ابنتي قد دخلَت المدرسة فباتَ لدَيّ الوقت لأنظِّف وأُرتِّب وأطهو للسيّدة داليا وزوجها مُعين وأولادهما. كان البيت واسِعًا جدًّا ومُتعِبًا، إلّا أنّني لَم أخَف مِن التعَب إن كان ذلك سيبعدُ عنّي وابنتي شبَح الفقَر والجوع.
علاقتي بأهل البيت كانت جيّدة، نسبيًّا طبعًا، إذ أنّني لَم أتبادَل كثيرًا الكلام معهم. فعدا التعليمات الأوّليّة التي أُعطيَت لي مِن قِبَل السيّدة داليا، لَم يتدخّل أحَد بِعمَلي، أو بي. في الواقع، كنتُ شِبه غير مرئيّة بالنسبة لهم… ما عدا للسيّد مُعين الذي كان يراني، وبقوّة! فالجدير بالذكر أنّني كنتُ آنذاك شابّة وجذّابة، وهو رجُل في مُنتصف عمره، وكلّنا نعلَم ما يعني ذلك.
بالطبع لَم أفعَل شيئًا لتعزيز إعجاب ذلك الرجُل بي، بل العكس، قمتُ بتجاهله كلّيًّا، الأمر الذي أجَّجَ مِن اهتمامه بي. هو كان لطيفًا معي ويُحاول التحدّث إليّ، أثناء غياب زوجته طبعًا، ويضَع لي هنا وهناك هدايا صغيرة لَم ألمُسها قط. أمِلتُ أن يسأم مِن تلك اللعبة، لكنّه بقيَ مُصرًّا على التمادي معي، فكنّا لوحدنا في مُعظم الوقت بينما يعمَل مِن مكتبه في البيت وزوجته موجودة في “البوتيك” التي تُديرُها في الوسط التجاريّ. أمّا بالنسبة للأولاد، فهم كانوا يذهبون إلى جامعاتهم ويقضون باقي الوقت مع أصدقائهم، فنادرًا ما كنتُ أراهم أثناء دوامي الذي كان ينتهي بالتزامن مع انتهاء الدوام المدرسيّ لابنتي.
ما لَم أكن أعلَمه في تلك الفترة هو أنّ السيّدة داليا تودّ تطليق زوجها، وبإصرار، لكن كانت تلزمها حجّة وبراهين لتستفيد قدر المُستطاع مِن شروط طلاقها. ولهذا السبب هي وظّفَتني، أيّ لأنّني شابّة وجميلة وتعرف ميول زوجها في ما يخصّ النساء. وهو، مِن جانبه، كان على قدر توقّعات زوجته بُملاحقته لي. فدبّرَت السيّدة داليا المصيَدة، ووقَعَ السيّد مُعين فيها كالمُبتدئ.
مِن ناحيَتي، تابَعتُ القيام بمهامي لأحصَل على لقمة عيشي، لكن مع الوقت صارَت غيابات الزوجة والأولاد تتكاثَر، فبقيتُ لوحدي مع الزوج لوقت أطوَل، ما أتاحَ له البوح لي بمشاعره تجاهي:
ـ يا سامية… ماذا أقولُ لكِ… أنتِ رائعة! رقّتكِ وجمالكِ ودلَعكِ… آه، لو كنتُ أصغَر سنًّا! هل تجديني كبيرًا في السنّ؟ قولي الحقيقة!
ـ سيّدي، لا يهمّني سنّكَ…
ـ عظيم!
ـ … لأنّكَ لا تهمّني على الاطلاق! أنا هنا لأعمَل وحسب. أرجو منكَ أن تتركني وشأني وإلّا رحتُ أبحث عن بيت آخَر!
ـ لا! لا! لن أزعجكِ… إلّا قليلًا! فأنتِ رائعة، رائعة!
ـ دَعني أُكمِلُ عمَلي، مِن فضلكَ!
ـ أستطيع تأمين لكِ ولابنتكِ الصغيرة حياة مُريحة. سآخذُ لكما مسكنًا جميلًا، وأُعطيكِ مصروفًا شهريًّا يوازي عشرة أضعاف ما تجنيه هنا! إقبَلي فقط بي!
ـ شرَفي ليس للبيَع، سيّدي!”.
أقفَلتُ الحديث، ورحتُ أُنظِّف قسمًا آخَر مِن البيت بعيدًا عن ذلك الرجُل القذِر. فكيف يعرضُ عليّ أن أصبَح عشيقته؟!؟
سئمَت السيّدة داليا مِن الانتظار، فقرّرَت أن تتصرّف. فذات يوم، بينما كانت العائلة كلّها مُجتمِعة على غير عادة، وجدتُ أمتعتي التي أخلَعُها لارتداء ثياب العمَل، مُتّسِخة بشكلّ فظيع. كانت هناك مادّة لزِجة كالزيت تُغطّي كامِل الملابس، فاستحالَ عليّ ارتدائها. لكن كيف أذهب لِجَلب ابنتي مِن المدرسة في ملابس العمَل الخاصّة بالخادِمات؟ ماذا سيقول عنّا الأهل والتلاميذ؟ قصدتُ على الفور السيّدة داليا التي ادّعَت المُفاجأة، وأخذنا نبحَث عن طريق وصول تلك المادّة على ثيابي. وفي آخِر المطاف، هي أدخلَتني غرفة نومها وفتحَت الخزانة وأعطَتني ملابس لارتدائها. شكرتُها بحرارة، واعِدة بأنّ اُحافظَ عليها جيّدًا وأُرجِعها في اليوم التالي. تركَتني السيّدة داليا في الغرفة لأُبدِّل ملابسي بعد أن ابتسمَت لي برفق وحنان قائلة: “أنتِ صِرتِ بمثابة فرد مِن عائلتنا”.
وبعد أقلّ مِن دقيقتَين، دخَلَ عليّ السيّد مُعين ووقفَ قبالتي يتفرّج عليّ وأنا في ملابسي الداخليّة! وفي اللحظة نفسها، ظهَرَ عند الباب أحَد الأولاد وبِيَده هاتفه، والتقَطَ لنا صورة توحي بالكثير، إذ أنّني كنتُ نصف عارية وجالِسة على السرير وبالقرب منّي رجُل وعلى وجهه علامات الامتنان الشديد. بدأتُ أصرخ كالمجنونة، وخبّأتُ جسَدي قدر المُستطاع، بينما حاوَلَ السيّد مُعين تهدئتي لأنّه خافَ منّي ومِن صراخي. دخلَت الزوجة مُستاءة وصرخَت هي الأخرى قائلة: “هكذا إذًا! أنتَ تخونُني مع الخادِمة! إيّها القذِر! وأنتِ… كيف تسرقين زوجي منّي؟!؟ وماذا تفعلين في غرفتي وعلى سريري؟!؟ ومنذ متى وأنتما على علاقة؟!؟”. ثمّ هي ادّعَت أنّه أُغمِيَ عليها ولاحظتُ حينها أنّ ولَدها الثاني كان يلتقِط فيديو للمشهد كلّه! نظرتُ إلى الكاميرا وقلتُ إنّ السيّدة داليا هي التي أخذَتني إلى الغرفة لأُبدّل ملابسي التي اتّسخَت… حين فهِمتُ اللعبة! أمّا بالنسبة للسيّد مُعين، فهو بقيَ واقِفًا مذهولًا، ينظرُ إلى عائلته وهي تتواطأ ضدّه، فحاوَلَ هو الآخَر أن يُبرِّر براءته قائلًا إلى إبنه الثالث: “أنتَ قلتَ لي أن آتي إلى الغرفة لأنّ هناك خطَبًا في الإضاءة!”. أكمَلتُ ارتداء الملابس النظيفة، وركضتُ لأخذ حقيبة يَدي والخروج بأسرع وقت مِن ذلك المكان الفاسِد.
مشيتُ إلى مدرسة ابنتي وأنا أبكي مِن الغضب والعار والخوف، فماذا لو نُشِرَ الفيديو وكذلك الصوَر؟ كيف أُصلِحُ سمُعتي وسُمعة ابنتي البريئة؟؟؟
في الأيّام التي تلَت، حبَستُ نفسي في بيتي، وأوكَلتُ جارتي باصطحاب ابنتي إلى المدرسة وجَلبها منها. كنتُ خائفة أن يراني أحَد ويتعرّف إليّ في الشارع. وجاءَني اتّصال مِن السيّد مُعين:
ـ كيف تفعلين ذلك بي؟؟؟ كيف توقعين بي؟
ـ أقسمُ لك سيّدي أنّ لا دَخل لي بالذي حصل، بل أنا ضحيّة أيضًا! هل تعتقِد أنّني سأقبَل أن أُصوَّر بملابسي الداخليّة؟!؟
ـ كَم دفعَت لكِ زوجتي؟ إعترفي!
ـ ألَم تسمَع ما قلته؟ إسأل أولادكَ كَم قبضوا أو كيف استفادوا مِن إيقاعكَ لأجل أمّهم. ماذا فعلتَ لهم ليكرهوكَ لهذه الدرجة؟ لا تتّصل بي مُجدّدًا أو اشتكَيتُ للشرطة!”.
بكيتُ حين أقفلتُ الخطّ، فلو كان زوجي السابِق رجُلًا مُحترَمًا، لمَا تطلّقتُ ومرَرتُ بتلك المصائب!
ويوم رحتُ أبحث عن وظيفة لدى المكتب الذي دبَّرَ لي عمَلي السابق، علِمتُ أنّ السيّدة داليا حصلَت على الطلاق وعلى الكثير مِن المال. فالمسؤولة عن المكتب قصَّت لي ما حصَلَ بهؤلاء الفاسدين، فانهمرَت دموعي وأخبرتُها بما فعلوه بي. إنتابَ المرأة غضَب عارِم، فسجّلَت ملاحظة قرب اسمهم على حاسوبها، لتتذكّر ألّا تُرسِل أحَدًا للعمَل لدى السيّدة داليا أو زوجها أو حتّى أولادها حين يكبرون. لكنّها طمأنَتني بأنّ طلاق مُستخدميّ القدامى حصَلَ بطريقة هادئة وشِبه ودّيّة، ما يعني أنّ الصوَر والفيديو لَم يُستعمَلوا في المحكمة ولَم يرَهم أحَد. شكرتُها وغادَرتُ.
بعد حوالي الأسبوعَين، طلبَت منّي المسؤولة عن مكتب التوظيف المجيء إليها لإنّها وجدَت لي عمَلًا يُناسبُني. لكن كَم كانت مُفاجأتي كبيرة عندما رأيتُ أولاد السيّدة داليا الثلاثة بانتظاري وعلى وجههم علامات الخزيّ العميق. قالَت لي السيّدة:
ـ لقد اتّصلتُ بهؤلاء الثلاثة وأجبرتُهم على حذف الصوَر والفيديو الموجودة على الهواتف أمامي، وأؤكِّد لكِ أنّها بالفعل حُذِفَت. وفي حال كانت هناك نسخة أو نسخ أخرى، فسأتّصل بالشرطة على الفور وأسجنهم!”.
نظَرتُ إلى المُراهقين وهم يرتَجفون مِن الخوف، وقلتُ لهم:
ـ عارٌ عليكم ما فعلتموه… فلا دخلَ لي بمشاكل أبوَيكما، وكذلك أنتم. لكنّكم على ما يبدو أخذتم الأسوأ مِن أهلكم وأذَيتم إنسانة بريئة تبحث عن لقمة عَيشها بطريقة شريفة. لا أدري ما سيكون مصيركم حين تكبرون، لكنّني أتمنّى أن تَعوا لِما قد تصبحون عليه، أيّ نصّابين ومُحتالين وربّما مُجرمين. إتّقوا الله واطلبوا السماح منه وتوبوا لتربحوا خلاص روحكم. ونصيحة منّي، لا تحذوا حذوَ أمّكم الجشِعة والتي اقحمَتكم في تلك المكيدة، ولا حذوَ أبيكم الذي يُطلِقُ العنان لشهواته كلّما إلتقى بامرأة. سأُسامحُكم لأنّكم لا تزالون صِغارًا ولَم يتسنَّ لكم أن تتماثلوا بأناس فاضلين… لكنّني لن أتأخّر عن الاشتكاء عليكم أيضًا لو ظهرَت أيّة صورة أو فيديو لي، أعدُكم بذلك!”
مضَت على تلك القصّة أكثر مِن خمس عشرة سنة ولَم أسمَع مِن هؤلاء أبدًا.

أضف تعليق