(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية )
لَم أجِد زوجتي في البيت حين عدتُ مساءً مِن العمَل، بل فقط ولدَينا جالسَين لوحدهما أمام التلفاز. كيف لِسلوى أن تتركهما هكذا وهما لا يزالان صغيرَين؟ إنشغَلَ بالي كثيرًا، فاتّصلتُ بهاتفها على الفور لكن مِن دون جواب! ثمّ خابَرتُ كلّ أفراد العائلتَين، وصديقاتها، لكن ما مِن أحَد كان قد رآها في ذلك المساء. يا إلهي، هل أنّ حادثًا حصَلَ لها؟ أخذتُ سيّارتي بعد أن وضعتُ صغيرَيّ عند الجيران، ورحتُ ألفُّ على المستشفيات مِن دون نتيجة. إنتظرتُ بضع ساعات لأتّصِل بالشرطة، على أمَل أن تعودَ سلوى قَبل ذلك.
وصلَت سلوى إلى البيت في ساعات الصباح المُبكرة. كنتُ قد وضعتُ ولدَينا في سريرهما، وجلستُ مهمومًا على أريكة الصالون وفي بالي مئة سيناريو عن موت زوجتي. نظرتُ إليها مُندهشًا، إذ أنّها دخلَت البيت وكأنّ شيئًا لَم يكن، بل ألقَت التحيّة عليّ وتوجّهَت إلى غرفة نومها. أوقفتُها في طريقها، مُمسِكًا بذراعها وقائلًا:
ـ مهلًا! أين كنتِ؟ حسِبتُكِ مُتِّ!
ـ كنتُ مع بعض الأصدقاء ولَم أنتبِه إلى الوقت. دَعني أنام، أرجوكَ!”.
تركتُ ذراعها إذ حسِبتُها ثمِلة لأنّها بالكاد كانت قادِرة على الوقوف، وأدركتُ أنّني لن أستطيع التحاور معها وهي في هذه الحالة. بقيتُ في الصالون، بينما هي ألقَت بنفسها على السرير ونامَت لساعات طويلة. مِن ناحيَتي، لَم تغمض لي عَين، وأنا أسأل نفسي كيف لسلوى أن تترك عائلتها هكذا مِن دون خبَر أو الإجابة على اتّصالاتي واتّصالات العائلة والأصدقاء المهمومين. أين كانت ومَع مَن؟ ومنذ متى تشرب زوجتي الكحول؟؟؟
طلَعَ الضوء، فصبرتُ حتّى جاء الباص ليأخذ ولدَينا إلى المدرسة وأبقى لوحدي مع زوجتي حتى نتفاهم على سجيّتنا. دخلتُ الغرفة وأيقظتُ سلوى قائلًا: “هيّا، قومي، علينا أن نتحدّث!”.
وحين خرجَت زوجتي أخيرًا مِن السرير ووافتني إلى المطبخ، سألتُها أين كانت ومع مَن خلال الساعات الطويلة التي غابَت فيها عن البيت. نظَرَت إليّ سلوى وكأنّها لا تفهم ما قلتُ، وأجابَت: “للحقيقة، لا أتذكّرُ شيئًا!”.
ومِن العلامات الظاهِرة على وجهها، إستنتجتُ أنّها بالفعل لا تتذكّر شيئًا، ربّما لكثرة كمّيّة الكحول التي شربَتها. لكن كيف لزوجتي أن تتحوّل إلى امرأة لا ترى خطبًا بالخروج ليلًا مع أناس لا أعرفهم، وتشرب طوال الليل لتعودَ إلى بيتها صباحًا؟!؟
عادَت سلوى إلى السرير وأنا نمتُ قليلًا على الأريكة لأنّني كنتُ تعِبًا جدًّا. أخذتُ إجازة لبضعة أيّام لأحلّ ذلك اللغز وآخذ قرارًا بشأن زوجتي، فأنا عادةً رجُل لا يقبَل هكذا تصرّفات!
عندما إستفاقت زوجتي، عدتُ وسألتُها عن ظروف خروجها مُهدِّدًا إيّاها بالانفصال. بدأَت سلوى بالبكاء والتوسّل، وأجابَت عندما سألتُها إن كان لدَيها عشيق:
ـ أبدًا يا حبيبي! المسألة أنّني تمادَيتُ في السهر ونسيتُ كَم الساعة. لَم أجِب على الاتّصالات، لأنّني لَم أسمَع الهاتف بسبب الموسيقى الصاخِبة.
ـ مع مَن كنتِ؟
ـ أنتَ لا تعرفهم.
ـ عرّفيني عليهم إذًا!
ـ هم سافروا اليوم… عادوا إلى حيث يسكنون، أي في الخارج.
ـ أُريدُ أسماءً!
ـ حسنًا… صديقتي رنا وزوجها… وسميرة وزوجها.
ـ لَم أسمَعكِ يومًا تذكرين رنا أو سميرة.
ـ لأنّهما صديقتان قديمتان وتسكنان في الخارج.
ـ أريني هاتفكِ!
ـ ومنذ متى تسأل عن هاتفي؟
ـ منذ الآن… أيّ منذ ما تركَت زوجتي ولدَيها ليلًا وغابَت لتعود في الصباح! أريني هاتفكِ الآن وإلّا أعَدتُكِ إلى أهلكِ!”.
أرَتني سلوى هاتفها ولَم أجِد أيّ حديث بينها وبين هاتَين السيّدتَين، لا بل اسمهما لَم يكن موجودًا على الاطلاق! لكنّها قالَت:
ـ لقد تحدّثنا عبر هاتف البيت، يا حبيبي.”
بالطبع لَم أُصدِّق زوجتي، لكنّني كنتُ بحاجة إلى دليل قاطِع لآخذ قرارًا بشأنها، فنوَيتُ مُراقبتها عن كثب.
رأي الناس مِن حولي كان مُشابِهًا لرأيي، فلا تنسوا أنّني اتّصلتُ بالأقارب والأصدقاء وكلّهم علِموا أنّ زوجتي غابَت حتّى الصباح. عائلة زوجتي نفسها استاءَت كثيرًا منها ووبّختها على فعلتها، وشكّوا بها. هل كانت سلوى تخونُني؟!؟
بعد جهد جهيد، عرفتُ مِن زوجتي اسم المكان الذي قضَت فيه السهرة، فهي لَم تكن تتذكّر الكثير… حسب قولها. لِذا رحتُ إلى المكان المذكور في المساء، لأجِد العاملين الذين بإمكانهم مُساعدتي.
كان المكان بالفعل صاخِبًا جدًّا، وبالكاد استطعتُ طرح أسئلتي على الموظّفين. البعض لَم يتذكّر زوجتي حين أرَيتُهم صورتها على هاتفي، لكنّ البعض الآخَر قالَ لي إنّها بالفعل كانت موجودة في ذلك المساء. وكانت هناك نادِلة ذات ذاكرة قويّة استطاعَت إعطائي تفاصيل دقيقة:
ـ أتذكّر زوجتكَ تمامًا سيّدي… كانت بصحبة سيّدتَين ورجُلَين… كانت لوحدها في تلك الليلة، أيّ مِن دون رفيق… إلى حين انضمَّ إليهم رجُلًا أتى لاحقًا.
ـ أكملي.
ـ ثمّ بدأَت زوجتكَ بالتصرّف بغرابة.
ـ ماذا تعنين؟
ـ في البدء أصابَها الدوار ثمّ التقيّؤ… لِتجلس على كرسيّها وكأنّها ليست موجودة. بعد فترة، أخذَها الرجل الذي وصَلَ أخيرًا وخرَجا سويًّا. للحقيقة ظننتُه زوجها وأنّه أخذَها إلى البيت لأنّها كانت في حالة صعبة، مع أنّها لَم تشرَب سوى كأس واحِد، فأنا التي كنتُ مسؤولة عن طاولتهم.
ـ في أيّة ساعة غادرَت زوجتي المكان؟
ـ في التاسعة ليلًا.
ـ ماذا؟!؟ هي وصلَت البيت صباحًا!
ـ سيّدي… بعدما عرفتُ أنّها زوجتكَ، وبعد حديثنا… أظنّ أنّه تمّ تخديرها.”
ركضتُ كالمجنون إلى البيت لأسأل سلوى:
ـ قولي لي… لماذا لَم تُخبريني عن نيّتكِ بالخروج مع هؤلاء الناس؟
ـ للحقيقة، بسبب الإثارة، فلقد كنتُ أتشارك مع رنا وسميرة أيّامًا سعيدة ومُثيرة حين كنّا صديقات، وشعرتُ بأنّني عدتُ بالزمَن إلى الوراء… فالحَمل والولادة مرّتَين أمر مُنهِك بالفعل، ناهيك عن تربية ولدَين والاهتمام بالبيت… لن تفهم أبدًا. لكنّني لا أعرِف كيف تركتُ ولدَينا لوحدهما… ربّما لأنّني لَم أتصوّر أنّني سأتأخّر، فلقد اتّفقنا على لقاء سريع في مقهى وليس في ملهى. وتفاجأتُ حين أخذتاني إلى مكان آخَر ورأيتُ زوجَيهما بانتظارنا، فلو علِمتُ بقدومهما لكنت اصطحبتُكَ معي.
ـ مَن وافاكم إلى السهرة؟
ـ لا أحَد يا حبيبي! لماذا هذا السؤال؟
ـ لا يهمّ… أعطِني رقم هاتف رنا وسميرة، الآن!
ـ أنا لا أملك أرقامهما… رنا إتّصلَت بي على هاتف البيت، أقسمُ لكَ!”.
ركضتُ إلى الهاتف وفتحتُ ذاكرة الاتصالات، فوجدتُ الرقم الوحيد الذي لا أعرفه، حفّظتُه في هاتفي ورحتُ خارِجًا لأتّصل به. لكنّه كان رقم هاتف أمّ رنا التي استعملَته ابنتها خلال وجودها في البلَد. طلبتُ منها رقم رنا، إلّا أنّ أمها لَم تشأ إعطاءه لي مِن دون إذن ابنتها.
إحتَرتُ بأمري… هل أُطلِع الشرطة على شكوكي؟ هل أجرُّ عائلتي إلى مسألة حسّاسة قد تُسيء إلى سمُعتنا؟ فكنتُ شِبه أكيد من أنّه تمّ التلاعب بسلوى. فلماذا إذًا ذلك الغموض حول السهرة؟ لماذا الاتّصال على هاتف البيت وليس على هاتف سلوى الشخصيّ؟ هل لِعدَم ترك دلائل؟ النادِلة وصفَت لي بدقّة حالة سلوى لدى خروجها مِن الملهى مع ذلك الغريب، بعد شرب كأس واحِد مِن الكحول، وكان مِن الواضح أنّه تمّ تخديرها. لَم أستطِع تصوّر ما فعلَه بها ذلك الرجُل، فأزَحتُ بسرعة الصوَر التي أتَت إلى ذهني!
في المساء، دخَلتُ الحمّام حيث كانت سلوى تستحمّ، ورأيتُ على جسدها كدمات عديدة. سألتُها عنها وهي أجابَت: “أمرٌ غريب، أليس كذلك؟ أظنّ أنّها نتيجة الرقص في ذلك الملهى، فكان المكان مُكتظّ بالناس وحلبة الرقص مليئة بالراقصين. فلا بدّ أنّهم اصطدموا بي وأحدثوا تلك الكدمات… للحقيقة، كلّ جسَدي يؤلمُني”.
إمتلأت عَيناي بالدموع، فخرجتُ بسرعة مِن الحمّام. المسكينة… هل أقولُ لها ما حدَثَ لها حقًّا؟
بعد تفكير عميق، قرّرتُ ترك الأمور كما هي، أي عدَم إطلاع سلوى على التفاصيل المُريعة التي وقعَت في تلك الليلة، فما الفائدة مِن ذلك؟ لماذا أخرِب حياتها في حين أستطيع تحمّل الحقيقة، والغضب، والاستنكار لوحدي؟ جعلتُها تُقسِم لي بعدَم التعاطي مع رنا أو سميرة، وإخباري على الفور إن حاوَلَت إحداهما الاتّصال بها. بقيتُ بالمرصاد لهَاتين المرأتَين لسنوات، لكن لَم يحصل شيء على الاطلاق، وسُرِرتُ مِن نفسي لأنّني أبقيتُ الأمر لنفسي وتحمّلتُ عبء الحقيقة، لأنّني أؤمِن أنّ واجبات الزوج أن يحمي زوجته مِن أيّ أذى جسديّ ومعنويّ.
