“المُحاسِب”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية )

نصحوني بألّا أتدخَّل، وأن أحجبَ نظري عمّا رأيتُه في الحسابات التي دقّقتُ بها، لكنّني لَم أنتصِح. فالجدير بالذكر أنّني إنسان أمين وذو ضمير حَي، ولا أقبَل أن أُلطِّخ سُمعتي العمليّة هكذا. لكنّني لَم أتوقّع أنّ رفضي لِغضّ النظر سيُكلّفني غاليًا، فحسِبتُ هؤلاء الناس غير قادرين على أذيّتي، واستهَنتُ بما قد يفعل المرء بسبب مبالِغ كبيرة، وخوفًا مِن العقاب الذي قد يصِل إلى السجن.
فلقد استعانَت بي شركة تجاريّة كبيرة لأُدقِّق بحساباتها، إذ غالبًا ما يُطلَب مِن الشركات التي تتجاوز حدودًا مُعيّنة مِن حيث الحجم والدّوران، أو الأصول وعدَد الموظّفين، إجراء تدقيق. فالإخفاق بتقديم القوائم الماليّة السنويّة، قد تجرّ صاحب الشركة وأعضاء مجلسها إلى المحاكم.
أجرَيتُ التدقيق في مقرّ الشركة، خوفًا مِن أن آخذ الملفات العديدة إلى بيتي ويحصل لها ضرَر، أو يشكّ أحَدٌ بنزاهتي. فقضَيتُ الليالي وأنا أعمَل في مكتب خُصِّصَ لي لهذا الغرَض وبصحبة رمزي، مُحاسِب الشركة، الذي عرَضَ عليّ مُساعدته ورفقته.
وحين وجدتُ الثغرات التي تدلُّ على الاختلاس، وأين ولِمَن ذهبَت الأموال، قالَ لي رمزي:
ـ مِن الأفضل أن تنسيَ الموضوع وتدّعي أنّ الحسابات صحيحة، وسأُساعدُكَ على إخفاء كلّ شيء.
ـ لماذا تقول ذلك؟ هل لكَ ضلع في الموضوع؟
ـ أنا؟ أنا موظّف بسيط وأفعل ما يُطلَب منّي… صدّقني، لا داعٍ لِتُقحِم نفسكَ بمشاكل لا علاقة لكَ بها، فهؤلاء لا يرحمون أحَدًا.
ـ أنا أقومُ بعمَلي وحسب. صحيح أنّ شركتي صغيرة وأُديرُها مِن بيتي، لكنّ سمعتها مُمتازة!
ـ سأدّعي أنّكَ لَم تجِد شيئًا… عُد إلى بيتكَ وفكِّر جيّدًا، فلدَيكَ عائلة.
ـ هل تُهدّدُني؟
ـ أنصحُكَ فقط.”
عدتُ إلى بيتي ولَم أُفكِّر بشيء سوى بالنوم لكثرة تعَبي، فكنتُ قد قضَيتُ ليالٍ عديدة بعيدًا عن زوجتي وولَدي. غرِقتُ في النوم بعد أن قبّلتُ زوجتي النائمة، وكنتُ مُقتنِعًا بأنّني أفعَلُ الصواب بمُتابعة تدقيقي كما يجب وكما فعلتُ دائمًا.
في الأيّام التي تلَت، كان المُحاسِب جافًّا معي، لدرجة أنّني سألتُه لماذا هذا الموقف في حين أنا أقومُ بواجباتي. وهو أجابَ:
ـ أنا حزين مِن أجلكَ… إسمَع، المبالِغ كبيرة ولن يقبَل هؤلاء بأن يدفعوها كما كان عليهم أن يفعلوا أصلًا… ولقد نبّهتُكَ، إلّا أنّكَ عنيد للغاية.
ـ ما دوركَ في هذه المسألة؟ هل أنتَ مُتواطئ؟
ـ وماذا تُريدُني أن أفعل؟ لدَيّ عائلة أنا الآخَر. دَعنا نُطابِق الأرقام ليُمرّ التدقيق بسلام، ولا ترفض مُساعدتي.
ـ لن أقبَل. إن أرادَ أصحاب الشركة نقض تقريري، فهناك المحاكم.”
كنتُ قد لفظتُ الكلمة التي لا يجدرُ بي قولها: “محاكم”، وبذلك أطلقتُ على نفسي وعائلتي الويلات.
فلدَى جهوزيّة تقريري، وقَبل تقديمه بيومَين، إعترَضَني رجُلان ليلًا وبدآ يضرباني بوحشيّة، ليتركاني مُغطّىً بالكسور. وقَبل رحيلهما، قال لي أحدَهما: “هذه ليست سوى البداية، عدِّل بتقريركَ!”.
وافَتني زوجتي إلى المشفى حيث قلتُ لها إنّ السبب للهجوم هو السرقة، فلَم أشأ إزعاجها. هي حاولَت إقناعي، وكذلك الأطبّاء، بالادّعاء على مجهول، لكنّني رفضتُ. فكنتُ أعرِفُ مَن هم الذين أرسَلوا هذَين “المجهولَين”، وبتُّ أعرِفُ أيضًا ما بإمكانهم فعله.
وبسبب حالتي الجسديّة، لَم أستطِع إكمال تقريري طبعًا، مِمّا أتاحَ لي الوقت بالتفكير في ما عليّ فعله. تفاجأتُ برمزي حين أتى لزيارتي في المشفى وعلى وجهه علامات الهمّ والحزن. حاوَلَ إقناعي بالتراجع، وفي تلك المرّة، لَم أرفض قطعيًّا، بل طلبتُ منه بعض الوقت للتفكير.
عدتُ إلى بيتي، ومرَّت أيّام عديدة حاوَلتُ خلالها التعافي قدر المُستطاع، حين عادَت زوجتي مِن عمَلها لترمي في وجهي ظرفًا أسمر وجدتُ بداخله صوَرًا لي مع امرأة لَم أرَها في حياتي. بدأت زوجتي تصرخُ في وجهي وتنعَتني بالخائن، بالرغم مِن إصراري على أنّني لا أعرفُ تلك المرأة ولا علاقة لي بها. وكان مِن الواضِح، على الأقل بالنسبة لي، أنّ تلك الصوَر قد تمّ التلاعب بها بواسطة الفوتوشوب. لكنّ زوجتي لَم تُصدِّقني:
ـ ومَن فعَلَ ذلك؟!؟ مَن ركَّبَ صوَرًا لكَ مع سيّدة ما؟ ولأيّ غرَض؟!؟ هل تحسِبُني غبيّة؟ منذ متّى تخونُني؟!؟ تكلَّم!!!
ـ ألّا تثقين بي؟
ـ بعد ما رأيتُه؟ بالطبع لا!
ـ حسنًا… سأقولُ لكِ الحقيقة، مع أنّني لَم أشأ إخافتكِ.
ـ إذًا أنتَ تعترِف بخيانتكَ لي!
ـ دعيني أتكلّم!”.
أخبرتُها القصّة مِن أوّلها، وهي بدأت بالبكاء وبتقبيلي. وبعد أن هدأَت، طلبَت منّي زوجتي أن أُغيّر تقريري، ليس فقط خوفًا عليّ أو عليها، بل على ابننا أيضًا، فمَن يدري إلى أيّ مدى قد يصل هؤلاء؟ كنتُ أعلَم أنّها على حقّ، لكن كان هناك صراع في داخلي بين الرغبة بالمحافظة على حياتي وحياة عائلتي، وبين رفض الانصياع للنصب والتزوير. يا إلهي، ماذا أفعَل؟ ساعدِني!
إتّضَحَ أنّ فترة نقاهتي كانت مُبارَكة، ليس فقط لأنّني استطعتُ التعافي مِن الهجوم، بل لأنّ المسألة حُلََّت بسبب زيارتي للطبيب للكشف عن كسوري. فحين كنتُ جالِسًا وزوجتي في قاعة انتظار العيادة، بدأتُ أتصفّح المجلّات الموضوعة بتصرّف الناس، وكَم تفاجأتُ حين رأيتُ صورة رمزي المُحاسِب على غلاف إحداها! قرأتُ العنوان بالأحرف العريضة الذي تقول: “السيّد م.، رجُل أعمال، وفاعِل خَير”. بحثتُ كالمجنون داخِل المجلّة لأقرأ المقال، واكتشفتُ أنّ الذي يدّعي أنّه مُحاسِب بسيط في شركة كبيرة هو بالفعل صاحبها! فاستنتجتُ أنّه أرادَ بذلك أن يُراقبَني عن كثب، وأن يُقنعَني بغضّ النظر وتعديل تقريري بإعطاء النصائح “الأخويّة” لي، مُدَّعيًا أنه رجُل مسكين لدَيه عائلة وعليه إطعامها والمحافظة عليها. عندها بالذات أخذتُ قراري.
فحين غادَرنا العيادة، بعثتُ بزوجتي وابني إلى إحدى خالاتها في البلدة، وهي في مكان بعيد كلّ البُعد لا يصِله إلّا مَن قصَدَه. ثمّ رحتُ إلى قسم الشرطة وقدّمتُ بلاغًا ضدّ الشركة و”المُحاسِب”، بالنصب والاحتيال، والاعتداء والتشهير. ولَم أنسَ طبعًا الاتّصال بمُحامٍ صديقي ليُرافقَني قانونيًّا. كنتُ جاهِزًا للمعركة ولكلّ تداعياتها!
إتّضَحَ أنّ كاميرات مُراقبة موضوعة في الحَي صوّرَت حادِثة الهجوم الذي تعرّضتُ له، وكذلك نوع ولوحة السيّارة التي ركِبَها الرجُلان، وذلك بفضل إنارة الحَي التي كانت كافية لالتقاط التفاصيل. تمَّ القبض على هذَين المُجرمَين، اللذَين اعترفا بسرعة بهويّة مَن استعانَ بهما: “المُحاسِب”!
واتّضَحَ انّ ذلك الرجُل، الذي هو رجُل أعمال معروف، هو تحت مجهَر العدالة منذ زمن، لكنّه بقيَ طليقًا لِعدَم وجود الاثباتات القاطِعة. إلّا أنّ تقريري الذي يُثبِت الاختلاس وتحويل الأموال، واستعانته بمَن اعتدى عليّ، كانا كافيَين لإلقائه في السجن.
للحقيقة، لَم أتردّد لِخوض تلك المعركة، لأنّني لَم أشأ أن أكون شريكًا في عمليّة نصب أو أن أقضي حياتي خائفًا، فكنتُ واثِقًا مِن أنّ “المُحاسِب” سيستعين بي وبِشركتي مُجدّدًا كلّما أرادَ تبرير حساباته.
وضعَت لي الشرطة حماية أمام بيتي، خلال عمليّة الاستجواب ولاحقًا في جلسات المحكمة، حيث أدلَيتُ بشهادتي وكذلك الرجُلان. لكن انضمَّ إلينا شهود آخَرون كانوا حتّى ذلك الحين خائفين مِن التكلّم. حُكِمَ على رجُل الأعمال بسنوات عديدة في السجن وعادَت إليّ عائلتي أخيرًا.
لا أخفي عنكم أنّني بقيتُ مهمومًا ويقِظًا لوقت طويل، خاصّة بعدما اتّصَلَ بي “المُحاسِب” مِن السجن ليُهدِّدَني:
ـ لَم أنتهِ منكَ!
ـ إسمَع… لا أنصحُكَ بالانتقام، فكما رأيتَ، هناك آخَرون بإمكانهم أن يشهدوا ضدّكَ. هل ستؤذينا جميعًا؟ وهل تُريد إطالة مدّة سجنكَ أم الخروج في الوقت المُحدَّد؟ كُن عاقِلًا ولا تُحمِّل أحَدًا ذنب أفعالكَ. لستُ سوى مُدقِّق حسابات نزيه، صدّقني، ولا أحمِلُ أيّ ضغينة شخصيّة تجاهكَ، بالرغم مِن الاعتداء عليّ ومُحاولة تدمير زواجي باتّهامي بالخيانة. على كلّ الأحوال، إن حصَلَ أيّ مكروه لي أو لعائلتي، ستشكُّ الشرطة أوّلًا بكَ. فلو كنتُ مكانكَ، لتمنَّيتُ ألّا يحصل لي أيّ شيء، بل أن أبقى مُتعافٍ وأعيشَ طويلًا!”.
ولِحسن حظّي، تركَني ذلك النصاب وشأني. لكن هناك سؤال يُراودُني دائمًا، هل فعلتُ الصواب بالاشتكاء عليه، أو أنّني عرَّضتُ عائلتي ونفسي للخطر؟

أضف تعليق