(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
بقيتُ على صِلة بأمّ خطيبي السابِق بعد أن خانَني وتركَني، ومِن ثمّ راحَ يتزوّج مِن تلك الفتاة. فالحقيقة أنّ أمّ فريد كانت سيّدة عاقِلة ومُحِبّة، وقد استاءَت جدًّا مِن ابنها الذي فضَّلَ غيري عليّ، فطلبَت منّي ألّا أُحمِّلها ذنب أفعال فريد، بل اعتبارها بمثابة أمّي. فالواقع أنّ والدتي الحبيبة توفّيَت قَبل سنوات، ورأيتُ آنذاك في حماتي المُستقبليّة أمًّا بديلة، وهي رأت فيّ الابنة التي اشتاقَت لوجودها بعدما سافرَت ابنتها الأصليّة إلى أستراليا وعاشَت هناك مع عائلتها.
وهكذا صِرتُ أزورُ أمّ فريد أسبوعيًّا، لكن دائمًا بعدما أتأكّد مِن أنّ ابنها لن يكون موجودًا هناك، فآخِر ما كنتُ أُريدُه هو رؤيته لوحده أو مع زوجته الجديدة. فلقد أحبَبتُ ذلك الرجُل مِن كلّ قلبي، وأقَمتُ معه المشاريع وبنَيتُ الأحلام التي تبخّرَت في لحظة. ونتيجة لذلك، قرّرتُ نسيان الرجال والحبّ والغرام، والتركيز على عمَلي وأهلي وأصدقائي، إلى حين أتخطّى تلك المرحلة الصعبة.
وحين كنّا نجتمِع، كانت أمّ فريد تروي لي القصص الظريفة، لتُضحكِني وتُنسيني أنّها أمّ الرجُل الذي حطََّمَ قلبي. كنّا نشرب القهوة سويًّا ونأكل الحلوى، وأُغادِر بعد حوالي الساعة والبسمة على وجهي… إلى حين أصِل إلى سيّارتي فتمتلئ عينايَ بالدموع.
لكن في إحدى المرّات، دقَّيتُ باب أمّ فريد وهي فتحَت لي وعلامات الانزعاج على وجهها. سألتُها مِمّا تشكو وهي أجابَتني: “لا أشعرُ أنّني قادِرة على التحدّث اليوم، فمِن الواضِح أنّني مريضة… عودي في مرّة أخرى!”. إستغرَبتُ لهجتها، فهي لطالما كانت لطيفة معي، لكنّني قرّرتُ عدَم الاصرار. وقَبل أن أديرَ ظهري لها وأعودُ أدراجي، سمِعتُ صوت امرأة مِن الداخل يقول: “دعيها تدخل! مِمّا أنتِ خائفة يا حماتي؟ أريدُ فقط التعرّف عليها!”. فهِمتُ طبعًا أنّ ذلك الصوت هو لزوجة فريد، وآخِر شيء كنتُ أُريدُه هو رؤيتها، إلّا أنّها قدِمَت بسرعة إلى الباب وأمسكَتني مِن ذراعي وشدَّتني إلى وسط الصالون. وقفتُ مكاني مذعورة، إلّا أنّ المرأة التي اسمها نوال ضحِكَت عاليًا وقالَت:
ـ ما بكِ؟ لن آكلكِ، لا تخافي! هيّا إجلسي على الأريكة!”.
نظرتُ إلى حماتها فوجدتُها مُربكة إلى أقصى درجة، فامتنَعتُ عن إحداث المشاكل وامتثَلتُ لِرغبة نوال. جلَستُ بصمت بينما حاولَت أمّ فريد تبرير وجود كنّتها: “جاءَت نوال لزيارتي بصورة مُفاجئة، وهي وصلَت قبلكِ بدقائق معدودة”. هزَزتُ برأسي وأخذتُ نفَسًا عميقًا لتحمّل الجلوس مع التي فضَّلَها عليّ خطيبي. بقيَت نوال تنظرُ إليّ بتحدٍّ إلى حين قلتُ لها، فقط لأنّها كانت على ما يبدو تستمتِع برؤيتي مُربَكة:
ـ الموقِف مُحرِج للغاية… لكِ بالطبع… ففريد تركَني مِن أجلكِ، ما يعني أنّه كان يخونُني معكِ قَبل انفصاله عنّي.
ـ إلى ما ترمين؟
ـ هل كنتِ على عِلم بأنّه مخطوب؟
ـ لماذا هذا السؤال؟
ـ أُريدُ معرفة أيّ صنف مِن النساء أنتِ… إذ قبِلتِ مواعدة رجُل مخطوب.
ـ أنا لا أسمَح لكِ!
ـ جوابكِ يعني أنّكِ كنتِ تعلمين بوجودي، وإلّا لأجَبتِ بالنفي القاطِع.
ـ أنا زوجته الآن.
ـ زوجة خائن. هنيئًا لكِ به!
ـ هو خانكِ معي لأنّني أجمَل منكِ!
ـ الجمال أمرٌ نسبيّ، فالعديد يراني جميلة. فريد رآني جميلة في البدء.
ـ لماذا تُكلّميني هكذا؟
ـ لأنّكِ جئتِ إلى بيت هذه السيّدة الطيّبة، عالِمة تمام العِلم أنّني آتية. وقد أصرَّيتُ على أن أدخُل، بل سحَبتِني مِن ذراعي في حين كنتُ رافِضة التواجد معكِ. موقفكِ هذا قد يوحي بأنّكِ الضحيّة وتريدين تسوية حسابات معي، وأنا أُثبتُ لكِ الآن أنّ الوضع مُعاكِس. عليكِ أنتِ أن تتفاديني وأن تهربي منّي، أو على الأقلّ أن تشعري بالذنب لأنّكِ أخذتِ رجُلًا مِن امرأة أخرى، لكنّني أرى أنّكِ إنسانة وقِحة، تمامًا كالذي تزوّجتِه. لكن احترسي… الذي يخونُ مرّة، يخونُ مُجدّدًا… أو هكذا يقولون. سنرى على كلّ حال إن كانت هذه المقولة صحيحة أم لا.
ـ ماذا تُحاولين فعله؟ زَرع الشكّ في رأسي؟ لن تنجَحي بذلك، ففريد مُغرَم بي لأقصى درجة. ومُكافأةً لتفانيه لي، سأُعطيه ولَدًا!
ـ ما أغباكِ… إنتظري سنة على الأقلّ، وإن اتّضَحَ أنّ فريد لن يخونكِ أنتِ الأخرى، فأنجبي.
ـ لن أسمَع منكِ، فأنتِ تغارين مِن سعادتنا. سأنجِبُ له دزّينة أولاد!
ـ غبيّة.”
نظرتُ إلى أمّ فريد ورأيتُها تبتسِم، فهي كانت موافِقة على كلّ الذي قلتُه. إضافةً إلى ذلك، شعرتُ أنّها افتخرَت بي لِموقفي الشجاع تجاه تلك المعدومة الأخلاق. خرجَت نوال مُستاءة، وشرِبتُ القهوة مع صاحبة البيت وتكلّمنا في أمور مُختلِفة.
في المساء، جاءَني اتّصال مِن فريد. لَم أفهَم الكثير لأنّه كان يصرخ بي، لكن فهِمتُ أنّ نوال أخبرَته عن لقائنا وحديثنا. وبعدما انتهى مِن الصراخ، أجبتُه:” إذهب إلى الجحيم، أنتَ ونوال!”، ثمّ أقفَلتُ الخط. لَم أنسَ حَظره على هاتفي وفي أيّ مكان آخَر.
أنجبَت نوال طفلها الأوّل كما خطّطَت له، وابتسمَتُ لدى معرفتي بالأمر. كنتُ أعلَم أنّ فريد لن يبقى وفيًّا لها لأنّه خانَني مِن دون سبب، فكنّا مخطوبَين وسعيدَين ومُتحابَّين ونخطِّط لمُستقبلنا سويًّا. صحيح أنّ نوال كانت أجمَل منّي، لكن سيبقى دائمًا هناك أناس أجمَل وأجمَل. وكانت هناك نساء أيضًا أجمَل مِن نوال… كما لاحَظَ فريد حتمًا. فالحصول على امرأة جميلة كان يعني له الكثير، لأنّ الأمر يُشعِره بأنّه قويّ وجذّاب، ورجُل حقيقيّ يستحقّ الأفضل… في حين هو انسان عاديّ جدًّا مِن كلّ النواحي.
لكنّني لَم أتوقّع أبدًا أن ينوي فريد العودة إليّ! وأظنّ أنّ رغبته بي مصدرها فقط إعادة سيطرته على حياتي ومشاعري، بعدما سئِمَ مِن نوال ومِن الشعور بالفخر الذي استمدَّه مِن الحصول عليها. تصرُّف نرجسيّ بَحت، ومِن حسن حظّي أنّني انسانة مُثقّفة وأقرأ كثيرًا عن أمور عديدة، وأشاهِد الفيديوهات التي تتكلّم عن تلك الأمور. فلقد اشترى فريد رقم هاتِف جانبيّ، وبدأ يُراسلُني منه لأنّه كان محظورًا على خطّه الأصليّ. وبدأَت عمليّة الغزَل والتبجيل، والاعتذار، وتبرير ما فعلَه بي. فهو شتَمَ زوجته بكلّ الطرق الموجودة مُلقيًا المسؤوليّة عليها، وأقسَمَ لي أنّه سيتركها مِن أجلي، حتّى بعدما علِمَ أنّها حامِل مِن جديد.
والسبب الوحيد الذي منعَني مِن حَظره مُجدّدًا، هو جَمع الأدلّة ضدّه لأريها لأمّه… ولنوال. أجل، أعترفُ أنّني استمتَعتُ بفكرة التسبّب لتلك المرأة بالوجَع نفسه الذي شعرتُ به في وقت سابِق. أظنُّ أنّها ردّة فعل طبيعيّة بعدما تبخّرَت أحلامي، وواجهتُ نظرات وكلام الناس حين تركَني فريد وتزوّجَ مِن أخرى. كنتُ أحلَم بالانتقام، وها قد قدَّمَ لي فريد فرصة لَم أتوقّعها… وعلى طبق مِن فضّة!
أطلَعتُ أمّ فريد على نوايايَ، لكنّها سكتَت مُطوّلًا قَبل أن تقول:
ـ قولي لي… كيف قضَيتِ حياتكِ مذ تركَكِ ابني؟
ـ لستُ أفهَم.
ـ تذهبين إلى عمَلكِ وتزورين أقاربكِ… وتزوريني أنا، الجزء الحَي مِن تجربتكِ المريرة، وكأنّكِ لا تُريدين التخلّي عن تلك المرحلة. لا تُسيئي فهمي، فأنا أُحبُّكِ كثيرًا وأفرَح بزياراتكِ، ولكنّ الأمر ليس سليمًا. فقد جاءَتكِ رسائل فريد وبذلك فرصة للانتقام، وأعلَم مِن طريقة كلامكِ أنّكِ تستمتعين بالأمر. ألا تظنّين أنّ الوقت حانَ لتهتمّي بحياتكِ العاطفيّة وتضَعي وراءكِ ما جرى؟ الوقت يمرُّ بسرعة، فها أنا صِرتُ عجوزًا بِلمحة بصَر.
ـ هذا مِن حقيّ! فأنا الضحيّة!
ـ كنتِ الضحيّة آنذاك، أوافقُكِ الرأي. لكنّكِ تستمتعين بهذا اللقَب وتحملينَه بفخر. أنتِ لَم تعودي ضحيّة حالَما تركَكِ ابني، فكانت أمامكِ فرصة لبناء نفسكِ مِن جديد يومًا بعد يوم. ولو فعلتِ ذلك، لكنتِ اليوم أبعَد ما يُمكِن عن الانتقام.
ـ ألَم تسمَعي كيف كلّمَتني نوال؟!؟
ـ وأنتِ أجبتِها كما يجِب. لماذا تُريدين أذيّتها؟
ـ لأنّها أذَتني!
ـ يعني أنّكِ لستِ أفضل منها.
ـ بلى!
ـ كيف، وأنتِ تنوين تدمير زواجها كما هي فعلَت معكِ؟
ـ فريد هو مَن يُدمِّر زواجه!
ـ أتركيه يفعل ما يشاء بزواجه، فهذا ليس مِن شأنكِ.
ـ بل هو يريدُني ويُكلّمني، فهذا صارَ مِن شأني!
ـ إحظريه، كلّ ما يلزم هو كبسة زرّ ويختفي مِن حياتكِ. فكّري بما قلتُه لكِ الآن، فأنتِ أفضل مِن فريد ونوال. لا تصيري مثلهما.”
اليوم أنا مُتزوِّجة وأمّ، والفضل يعود إلى أمّ فريد. فلولاها، لبقيتُ سجينة الغضب والرغبة بالانتقام. كلامها في ذلك اليوم أثَّرَ بي كثيرًا، فحظرتُ فريد ومسَحتُ رسائله، وبدأتُ أعتاد على فكرة نسيان ما فعلَه بي، واقتنعَتُ بضرورة تخطّي الماضي وخَلع ثوب الضحيّة.
لم أعُد أزورُ أمّ فريد سوى في الأعياد، وبصبة زوجي وابنتي، وكما توقّعتُ، طلََّقَ فريد نوال وتزوّجَ مِن جديد… حين وجَدَ أجمَل منها!
