“عناد غير مُجدٍ”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

قطَعتُ علاقتي بعائلتي، وخاصّة بأبي لأنّه عارَضَ زواجي مِن باسِم بذريعة أنّ ذلك الشاب ليس مُناسِبًا لي. لماذا تسألون؟ لأنّه ليس مُتعلِّمًا مثلي وابن عائلة معروفة مثلنا. لكنّ باسم كان انسانًا طموحًا ويعمَل بِكَدّ وجِدّ، ويُحبُّني كثيرًا. فما ذنبه إن هو لَم ينَل مِثل شهادة الدكتوراه التي زيّنَت حائط صالوننا؟ فلقد ماتَ أبوه وهو صغير، واضطرَّ للعمَل باكِرًا ليُساعِد أمّه على تربية وتعليم اخوَته. في الواقِع، كنتُ فخورة به لأنّه ضحّى بكلّ شيء مِن أجل أهله، وكنتُ واثِقة مِن أنّه سيكون زوجًا عظيمًا لي.
بعد تلك المشاكل الكبيرة التي ولَّدَها رفض أبي لِباسِم، قرّرتُ السفَر بعيدًا عن هؤلاء الذين حطّموا قلبي، فذهبتُ إلى أوروبا حيث تسكنُ خالتي وعائلتها، وأدَرتُ ظهري كلّيًّا لأهلي وبلَدي. كنتُ بحاجة إلى بداية جديدة تُمكِّنُني مِن نسيان خذلاني. كنتُ قادِرة على الزواج مِن باسِم بالرغم مِن موقِف أبي، لكنّني كنتُ أخاف مِن نظرة أهل حبيبي لي، أي أن أكون في نظرهم الكنّة التي تحدَّت أهلها والتي تزوّجَت مِن دون عائلتها، فيستفرِدون بي. مِن جهّة أخرى، بقيتُ آملُ بأن يُغيّر أبي رأيه في آخِر لحظة. لكن تلك اللحظة لَم تأتِ، فرحَلتُ.
في فرنسا، وجدتُ عمَلًا بسرعة بفضل شهادتي وشطارتي. وبعد أقلّ مِن سنة، ترَكتُ بيت خالتي وأخذتُ شقّة صغيرة زيّنتُها بِذوق. لَم أكن أخافُ مِن العَيش لوحدي، فلطالما كنتُ قويّة وجريئة. أبقَيتُ صِلة ضعيفة مع أختي، لكن ليس مع أبوَيَّ اللذَين حمّلتُهما ذنب تدمير حياتي بأكملها. أمّا بالنسبة لِباسِم، ففضّلتُ أن أنساه، وطلبتُ منه عدَم الاتّصال بي على الاطلاق، وهو قَبِلَ على مضض، إلّا أنّه وعدَني بأنّه لن ينسَاني أبدًا. بكيتُ كثيرًا، وهو كذلك، ثمّ انتهَت علاقتنا تمامًا.
مرَّت حوالي الخمس سنوات حين وصلَني خبَر موت والِدي بحادِث سَير. حزِنتُ طبعًا لكن ليس لِدرجة السفَر إلى البلَد لِحضور الدفن، فكنتُ لا أزال حاقِدة عليه لأنّه اتّهَمَ باسِم بأنّه يسعى وراء جاهي ومالي ولَم يرَ قلبه الكبير وحبّه لعائلته ولي.
وبعد موت أبي بأيّام معدودة، خابَرتُ باسم قائلة: “هيّا، رتِّب أوراقكَ وتعال إلى فرنسا لِزيارتي!”.
وفي غضون أسابيع، كان باسم عندي في البيت وكنتُ أسعَد النساء! وأوّل شيء قلتُه له كان: “الآن وقد ماتَ والِدي، لَم يعُد هناك مَن يُفرِّق بيننا… فسأُقنِع والدتي بسهولة، لأنّها لطالما كانت تحت سيطرته. سأذهب إلى البلَد ونتزوّج هناك ومِن ثمّ أصطحِبُكَ إلى هنا لِنعيشَ سعيدَين إلى الأبد!”.
وهذا ما فعلتُه بعدما نِلتُ الجنسيّة الفرنسيّة، وتمكّنتُ مِن الحصول على إقامة لِزوجي باسِم وعلى عمَل بسيط يُمكّنُه مِن الشعور بأنّه يُشاركُني مصروف البيت، ولو جزئيًّا. فلَم أكن أُمانِع أبدًا أن أجنيَ أكثر مِن زوجي بكثير، فكانت لدَيّ شهادة على عكسه لأنّني كنتُ محظوظة أكثر منه.
أرجأتُ موضوع الانجاب قليلًا، لأنّني كنتُ مشغولة ببناء مسيرتي المهنيّة ولا أستطيع إيقافها بسبب الحَمل أو حتّى الاهتمام بِطفل. لكنّنا كنّا سعيدَين مع بعضنا.
إلّا أنّ امتعاضي مِن الذي فعلَه أبي بي بقيَ يسكُنُني، إذ أنّني أضَعتُ سنوات عديدة مِن حياتي بسببه، واضطرِرتُ لِتَرك بلَدي وناسي ورائي، وخوض تجربة جديدة في الغربة. وذلك الامتعاض كان قد أثّرَ على نفسيّتي، إذ أنّني صِرتُ قاسية وجافّة مع كلّ الناس، ما عدا حبيبي الذي كان يعرفُ كيف يبثُّ الراحة والطمأنينة في قلبي… إلى حين اكتشفتُ أنّه على علاقة، ولو عن بُعد، بامرأة أخرى!
في البدء لَم أنتبِه إلى شيء، لكثرة انشغالي بِعمَلي، لكنّ هاتفه بقيَ يرنُّ في أوقات مُختلِفة، ويحمِله بعيدًا عنّي ليقرأ رسائله أو يردّ على الاتّصالات. فهِمتُ ما يجري، فلَم أكن يومًا غبيّة، وكنتُ بحاجة لمعرفة لماذا يتواصَل مع غيري. كان بإمكاني سؤاله، لكنّه كان سيكذب عليّ. لذلك، إتّصلتُ بتلك المرأة مِن هاتف زوجي يوم هو كان مشغولًا مع أحَد جيراننا بمُشاهدة مباراة كرة القدم:
ـ أنا زوجة باسم… مَن تكوني؟؟؟
ـ أنا…
ـ لماذا تتّصلين بزوجي ليلًا نهارًا؟ تكلّمي! أرى مِن رقمكِ أنّكِ تعيشين في البلَد وليس في فرنسا.
ـ أين باسِم؟
ـ هنا، بالقرب منّي، فهو الذي أعطاني رقمكِ.
ـ أنا لا أُصدّقُكِ!
ـ وكيف لي إذًا بالتكلّم عبر هاتفه الخاص؟ قال لي زوجي إنّكِ علاقة عابِرة.
ـ علاقة عابِرة؟!؟ هو قالَ ذلك؟ مُستحيل! فأنا أيضًا زوجته!”.
لدى سماعي ذلك، شعرتُ بنار تجتاحُ جسَدي، فصرختُ بها:
ـ زوجته؟؟؟ وتعلمين بي؟ منذ متى تزوّجتما؟
ـ منذ أربع سنوات.
ـ أي قَبل زواجي به! كيف أقنعَكِ بقبول هذا الوضع؟!؟ هل أنتِ حمقاء؟!؟
ـ أنتِ الحمقاء… هو يُرسِلُ لي ولابننا المال، مالكِ… وعندما يحصل على الجنسيّة بفضلكِ ويُطلِّقُكِ، سيأخذُنا إليه!
ـ كاذِبة! كاذِبة! باسِم يُحبُّني أنا، ولقد أحبَّني منذ البداية!
ـ أعرِف باسِم مذ ما كنتُ في الثالثة مِن عمري، فنحن جيران وأنا موعودة له منذ صِرتُ مراهِقة. مال أبيكِ ونسَبه غرَّه وكنتُ على عِلم بعلاقتكما، فأنا صبورة جدًّا. وعندما سافَرتِ وفقَدَ باسِم الأمَل، تزوّجنا وصارَ لنا ابن. لكن حين طلَبتِ منه موافاتكِ إلى فرنسا، علِمنا أنّنا قد ننجَح في ما خطّطنا له، أيّ مُستقبل أفضل، فأنتِ تعلَمين أنّ زوجي غير مُتعلِّم ونعيشُ في بلَد ذي حالة اقتصادية صعبة.
ـ مِن الجيّد أنّكِ أخبرتِني كلّ ذلك، فسأُعيده لكِ… وهنيئًا لكِ به! سيعودُ باسم كما وصَلَ إليّ، فقيرًا ومِن دون جنسيّة أجنبيّة. لقد تقاسمتِه معي بلا نتيجة!
ـ لا يهمُّني الأمر، ففي آخِر المطاف، أنا أحبُّه وهو يُحبُّني! أمّا أنتِ فلقد خسِرتِ كلّ شيء: أباكِ، وأهلكِ، والبلَد، والحبّ، والبنين!”.
جمُلتُها الأخيرة أثَّرَت بي كثيرًا، فقطعتُ الخطّ بسرعة لأذهب إلى الصالون حيث كان باسم وجارنا، وطلَبتُ مِن هذا الأخير المغادرة على الفور. وعندما أصبحنا لوحدنا، قلتُ لزوجي:
ـ ستحزم حقيبتكَ الآن، وإيّاكَ أن تأخذ سوى الذي جئتَ به، أيّ بعض الملابس الرخيصة وحذائَين. فلقد علِمتُ الحقيقة مِن فَم زوجتكَ وأمّ ولَدكَ في البلَد. لا تُجادِلني! هيّا!”.
غادَرَ باسِم بعد أقّل مِن ساعة، لكنّني لَم أكتفِ بذلك، بل رحتُ أشتكي عليه عند الشرطة، زاعِمة أنّه يُعنّفُني وأنّه سرَقَني… وغادَرَ. ثمّ أقَمتُ دعوى طلاق سريعة، وتأكّدتُ مِن أنّه سيكون مُلاحَقًّا إن هو حاوَلَ دخول فرنسا. ولقد أطلعتُه برسالة على ما فعلتُه ونبّهتُه مِن العودة.
كان أبي على حقّ… فهو فهِمَ منذ الأوّل أيّ صنف مِن الرجال كان باسِم. لكنّني حسِبتُ نفسي أذكى وأشطَر مِن رجُل ناضِج وذي خبرة كبيرة بالحياة والناس، ولا يُريدُ سوى الأفضل لي.
لَم أخبِر أحَدًا بمسألة طلاقي لكثرة خوفي مِن الشماتة، لكنّهم علِموا كلّهم بالذي حصَلَ لي لأنّ باسِم أذاعَ الخبَر بسرعة. لِذا فضَّلتُ البقاء في فرنسا لأُتابِع حياتي لوحدي.
كان قلبي مليئًا بالكره والخذلان والذنب، فسجَنتُ نفسي في بيتي بعدما حوّلتُ عمَلي إلى البيت كَي لا أرى أيًّا كان. فكيف أثِق بالناس بعد الذي حصَلَ لي، وبعدما تبيّنَ أنّني لا أُحسِن الحكم على الناس؟  كيف أُفكِّر بالحبّ مُجدّدًا أو بِبناء عائلة؟ حتّى مسألة الصداقة باتَت مُستحيلة بالنسبة لي.
بقيتُ أعيشُ مُنعزِلة هكذا لِمدّة سنتَين، إلى حين دقَّت بابي خالتي وابنتها، بعدما قاطَعتُها وعائلتها ورفضتُ رؤيتها خوفًا مِن موقفها مِن الذي حصَلَ لي. إضطرِرتُ لِفَتح الباب لها ولابنتها، فجلَسنا سويًّا بِصمت قَبل أن تبدأ خالتي بالكلام عن أمور لا علاقة لها بِباسِم، فارتحتُ كثيرًا. قضَيتُ وقتًا مُمتِعًا خاصّة مع ابنة خالتي التي توصّلَت على حَملي على الضحك. الضحك… شيءٌ أصبَح غريبًا بالنسبة لي. ثمّ زارَتني ابنة خالتي مُجدّدًا، حاملةً معها قالِب حلوى حضَّرته بنفسها، وكذلك كلّ اسبوع، إلى حين صِرنا نخرج سويًّا إلى المقاهي والسينما.
وبعد حوالي السنة على هذا النحو، وأثناء خروجي مع ابنة خالتي، إنضمَّ إلينا شاب وسيم اسمه كريم، والذي كان قريبها مِن جهّة أبيها. قضَينا وقتًا بالفعل مُسليًّا، وحين هو غادَر، سألَتني ابنة خالتي عن رأيي به، فابتسَمتُ قائلة:
ـ هو لَم يأتِ صدفةً، أليس كذلك؟
ـ للحقيقة لا… أرَيتُه صورتكِ وكلّمتُه كثيرًا عنكِ، فأرادَ رؤيتكِ. إنّه طبيب ومِن عائلة مُحترَمة وتقيّة. إسمعي… ليس الكلّ مثل باسِم، فهناك رجال طيّبون، كَكريم، صدّقيني. ولو لَم أكن مُتأكِّدة منه، لمَا سمَحتُ له بالمجيء. خذي وقتكِ، فلا عجلة بالأمر.
ـ حسنًا، لكن عليّ أخذ موافقة أمّي أوّلًا.
ـ هي موافقة!
ـ ماذا؟ هي على عِلم بِكريم؟
ـ الكلّ على عِلم بِكريم!”.
ضحِكنا سويًّا وعانقتُها بقوّة، وشعرتُ بدفء العائلة الذي اشتَقتُ له كثيرًا. فالحياة مِن دون ذوينا موحِشة جدًّا مهما بلَغنا مِن عِلم وجاه.

أضف تعليق