(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
كان مُديري في غاية الوضوح معي عندما قالَ لي:
ـ إن اشتكَيتِ على زبوننا، ستجدين نفسكِ مِن دون وظيفة.
ـ لكنّه انقضَّ عليّ حين قصدتُه لِعرض منتوجنا الجديد له! ولولا العناية الإلهيّة، لكان…
ـ لكنّه لَم يفعَل! وها أنتِ واقِفة أمامي وبألف خَير! تعلَمين كيف هم الرجال… وأنتِ صبيّة جميلة وجذّابة.
ـ لا! ليس كلّ الرجال مثله! بل فقط معدومو الأخلاق منهم! وهل شكلي الخارجيّ هو السبب؟ هل أنا المسؤولة عن الذي جرى؟
ـ إضبطي أعصابكِ، أرجوكِ. فالمسألة لا تستحِقّ هذا الانفعال.
ـ ماذا لو حدَثَ ذلك لزوجتكَ وابنتكَ؟ قُل لي!
ـ زوجتي وابنتي لا تذهبان للرجال في شركاتهم.
ـ لأنّهما ليستا بحاجة إلى العمَل! وهل كان بإمكاني رفض الذهاب إلى عميلنا؟
ـ بالطبع لا، فهذه واجباتكِ.
ـ ما ذنبي إذًا؟؟؟
ـ لا ذنب لكِ… لكن لا أُريدُكِ أن تشتكي عليه، وحسب. هيّا، إمسَحي دموعكِ وعودي إلى عملكِ.
ـ لا أُريدُ الخروج مِن الشركة بعد اليوم للقاء الزبائن، بل العمَل في المكتب.
ـ بل ستذهبين حين يتطلََّب الأمر وإلّا…
ـ ستطردني.
ـ أجل.
ـ وأنتَ تعلَم تمام العِلم أنّني بحاجة إلى هذا العمَل لأدفَع تكاليف علاج والدتي. يا للأخلاق العالية!
ـ إنتبهي لكلامكِ!”.
خرجتُ مِن مكتب ذلك الرجُل البغيض وأنا أغلي مِن الغضب.
لَم أخبِر طبعًا والدتي بالذي حصَلَ معي مع الزبون أو مع مُديري، فصحّتها كانت دقيقة ولَم أرَ لزوم لإزعالها، لكنّ طبعي الحادّ في البيت آثارَ قلَقها، فطمأنتُها وفعلتُ جهدي لأكون مرِحة ولطيفة.
إلّا أنّ ذلك الزبون القذِر استمتَعَ بالتحرّش بي وبرّدة فعلي، فطلبَني شخصيًّا مِن مُديري وإلّا لن يقبَل التوقيع على العقد. وهكذا، أمرَني مُديري بالعودة إليه مع العقد. عندها، بدأتُ أصرخُ به بأعلى صوتي، وركضتُ أُقدِّم استقالتي.
عدتُ إلى البيت مهزومة، وبعدما هدأتُ، إستوعبتُ أنّني صِرتُ بلا عمَل، أي بدون مدخول على الاطلاق. فالجدير بالذكر أنّنا كنّا سنعيش فقط مِن التعويض البسيط الذي تتقاضاه أمّي مِن راتِب المرحوم أبي، الذي لا يكفي حتّى لنأكل ونشرب وندفع فواتير البيت، ناهيكَ عن ثمَن الأدوية والتحاليل لوالدتي. كتَمتُ أمر استقالتي عن تلك المسكينة التي ضحَّت بالكثير مِن أجلي، وبدأتُ على الفور بالتفتيش عن عمَل آخَر، أيّ كان.
في تلك الأثناء، بعَثَ مُديري السابِق صبيّة أخرى إلى ذلك الزبون، وإسمها رنا، على أمَل أن يُرضيه بعدما استقَلتُ، وفعَلَ ذلك الأخير ما فعلَه معي، وهي الأخرى هربَت منه وعادَت إلى الشركة شاكية. وكما في المرّة السابِقة، هدّدها المُدير، فاستقالَت أيضًا.
علِمتُ بما حصَل حين اتّصلَت بي رنا وأخبرَتني ما جرى، فتبادَلنا التفاصيل ووجَدنا أنّ حالتَينا مُتشابهتان تمامًا، فقرَّرنا إقامة شكوى ضدّ المُدير والزبون. لكن مِن أين سنجِد المال لذلك عندما صِرنا بلا مدخول؟
عندها خطرَت ببال زميلتي فكرة عبقرية: لِما لا نطرق باب الشركة المُنافِسة، فكانت لدَينا معرِفة عميقة بكيفيّة العمَل ونعرفُ جميع الزبائن الذين تربطُ بيننا ثقة كبيرة. إبتسمَتُ لدى سماع ذلك، ووافَقتُ على الفور. وكما توقّعنا، تمَّ استقبالنا في الشركة المُنافِسة بالترحاب، فوقّعنا عقد العمَل وبدأنا خطّة الانتقام.
تقاسَمتُ ورنا ملفّات الزبائن القدامى، وبدأنا نتصِّل بهم الواحِد تلوَ الآخَر، لإقناعهم بالتعامل معنا بدلًا مِن الآخرين، وقدَّمنا لهم عروضًا مُغرية وجودة فائقة بالتنفيذ. فالواقِع أنّنا كنّا موظّفتَين جديرتَين ونعمَل بأمانة تامّة.
وهكذا، بدأ الزبائن يتركون الشركة القديمة ويتعاملون معنا، فحصَلنا على زيادة في الراتِب، الأمر الذي أتاحَ لي فرصة لشراء سيّارة بالتقسيط. لكنّنا حزِنّا مِن أجل زملائنا السابقين الذين كانوا سيجدون أنفسهم بلا عمَل قريبًا، فاتّصلنا بهم كلّهم لِندعوهم للانضمام إلينا، بعدما تشاوَرنا مع الشركة الجديدة وقبِلوا أن يزيدوا مِن عدَد الموظّفين بعدما زادَ عدَد الزبائن. علِمَ مُديري السابِق بالأمر، فهناك مَن أخبرَه عن عرضنا لِموظّفيه، فاتّصَلَ بي ذات يوم:
ـ ما تفعلينَه أنتِ ورنا هو مُنافٍ للقانون والأخلاق!
ـ أنتَ بالذات تتكلّم عن القانون وخاصّة الأخلاق؟!؟ أنتَ تبيع موظّفاتكَ للزبائن، يا مُحترَم! إسمَع، لا تتّصل بي مُجدّدًا وإلّا اشتكَيتُ عليكَ لدى الشرطة!
ـ لا… لا… لقد فهمتِني خطأً… إتّصلتُ بكِ لأُقدِّم لكِ عرضًا مُغريًّا… أُريدُكِ أن تعودي ورنا إلى الشركة مُقابِل ترقية وزيادة في الراتِب… أعِدُكما بأنّني سأتخلّى عن ذلك الزبون إن قبِلتُما.
ـ أنتَ تحلَم حتمًا!”.
وأقفَلتُ الخطّ بوجهه وحظَرتُه على هاتفي. لكنّ ذلك الرجُل لَم يكن مُستعِدًّا للتراجع. فهو بثَّ إشاعة ضدّي ورنا مفادُها أنّنا طُرِدنا مِن شركته لأنّنا سرَقناه وكنّا نأخذ عمولة مِن الزبائن. وصَلَ الخبَر إلى الشركة الجديدة، فبدأ الشكّ يُراودُهم تجاهنا، خاصّة أنّني ورنا “سرَقنا” زبائن الشركة القديمة وجلَبناهم إليهم. وهكذا، بدأوا يُدقِّقون بملفّاتنا ويتّصلون مُباشرةً بالزبائن لِسؤالهم عن مُعاملتنا لهم وأشياءً مِن هذا القبيل. هم صدّقوا تلك الإشاعات لأنّها لَم تأتِ مُباشرة مِن مُديري السابِق، بل مِن معارِف لهم سمِعوا بها وتناقَلوها. ضاقَ الخناق حولي ورنا، وفهِمنا أنّ أيّامنا معدودة في تلك الشركة بالرغم مِن جهودنا وعمَلنا الدؤوب لِتقديم أفضل العقود والمُعاملة. فالواقِع أنّنا كنّا بالفعل مُحترفتَين في عمَلنا ونُحبُّه كثيرًا، فكَم كان خذلاننا كبيرًا! فهِمنا طبعًا أنّنا لن نبقى في تلك الشركة مُطوَّلًا، لِذا بدأنا نُخطِّط للمُستقبل، فإلى جانِب مصاريفي العائليّة الكبيرة، باتَ لدَيّ تسديد ثمَن سيّارتي الجديدة.
ذهبتُ ورنا إلى الدوائر التجاريّة، وقدَّمنا طلَبًا لِتأسيس شركة تجاريّة خاصّة بنا. لَم يكن المبلغ كبيرًا، واستطَعنا تأمينه بفضل قَرض مِن شقيق رنا الذي أرادَ تشجيعنا على الاستقلاليّة. درَسنا طرُقًا عديدة لِجعَل شركتنا الجديدة مُغرية للزبائن القدامى والجدُد… وانطلقَنا!
ويوم قدَّمنا إستقالتنا مِن الشركة، قلتُ لِمديرها: “بسبب إشاعة لا أصل لها نسيتَ كيف ازدهرَت شركتكَ بِفضلنا. أنتَ لَم ترَ جهودنا، فقد عمِلنا ليلًا نهارًا مِن أجلكَ. أعلَم أنّكَ لَم تطمئنّ لِقدومنا إليكَ مع زبائن أخذناها مِن الشركة السابِقة، لكنّكَ لَم تسألنا لماذا إستقَلنا مِن هناك. إعلَم أنّ ذلك المُدير كان يُرسِلنا إلى زبون حاوَل التحرّش بنا وهدَّدَنا بِطردنا لو لَم نقُم بما لا يقبَله أحَد. أرادَنا بَيع جسدَينا مُقابِل توقيع. ها أنتَ تعلَم الحقيقة، لكنّ الأوان قد فاتَ، للأسف.”
لزِمَنا وقت لا بأس به لنُطلِق شركتنا، وكانت الأيّام صعبة علينا، لكنّنا اجتَزنا الصعوبات بِفضل صبرنا وإيماننا بأنّنا على قَدر المهام. فكانت لدَينا الخبرة اللازمة وكذلك المعارِف التي ستُسهِّل علينا المُعاملات والاتّصالات.
لاقَينا أخيرًا النجاح لأنّنا قدّمنا للزبائن خدمات إضافيّة وعروضًا مُغرية. فلَم نكن نسعى وراء الربح السريع، بل خطّطنا للمدى الطويل، وذلك عنصر أساسيّ في مجال الأعمال والتجارة. في البدء، جَلَبنا عدَدًا محدودًا مِن الموظّفين وعمِلنا مِن منازلنا، لِتقليل المصاريف. ومع الوقت، صارَ لنا مكتب فعليّ وموظّفون إضافيّون. أعَدنا المال لأخ رنا وبدأنا نجني الأرباح.
أقفلَت الشركة الأولى أبوابها بعدما أعلنَت افلاسها، وانضمَّ موظّفوها إلى الشركة الثانية. البعض منهم أرادَ العمَل لدَينا، لكنّنا رفَضناهم بأسف لأنّنا نعلَم أنّ مِن بينهم مَن أطلَعَ ذلك المُدير عمّا كنّا نفعله في الشركة الثانية، ولَم نرِد أن نُجازِف بكلّ الذي أنجزَناه.
اليوم شركتنا مِن أنجَح الشركات في مجالها، والسبب في ذلك رفضنا بأن يستغلّنا أحَد ويُقايِض بِشرَفنا. رفَضنا الرضوخ للتهديد بِلقمة عَيشنا، وأمام حيرتنا وعدَم قدرتنا على تحصيل حقّنا، إكتشَفنا قدراتنا وما بإمكاننا إنجازه في حين كنّا نُعتبَر موظّفتَين عاديّتَين ليس بمقدورهما إقناع زبون بالتوقيع سوى بالمُقايضة بِجسدَيهما. إنّ المرأة ليست مجرّد شكل مُغرٍ، بل هي إنسان قادِر فعليًّا على إنجاز الكثير، هذا لو آمنَت بقدراتها!
