“شنطة الماكياج”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

يوم أخذتُ سيّارة زوجتي إلى الميكانيكيّ لِتصليح عطل فيها، فتحتُ التابلوه بحثًا عن أوراقها، فوجدتُ شنطة صغيرة تحتوي على أدوات تبرّج. إستغرَبتُ الأمر، فهيام زوجتي لَم تكن تتبرَّج أبدًا، بل تبقى على حالتها الطبيعيّة في كلّ وقت، وهذا بالذات ما أعجبَني بها يوم تعرَّفنا على بعضنا ولاحقًا عندما تزوّجنا. كنتُ مُتأكِّدًا مِن أنّ هذه الأدوات ليست خاصّة بها، فحين سألتُها عن الأمر وهي قالَت إنّ الشنطة هي لِزميلتها في العمَل هدى، ونسيَتها هذه الأخيرة في صندوق التابلوه يوم أوصلَتها هيام إلى بيتها، صدّقتُها على الفور ونسيتُ الموضوع.
لكنّ شيئًا لا أستطيع تفسيره أثارَ الرَيبة في عقلي، ولكن بشكل باطنيّ. غريبٌ هو الانسان، فهو يُفضِّل التفكير بما هو سلبيّ، وأن يشكّ في أقرَب الناس إليه على أن يثِق بالآخَر ويُخذَل. وأحيانًا يكون للأسف على حقّ.
فبعد أشهر، حدَثَ ان التقَيتُ بهدى، زميلة زوجتي، عندما مرَّت وزوجتي إلى المحلّ الذي أملكُه وأُديرُه، ولاحظتُ على الفور أنّ تلك المرأة لا تضَع مساحيق تجميل على وجهها. تفاجأتُ بنفسي وأنا أقولُ لها مِن دون تفكير:
ـ أرى أنّكِ مثل هيام، لا تُحبّين التبرّج.
ـ بالفعل، بل أجِده تصنّعًا لستُ بحاجة إليه. إضافة إلى ذلك، ليس لديّ الوقت لهذه الأمور لانشغالي بوظيفتي وزوجي وأولادي الثلاثة!
ـ لكنّكِ نسيتِ شنطة المكياج مع هيام منذ فترة، هل هي أعادتَها لكِ؟”.
نظرَت هدى إلى هيام، ولَم تُعقِّب هذه الأخيرة على الموضوع. إعتذَرتُ مِن زميلة زوجتي على تطفّلي بحياتها الخاصّة، وقدّمتُ لضَيفَتَيّ الشاي. بقيَت هيام صامِتة طوال الوقت، ورجَّحتُ أنّها بصدَد ابتكار تفسير لموضوع الشنطة. لكنّني لَم أسألها عن الأمر على الاطلاق، لأنّني لَم أكن أُريدُ سماع الأكاذيب، ولأنّني لَم أكن أعلَم ما قصّة تلك الشنطة.
أكثر ما استغرَبتُه، هو أنّ حياتي الزوجيّة مع هيام كانت مُمتازة ونُفكِّر جدّيًّا بالإنجاب، بعد أن أرجأنا الموضوع سنتَين لِنتمكَّن مِن جَمع المبلغ بغية شراء بيت خاصّ بنا والاستقرار به لتأسيس عائلة. ومع أنّني لَم أكن أعلَم أبدًا ما تخفيه هيام عنّي، لَم يخطر ببالي أبدًا موضوع الخيانة. لكن ما عساه أن يكون أذًا؟ فالواقِع أنّها لَم تغِب يومًا عن البيت لأيّة حجّة كانت، ولا تخرج إلّا للذهاب إلى عمَلها أو برفقتي. فكنتُ أُرافقُها حتّى عندما كانت تزورُ أهلها أو تجتمِع بأصدقائها. فهكذا كنّا منذ البدء، لا نفترِق أبدًا لأنّنا لَم نكن نستمتِع بوقتنا مِن دون الآخَر. إلّا أنّ تلك النظرة التي أرسلَتها هدى لزوجتي كانت تحمِلُ معنىً أكيدًا. لا أخفي عنكم أنّني كنتُ بِمزاج سيئ في الأيّام التي تلَت، فأصرخُ بزوجتي لأيّ سبب وأرفضُ القيام بأيّ مشروع هي عرَضَته عليّ. رأيتُ كيف هي احتارَت لأمرها وحاولَت إرضائي، لكنّ الشكّ الذي سكَنَ فكري كان أقوى مِن أيّ شيء آخَر.
وعندما لَم أكن قادِرًا على الاستمرار هكذا، وجدتُ أنّ الحلّ الوحيد هو سأل هدى عن أدوات الماكياج. أعلَم ما ستقولون: “لماذا لَم تسأل هيام مُباشرةً؟”. لأنّني كما ذكرتُ سابقًا، لَم أشأ سماع كذبة مِن جانبها، الأمر الذي كان سيُدمِّرُ نهائيًّا الثقة بيننا.
إنتظرتُ هدى صباحًا قرب مدخل الشركة، وأمِلتُ أنّ تصِل قَبل زوجتي. وحين رأيتُها، مشيتُ نحوها ورأيتُ كيف حاولَت تجاهلي والركض نحو المدخل. إلّا أنّني كنتُ الأسرَع، فأوقفتُها. ألقَيتُ التحيّة عليها، ومزحتُ معها قليلًا بشأن الطقس المُتقلِّب إذ أنّ المطر الخفيف بدأ بالهطول، حين قلتُ لها أخيرًا:
ـ أنتِ تعلمين عمّا أريدُ التكلّم عنه، أرى ذلك على وجهكِ.
ـ أنا لا أُريدُ التكلّم عن شنطة الماكياج!
ـ أترَين؟
ـ وما الغريب في الأمر؟ لماذا هذا الاصرار؟
ـ لأنّكِ تعلَمين أيضًا ما وراء موضوع الشنطة”.
سكتَت هدى لِثواني، ثمّ قالَت:
ـ إنّها شنطة زوجتكَ، على عكس ما هي ادّعَت!
ـ لكنّ هيام لا تضَع المساحيق.
ـ ليس أمامكَ.
ـ ماذا تعنين؟
ـ بين الحين والآخَر، هي تتبرَّج فور وصولها إلى العمَل، وتُزيل الماكياج قَبل العودة إلى البيت.
ـ ولماذا تفعل ذلك؟؟؟
ـ مِن أجل… مِن أجل أحَد الموظّفين… فهما… أعني… هما على علاقة! هل أنتَ مسرور الآن؟ جعلتَني أفشي سرّ زميلتي!
ـ لا عليكِ، فأنتما لستما صديقتَين، بل تربطُكما زمالة فقط. هكذا إذًا… ومَن يكون ذلك الروميو؟ ومنذ متى زوجتي على علاقة به؟ وأين تراه على انفراد؟
ـ لن أقول أكثر مِن ذلك! دَعني أدخل الشركة أرجوكَ! وإيّاكَ أن تُخبِر هيام بالذي قلتُه لكَ!”.
دخلَت هدى الشركة ركضًا، وأنا إنتظرتُ وصول زوجتي بعدما ركِبتُ سيّارتي التي ركنتُها جانبًا. رأيتُها تصِل بدورها وتدخل المبنى. بقيتُ مكاني لِساعات، أيّ إلى حين انتهى دوام عمَل هيام لأرى إن كانت ستخرج مع عشيقها. لَم يحدث شيء، فعدتُ إلى البيت لأتصرّف بشكل طبيعيّ معها، قَدر المُستطاع، طبعًا. كنتُ خائفًا أن تكون هدى قد اعترفَت لها بإفشاء سرّها لي، لكنّها بدَت سعيدة أنّني عدتُ الرجُل المُحِبّ والمرِح.
في الأيّام التي تلَت، رحتُ أيضًا أنتظرُ خروج زوجتي مِن الشركة، لكنّها بقيَت تخرج لوحدها لِتركب سيّارتها وتعودُ فورًا إلى البيت… إلى حين رأيتُ زميلتها هدى برفقة رجُل! راقبتُها عن كثَب، ورأيتُ كيف كانا يتصرّفان بحميميّة وكيف أنّها كانت مُبرَّجة، وكيف أنّها ركِبَت سيّارة الرجُل وقبَّلا بعضهما مُطوّلًا قَبل أن يذهبا إلى جهة أجهلُها.
هكذا إذًا يا هدى… توقعين بزوجتي لتُنقِذي نفسكِ؟؟؟
لَم أوقِف مُراقبتي لهدى، فلاحظتُ أنّها تخرج مع زميلها وترحَل معه على الأقلّ مرّة في الأسبوع وفي اليوم نفسه. وفي إحدى المرّات، لحِقتُ بهما حيث ذهبا، أيّ إلى فندق صغير قضَيا فيه ساعة كامِلة. ثمّ هو أنزَلها أمام محطّة الباص، ورحَلَ. نظرتُ إلى وجهها المُضاء بفضل إنارة موقف الباص، ورأيتُ أنّها قد أزالَت الماكياج تمامًا. كنتُ أغلي مِن الغضب، فتلك الفاسِقة لَم تتأخَّر عن اتّهام زوجتي بخيانتي غير آبِهة على الاطلاق بما قد ينتِج عن ذلك الاتّهام. فماذا لو طلَّقتُ هيام؟ أو أذَيتُها كما قد يفعلُ بعض الرجال؟
عندها خطَرَت ببالي فكرة الانتقام، أي أن أجعلَها تختبِر ما كانت ستمرُّ به زوجتي. لكن على عكس هيام، كانت هدى بالفعل مُذنِبة!
بحَثتُ في كلّ مكان عن اسم ورقم هاتِف زوج هدى، ووجَدتُ مرادي. بعد ذلك، بعثتُ له رسالة مِن خطّ هاتِف اشترَيتُه لهذا الغرض، مفادها أنّ هدى تخونُه مع زميل لها، وكلّ ما عليه فعله هو الذهاب إلى ذلك الفندق، إمّا لِيُري موظّف الاستقبال صورة زوجته والتأكّد مِن أنّها تأتي بصحبة رجُل آخَر، أو اللحاق بها في اليوم المُحدَّد للقائها بِعشيقها. لكنّني لَم أنسَ أن أُضيفَ له أنّني لن أتأخَّر عن الاشتكاء عليه لو هو أذى زوجته جسديًّا، فآخِر ما كنتُ أُريدُه هو أن أكون مسؤولًا عن أيّ مكروه يحصل لِتلك الفاسِقة. أجابَ الزوج بكلمة واحدة: “شكرًا.” ثمّ أتلَفتُ الخط الجديد وعدتُ إلى بيتي لمُعانقة زوجتي الفاضِلة والبدء بتأسيس عائلة.
بعد أيّام، قالَت لي زوجتي حين عدتُ إلى البيت مساءً:
ـ أتعلَم ما حدثَ اليوم في الشركة؟؟؟ هدى… زميلتي… هي نفسها التي رأيتَها معي ذات يوم؟
ـ أجل، ما بها؟ هل حصَلَ لها مكروه؟؟؟
ـ لقد استقالَت مِن الشركة… وكذلك زميل لنا… بعد أن اتّضَحَ أنّهما على علاقة! فلقد جاءَ زوجها إلى الشركة وأحدَثَ شجارًا كبيرًا معها ومع الزميل، وتدخَّلَ المُدير ووعدَه بأنّه سيطرد الإثنَين في الحال. وأعلَنَ الزوج أنّه سيُطلِّقها على الفور! عندها فقط فهِمتُ لماذا كانت تأتي إلى العمَل مِن دون ماكياج وتتبرَّج في الحمّام! هي كانت تقول إنّ زوجها لا يسمَح لها بوضع المساحيق على وجهها، لكنّها كانت تُحِبّ أن تبدوَ أنيقة. لكن في الواقع هي كانت تفعلُ ذلك مِن أجل ذلك الزميل! غريب كيف أنّ للناس وجهَين مُختلفَين!
ـ إلّا أنتِ يا حبيبتي، إلّا أنتِ! وأرجو الله ألّا تتغيّري أبدًا!”.

أضف تعليق