(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
بدأَت المسألة بِتنمّر مِن قِبَل التلامذة لأخي وليد، أحداثٌ شِبه عاديّة في المدارس. حُلَََّت المسألة بمُعاقبة المُتنمِّر، فاعتقَدنا أنّ الأمور هدأَت. لكنّ ذلك الصبيّ ألَّفَ عصابة مِن التلامذة مُهمّتهم الوحيدة إتّباع تعليماته لِمُضايقة وليد، منذ وصوله المدرسة إلى موعِد نهاية الدوام، وبشكل يوميّ.
وانتهى بأخي رافِضًا الذهاب إلى المدرسة بشكل قاطِع، فوعدتُه بأنّني سأحميه خلال الفُسَح كَوني أكبَر منه سنًّا وحَجمًا، فالجدير بالذكر أنّني كنتُ آنذاك في العاشِرة مِن عمري وهو في السادِسة. وهكذا صِرتُ أركلُ كلّ صبيّ يقترِب مِن وليد وأُلقِّنه درسًا شديدًا، ما جلَبَ لي المتاعِب مِن قِبَل الإدارة. وسرعان ما صارَ أخي يعتبرُني حاميَته وملجأه الوحيد في البيت وفي المدرسة. لكن كان يجدرُ بأهلي وبي أن نُعلِّمه الاتّكال على نفسه، والوقوف في وَجه التنمّر لِيكبرَ ويصبحَ رجُلًا قويًّا. وكلّ ما فعَلنا، كان أنّنا خلَقنا إنسانًا ضعيفًا يلجأ إلى البكاء في البدء، ثمّ حين هو كبرَ، إلى التراجع أمام الصعوبات وابتكار الحجَج العديدة لِفشَله.
بقيتُ أُدافِعُ عن وليد وأقِفَ إلى جانبه في وقت الشدّة، حتّى بدأتُ أشعرُ أنّني لستُ فقط أخته الكبرى، بل أيضًا أمّه. فهو فضّلَني على أمّنا لأنّني لَم أكن أوبِّخه أبدًا.
مرَّت السنوات ودخَلنا الجامعة ثمّ مُعترَك العمَل، فصِرتُ مُحامية، ربّما لأنّني اعتَدتُ أن أُدافِع عن غيري، وعمِلَ وليد في مجال المصارِف.
رحلَت أمّنا الحبيبة عن هذه الدنيا بعدما أصابَها داء السرطان، فأصبحتُ رسميًّا المسؤولة عن البيت… وعن أخي. عندها هو باتَ مُتعلِّقًا فيّ بشكل تام، ففي نظره، كنتُ الوحيدة التي تؤمِّنُ له الشعور بالأمان والطمأنينة وتُعطيه النصائح الصائبة، نصائح كان يطلبُها بشأن كلّ شيء، حتّى في الأمور الحياتيّة البسيطة كالذي سيرتديه إلى العمَل أو ما سيأكله في المساء. في البدء، أعجبَني الدور، لكن سرعان ما اكتشفتُ تداعياته.
فيوم تقدَّمَ حبيبي لِخطبتي مِن أبي، قرأتُ علامات الهمّ على وجه وليد، فهو استوعَبَ أنّ يومًا سيأتي وأرحَل إلى بيتي الزوجيّ، وأبدأ حياة جديدة، وأُؤسِّس عائلة خاصّة بي. ومنذ ذلك اليوم، هو انغلَّقَ على نفسه وسكَنَه الحزن والقلَق. طمأنتُه بأنّني سأبقى على اتّصال يوميّ به وأراه على الأقلّ مرّة في الأسبوع، لأنّ بيتي الجديد لَم يكن بعيدًا عن بيت أهلي، فلقد اخترتُه قريبًا عن قصد، ليس فقط مِن أجل أخي، بل أيضًا مِن أجل والدي الذي كان مريضًا.
تزوّجتُ، وكنتُ مُتفائلة جدًّا لهذه الحياة الجديدة مع رجُل اختارَه قلبي. يوم زفافي كان بمثابة مأتم بالنسبة لِوليد الذي بقيَ طوال الاحتفال جالِسًا لوحده على كرسيّه، وينظرُ إلى المائدة والطعام الذي لَم يَلمسه. حاولتُ تجاهل ذلك المشهد، لكنّني تأثَّرتُ به بالرغم مِن فرحَتي الكبيرة.
بقيتُ على وعدي لأخي الصغير، فلَم أقطَع الصلة بيننا. صحّة أبي كانت على تراجع دائم، فصلََّيتُ أن يتعافى ويعودَ ذلك الرجُل القويّ الذي عرَفناه. إلّا أنّ الموت أخذَه بعد ثلاثة سنوات على زواجي، وبعد أن كنتُ قد أنجَبتُ إبني الذي كان قد صارَ في الثانية مِن عمره.
بعد وفاة أبي، وقَعتُ في حيرة مِن أمري، فكنتُ أعرِف أنّ وليد لن يستطيع العَيش لوحده وخاصّة مِن دوني، كَوني صِرتُ كلّ ما تبقى له في هذه الدنيا. لكنّني أمِلتُ أن أكون على خطأ، فادّعَيتُ أنّ كلّ شيء على ما يُرام في بيت أهلنا. كنتُ مشغولة جدًّا بعائلتي وبعمَلي وبالكاد استطَعتُ إعطاء أخي الاهتمام الكبير الذي كان بحاجة إليه. وهكذا تراجَعَ نفسيًّا وجسديًّا، وكَم تفاجأتُ به نحيلًا وشاحِبًا وبالكاد يستطيع الذهاب إلى عمَله. عندها عرَضتُ عليه أنّ يعيش معنا. للحقيقة لَم أستشِر زوجي في الموضوع إذ أنّ عرضي هذا كان عفويًّا، وقبِلَ وليد على الفور بعد أن عانقَني وبكى كلّ دموعه. فكان الأمر وكأنّني أُنقِذه مِن الغرَق أو النار.
لَم يُسَرّ زوجي كثيرًا بِفكرة استقبال وليد عندنا بصورة دائمة، إذ أنّه كان يسخَر دائمًا مِن ضعفه وتعلّقه بي. لكنّني شرَحتُ له أنّني لَم أكن مُستعدِّة لأخسَر أخي الوحيد، فكنتُ أخاف أن ينتهي المطاف به إمّا بِقتل نفسه أو بإهماله لِصحّته. جاءَ وليد إلينا مع حقائبه وفرِحَ به ابني الصغير إذ أنّه وجَدَ به تسلية جديدة. أعطَيتُ لأخي غرفة خاصّة به، وأمَّنتُ له كلّ وسائل الراحة التي تُساعده على أن يشعر بأنّه في بيته.
لكنّ الغيرة تملّكَت قلب زوجي، في حين أنّني توقّعتُ أنّ يغارَ وليد منه أو مِن ابني. إستغرَبتُ الأمر كثيرًا، إذ أنّني لَم أُهمِل زوجي على الاطلاق، ولَم أُدِلّع وليد كثيرًا فلَم أرِد سماع تلميحات مُزعِجة مِن قِبَل زوجي. ومع الوقت، صارَت هناك أجواء مُتشنَّجة في البيت، لأنّ زوجي لَم يتأخَّر عن التنمّر على أخي عند أقلّ مُناسبة، فهو كان يسخَر مِن طريقة كلامه، ومَشيَته وتأثّره بالأمور الحزينة أو المُخيفة. كان الوضع وكأنّ وليد عادَ بالزمَن إلى أيّام المدرسة، حين كان محطّ سخرية أُلائك الأولاد البغيضين. وبالطبع، لَم أكن لأسمَح لأحَد أن يؤذي أخي، تمامًا كما في السابق. حاوَلت أن أوقِف زوجي عند حدّه، لكنّ ذلك زادَ مِن تصرّفاته وكلامه المؤذي. وحين سألتُه إن كان ينزعِج مِن وجود أخي معنا في البيت، أجابَ: “لا، على الاطلاق، بل العكس، فهو مُسلٍّ ويُضحكُني كثيرًا… أتركيه هنا معنا!”. نظرتُ إليه بِدهشة كبيرة، فزوجي لَم يكن يومًا هكذا. ماذا حصَلَ له؟ أم أنّه كان منذ الأوّل إنسان يغارُ ويتنمَّر، ولا يتأخّر عن أذية مَن هم أضعَف منه؟
تصوّروا حيرتي آنذاك، فمِن جهة كنتُ أحِبّ زوجي وأب ابني، لكن مِن جهّة أخرى كان هناك أخي الذي بالفعل صارَ ضحيّة تنمّر زوجي.
صبِرتُ على الوضع، طالبِةً مِن وليد التقرّب مِن زوجي، فأرسَلتُ الإثنين في رحلة طويلة إلى أقصى الشمال لِجَلب مواد غذائيّة طازجة. أمِلتُ بذلك أن تجمَع تلك الرحلة بينهما ويتعرّفا أكثر على بعضهما. لَم أكن أعلَم حينها أنّ تلك الرحلة ستُغيّر مجرى حياتي. فالقدَر يهمسُ في أذننا بين الحين والآخَر، ويُعطينا أفكارًا هي في غالب الأحيان لِصالِحنا.
ذهَبَ أخي مع زوجي إلى الشمال، بعد أن هدّدتُهما بِتَرك البيت إن هما رفَضا القيام بمشروعي. بقيتُ أتّصل بكلّ منهما طوال النهار لأطمئنّ على الوضع، إلى حين هما وصَلا أخيرًا إلى البيت في المساء. زوجي ذهَبَ على الفور إلى الحمّام ثمّ إلى النوم، في حين بقيَ وليد معي ليقصّ لي نهاره الطويل. لكنّه اكتفى بالقول:
ـ زوجكِ على علاقة بامرأة أخرى.
ـ ماذا؟!؟ كيف لكَ أن تختلِقَ أكاذيب قد تُدمِّر زواجي؟ هل تفعلُ ذلك لِتُبقيني لكَ وحدكَ؟!؟
ـ أنا أقول الحقيقة، يا أختي. أقسمُ لكِ أنّني لستُ أكذِب… إجلبي لي كتابنا الكريم، وصوَر أبينا وأمّنا… وسأقسمُ عليها جميعًا. صحيح أنّني مُتعلِّق بكِ لِدرجة لا توصَف، إلّا أنّني لستُ سافِلًا. وما يهمُّني أكثر مِن وجودكِ معي، هو سعادتكِ. ذلك الرجُل هو بالفعل خائن ووقِح، إذ يعتبرُني وكأنّني مُتأخِّر عقليًّا. فبينما كنّا في السيّارة، هو تكلَّمَ عبر الهاتف مع عشيقته التي اسمها سامية، وجلَبَ لها مؤنًا في طريق عودتنا حين أوقَفَ سيّارته وترجَّلَ منها، آخِذًا معه الأكياس بحجّة إعطائها “لِصديق”. صدّقيني أرجوكِ!
ـ أتتذكَّر العنوان؟
ـ بالتأكيد”.
في اليوم التالي، أخذتُ وأخي إجازة مِن العمَل ورحنا بسيّارتي إلى العنوان المذكور، وسألنا ناطور المبنى في أيّ طابق تسكنُ تلك التي اسمها سامية. وحين هي فتحَت لنا الباب وعرّفتُها بنفسي قائلة زوجة مَن أكون، إصفرَّ وجهُها وبدأَت تُتمتِم، ثمّ حاولَت إغلاق الباب في وجهنا. لكنّني طمأنتُها قائلة: “لن نؤذيكِ، أريدُ فقط أن أعلَم إن كنتِ على علاقة بِزوجي.” هي سكتَت لِتقول: “أجل”. فغادَرنا بِصمت.
مواجهتي لِزوجي كانت عنيفة مِن الجهّتَين، إذ أنّني كنتُ غاضِبة لأقصى درجة، خاصّة حين قال لي: “مَن أخبرَكِ؟ ذلك المعتوه؟”. رحَلتُ مع ولَدي وأخي وعُدنا إلى بيت أهلي. بعد الطلاق، حصَلتُ على الحضانة الحصريّة، بعدما أثبتُّ خيانة زوجي لي ورفضه لِقطع علاقته بتلك المرأة. وقاحته أوقعَت به، لأنّه اعتبَرَ نفسه أذكى وأشطرَ مِن أخي ومنّي.
اليوم نعيش بِسلامٍ وبِتوازنٍ تام، إذ أنّ وليد وجَدَ الطمأنينة معي، وإبني وجَدَ الصورة الأبويّة الهادئة والمُحِبّة بأخي، وأنا إكتشفتُ أنّ لا لزوم لزوج خائن لا يحترِمُ أحَدًا. أنا مُكتفية بإبني وأخي تمامًا، فوضعي هو نفسه كما لو أنّ زوجي ماتَ لأيّ سببٍ كان ووجدتُ نفسي أرملة تعيشُ مِن دون رجُل مع أعَزّ شخصَين لها.
