(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
كانت الساعة المعلَّقة فوق مكتب التمريض تُتكتِك بِبطء، وكأنّها لا تُدرِك أنّ هذه الدقائق هي الخَيط الأخير في ثوب أربعين عامًا مِن العمَل. كانت الساعة الرابعة فجرًا، وفي هذا الوقت، يعمُّ المشفى هدوء غريب، هدوء يسبقُ عاصِفة الصباح. مشيتُ في الممرّ، أسمَع صرير حذائي الطبّيّ على الأرضيّة اللّامعة. فتلك لَم تكن مجرّد نوبة حِراسة، بل كانت الوردية الأخيرة.
دخَلتُ بهدوء بالغرفة رقم 10، عدَّلتُ تدفّق المغذّيّ لِمُسِنّ نائم، وتفقّدتُ تنفّسه. ثمّ انتقَلتُ للغرفة 12، حيث ترقدُ فتاة صغيرة أُجرِيَت لها عمليّة مرارة بالأمس. غطّيتُها جيّدًا كما فعَلتُ آلاف المرّات كلّ سنة مع المرضى، لكن هذه المرّة، كانت يدايَ ترتجفان قليلًا. كلّ سرير مرَرتُ به كان يُذكّرني بِوجه قديم، بصرخة ألَم تحوّلَت إلى ابتسامة شفاء، أو بِصَمت خيَّمَ على الغرفة بعد رحيل ساكنها.
عند الساعة الخامِسة، إنفتَحَ باب القسم ودخَلَ الدكتور عادِل، مُدير المشفى، ومعه مُمرّضتان مِن الورديّة الصباحيّة. كان يحمِل درعًا خشبيًا وساعة مُذهّبة وقال بابتسامة رسميّة: “نورا، لا أصدِّق أنّ هذا اليوم قد جاء. لقد كنتِ العمود الفقريّ لهذا القسم.”
سلَّمَني الساعة والدرع الذي كُتِبَ عليه “شكرًا لِعطائك”، مُضيفًا: “حانَ وقت الراحة والتقاعد. إستمتِعي بحياتكِ بعيدًا عن ضجيج الأجهزة.”
أجَبتُه بابتسامة مُهذّبة: “شكرًا يا دكتور”. في داخلي، شعَرتُ بِفراغ عميق، فكيف يُمكن لِشخص اعتادَ الركض في الممرّات أن يجلِسَ فجأة على مقعَد هزّاز؟ لَم أجِد كلمات إضافيّة، فحزمتُ حقيبتي الصغيرة، خلَعتُ شارتي ووضعتُها في جَيبي، وخرَجتُ مِن البوّابة الكبيرة بينما كانت الشمس تشقُّ طريقها وسط الضباب. ثمّ تنفّستُ بِعمق وقلتُ لِنفسي: “أنتِ حرّة الآن.”
وصَلتُ إلى بيتي، كانت الشقّّة صاِمتة بشكل مُرعِب. أعدَدتُ كوبًا مِن القهوة، وجلَستُ على الشرفة وبدأتُ أراقِب المارّة مِن بعيد. مرَّت ساعة، ثم ساعتان وأنا في هذه الحال. ثمّ بدأتُ أتأمّل يَدَيّ، هاتَين اليَدين اللتَين شكّتا آلاف الإبَر، وضمَّدَتا جروحًا لا تُحصى، وثبّتَتا أجهِزة التنفّس في لحظات حرِجة… ماذا ستفعلان الآن؟ هل ستمسكان بِمجلّة تافِهة أو بقطعة كروشيه؟ شعَرتُ بضيق في صدري فحاولتُ النوم، لكنّ أذُنَيّ كانتا تنتظِر سماع جرَس الإنذار أو نداء “رمز أحمَر” كما اعتادَتا.
لَم تغمُض لي عَينُ وأنا أتذكّر أوّل يوم لي في ذلك المشفى. كنتُ شابّة مُتحمِّسة، وتعثَّرتُ في ذَيل ثوبي الأبيض وأنا أركض لألحَق بِحالة طارئة. وتذكّرتُ أوّل مريض فقدتُه، كيف بكيتُ في زاوية حتّى تورّمَت عَينايَ، وكيف علَّمَتني الأيّام أنّ القوّة لا تعني عدَم البكاء، بل تعني القدرة على العمَل بالرغم مِن الدموع.
عند الساعة العاشِرة والنصف صباحًا، وبينما كنتُ أحاوِل إقناع نفسي بقراءة كتاب، رنَّ هاتفي المحمول. كان الرقم لقسم الطوارئ في المشفى. قفَزَ قلبي مِن مكانه، وأجَبتُ بسرعة لِسماع صوت الدكتور عادِل وهو يلهثُ، سمعتُ أيضًا ضجيجًا وصراخًا في الخلفيّة. صرَخَ الطبيب: “نورا! هل أنتِ قريبة؟ نحتاجُ إليكِ الآن! وقَعَ حادِث تصادم لِحافِلة ركّاب على الطريق السريع. الإصابات فوق طاقتنا، ورئيسة التمريض الجديدة انهارَت تمامًا أمام فظاعة المنظَر. الفوضى تعمُّ المكان، ولا أحَد غيرك يعرفُ كيف يُنظِّم دخول الحالات!”
نسيتُ التقاعد، والساعة المذهّبة والدرع، وقلتُ بِلهجة حازِمة: “خمس دقائق وأكونُ في ساحة الطوارئ. جهّزوا وحدات الدّم في الممّرات فورًا.”
قُدتُ سيّارتي وكأنّني في سباق رالي، وركنتُها في أيّ مكان، ثمّ اقتحَمتُ باب الطوارئ. المشهد كان ُيشبِه ساحة حرب: دماء على الأرض، صراخ نساء وأطفال، أطبّاء يركضون في كل اتّجاه مِن دون تنسيق، وسيّارات الإسعاف لا تتوقّف عن تفريغ المُصابين.
رأيتُ المُمرِّضة الشابّة المسؤولة واقِفة في الزاوية، تبكي وتمسكُ بِجهاز اللّاسلكيّ بِيَد مُرتعِشة. توجّهتُ إليها مُباشرة، أمسَكتُ كتفها بقوّة وقلتُ: “انظري إليّ! تنفّسي. إذهبي الآن إلى غرفة التضميد، أنتِ مسؤولة عن الجروح البسيطة فقط. أتركي الإدارة لي.”
بدأتُ العمَل، وشعرتُ أنّ الدمّ عادَ يتدفَّق في عروقي كالنار. وقفتُ في الوسط وبدأتُ أوزِّع الأوامر بِصوت جهوريّ يسمعُه الجميع:
– أنتَ! خُذ هذا المريض إلى الأشعّة فورًا، لدَيه علامات نزيف داخليّ… يا دكتور سمير، أترك الجروح السطحيّة للمُمرّضين، إذهب فورًا إلى غرفة العمليّات رقم 3، هناك حالة بَتر تحتاج تدخّلًا… أحتاجُ أربعة مُمرّضين هنا لِفَرز الحالات القادِمة: الأخضَر للمستقِرّ، الأصفَر للمتوسّط، والأحمَر للعمليّات فورًا!”
كنتُ أتحرَك بسرعة هنا وهناك، وفجأة، رأيتُ طفلًا صغيرًا يختنِق بِدَمه. لَم أنتظِر الطبيب، بل سحَبتُ جهاز الشَفط، نظَّفتُ مجرى الهواء، ووضعتُ له قناع الأوكسجين بينما كنتُ أُعطي تعليمات لِمُمرِّضة أخرى لِتركيب مغذٍّ في ساقه، لأنّ أورِدة يدَيه كانت قد اختفَت بسبب الصدمة.
إستمرَّ العمَل لِساعات متواصِلة. نسيتُ القهوة، نسيتُ التعَب، ونسيتُ أنّني “متقاعِدة”. كنتُ أضبطُ إيقاع العمَل في القسم كلّه. دخَلَ الدكتور عادِل وهو يمسَح العرَق عن جبينه، وقالَ لي وهو يمرُّ مُسرِعًا: “الحمد لله أنّكِ هنا… فلولا وجودكِ لَضاعَت نصف هذه الحالات في الزحام.”
في وسط المعركة، جاءَ مريضٌ مُسِنّ يُعاني مِن أزمة قلبيّة حادّة، فبدأتُ بِعمليّة الإنعاش اليدويّ، أضغطُ على صدره بكلّ قوّتي وأعدّ: “واحد، اثنان، ثلاثة…” كان عرَقي يتصبَّب، وعضلات يَدي تؤلمُني، لكنّني لَم أتوقَّف. بعد خمس دقائق مِن القتال، عادَ النبَض. نظرتُ إلى الشاشة وشعرتُ بِنشوة لا تُعادِلها أيّة راحة في العالَم.
عند الرابعة عصرًا، بدأَت الأمور تهدأ. تمّ نَقل معظم الحالات إلى الأقسام، وخلَت الممرّات مِن آثار الحادِث. جلَستُ على كرسيّ حديديّ في الممرّ، ألهثُ وتفوحُ منّي رائحة المُعقّمات والدّماء. إقترَبَ منّي الطاقَم الطبّيّ، واحِد تلوَ الآخَر. المُمرِّضة الشابّة التي كانت تبكي جاءَت وقبَّلَت رأسي وقالَت: “لقد تعلَّمتُ منكِ اليوم ما لَم أتعلَّمه في سنوات الجامِعة. أنتِ لستِ مُمرِّضة، أنتِ قائدة!”
وقَفَ الدكتور عادِل أمامي، نظَرَ إلى مِعصمي وقال بِخجَل: “نورا، يبدو أنّ الساعة التي قدمتُها لكِ في الصباح كانت هديّة سابِقة لأوانها. المشفى لا يحتاج إلى موظّفين، بل يحتاج إلى روحكِ. هل تقبَلين العودة بعَقد استشاريّ لِتدريب الطواقم وإدارة الأزمات؟ ليس كورديّة يوميّة، بل كَمرجَع لنا.”
إبتسمتُ، وهذه المرّة كانت الابتسامة مِن القلب. نظرتُ إلى جدران المشفى، لَم تعُد تبدو لي كسِجن أو مكان للعمَل الشاق، بل بدأَت تظهَر كجزء منّي، كقطعة مِن روحي لا يُمكن انتزاعها.
خرَجتُ مِن المشفى في المساء. لم أكن أشعرُ بالرغبة في “الحرّيّة” كما في الصباح لأنّني شعرتُ بالانتماء. فلقد أدركتُ أنّ الإنسان لا يتقاعَد عن كَونه إنسانًا، وأنّ الخبرة التي يكتسِبُها المرء عبر السنين ليست ملكه ليحتفِظ بها في البيت، بل هي أمانة يجب أن تُعطى لمَن يحتاجُها.
عدتُ إلى بيتي، شرِبتُ ما تبقّى مِن قهوتي البارِدة، ونمتُ نومًا عميقًا لَم أذِقه منذ سنوات. لَم أحلُم بالأجهزة أو الصراخ، بل حلمتُ بوجوه الذين عادوا إلى الحياة بفضل لَمسة يَد أو قرار سريع.
الآن أعرفُ يقينًا أنّ التقاعد ليس نهاية الطريق، بل هو تغيير للمسار. سأظلُّ المُمرِّضة التي تستجيب للنداء، وسأظلُّ تلك الروح التي تسكنُ الممرّات البيضاء، ليس لأنّني مُجبَرة على ذلك، بل لأنّ قلبي لا يعرفُ مكانًا آخَر ينبضُ فيه بهذه القوّة.
