“فستانٌ ملعون”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

لدى وقوع تلك الأحداث، كنتُ مُحاسِبًا بسيطًا في شركة استثمارات كبرى، وكانت زوجتي لينا تعملُ في الشركة نفسها سكرتيرة تنفيذيّة للسيّدة إليانور، زوجة صاحِب الشركة، وهي امرأة لا تكتفي بامتلاك المال، بل تتملَّكُ أيضًا الأجواء التي يتنفّسُها الناس مِن حولها.
في الواقِع، تعرّفتُ على زوجتي في مقرّ عمَلنا، وأبقَينا حبّنا سرّيًّا لوقت طويل خوفًا مِن ردّة فعل إليانور. إلّا أنّها بدَت لنا وكأنّها وجدَت الأمر مُسلّيًا يوم قرَّرنا أن نتزوّج وأطلَعناها على مشروعنا. فهي ضحِكَت عاليًّا وقالَت: “كَم أنّ حبّكما لطيفًا… هاهاها! غريب كيف أنّ مَن هم مِن طبقتكم لا يزالون يؤمِنون بالحبّ وسخافته!”. تجاهَلنا تعليقها هذا، فكلّ ما كان يهمُّنا هو فرحة بناء عائلة سويًّا.
تزوّجنا وتابَعنا حياتنا بهناء وبساطة، إلى حين جاءَت دعوة حفل العشاء السنويّ للشركة. كان مِن المُفترَض أن تكون ليلة عاديّة، لكنّ إليانور قرَّرَت أن تجعَل مِن زوجتي “مشروعًا” شخصيًّا لها تلك الليلة. فهي قالَت بِصوت ناعِم لَم نسمَعها تستعمِله يومًا:
– لينا، لا يُمكنُكِ الحضور بفستان جاهِز، فلقد دعَوتُ إلى الحفل كلّ أصدقائي، وشخصيّات وعملاء مُهمّين للغاية… سأُعيركِ فستانًا مُميّزًا… إنه قطعة فريدة صُمِّمَت لي خصيصًا في إيطاليا. قيمته؟ دَعنا نقول إنه يعادِل راتِب زوجكِ لِثلاث سنوات”.
هكذا بدأَت الحكاية، ولَم نكن نملك خيار الرفض، فمَن يستطيع مُناقشة تلك السيّدة؟ رحتُ وزوجتي إلى “قصر” إليانور، وبدا استلام الفستان وكأنّه استلام وديعة خطيرة. وحين عُدنا إلى بيتنا الصغير، وضعَته زوجتي على السرير، ونظَرنا إليه بِصمت.
ثمّ وقفَت لينا إلى جَنبي وهمسَت وهي تلمس القماش بِحذَر: ” قالت إليانور إنّ هذا الفستان يجلِبُ لها الحظ. فهي ارتدَته في اليوم الذي وقَّعَت فيه أكبَر صفقاتها”. طمأنتُها، لكنّني كنتُ أشعَر بِضغط هائل، لَم أكن أريدُ لزوجتي أن تبدو أقلّ مِن الأخريات، لكنّني كنتُ أعلم أنّ هذا الفستان هو “لعنة” وليس هديّة.
ليلة الحفل، بدَت لينا مُذهِلة، فالفستان كان ينسابُ عليها تمامًا، ويبدو كأنّه مُرصَّع بالألماس عند الخصر. ركِبنا سيّارة أجرة، ووضَعتُ يَدي خلف ظهرها طوال الطريق، لأتأكّد مِن أنّ ظهر المقعد ليس به نتوء قد تخدش الثوب.
دخَلنا القاعة حيث كانت تمتزِجُ روائح العطور الغالية مع روائح السيجار الفاخِر، ولحظة دخولنا، إتّجهَت الأنظار نحو لينا. كانت إليانور تقِفُ في وسط القاعة، وبِيَدها كأس مِن الكريستال، وهي أيضًا نظرَت إلينا لكن بابتسامة غامِضة، وقالَت عندما اقتربَت منّا: 
– لينا! الفستان يبدو عليكِ أجمَل مِمَا توقَّعت”. ثمّ لمَسَت كتِف لينا بِظفرها الطويل المطليّ بالأحمر، وشعرتُ بِقلبي يقفز!
إلتفتَت إليانور إليّ وقالَت بِسخرية: “سامر، إنتبِه جيّدًا لِزوجتكَ… وللفستان. هذا القماش لا يُغسَل، ولا يُرقَع. إنه مثل الثقة… إذا تمزَّق مرّة، انتهى للأبد”.
طوال السهرة، كنتُ أراقِبُ كلّ حركة: فعندما كانت لينا تضَحك، كنتُ أراقِب اهتزاز كتفَيها، وعندما اقترَبَ أحَد النادلين وهو يحملُ صينيّة مقبّلات، وقفتُ بينه وبينها. كنتُ “بودي جارد” لِقطعة قماش! وقالَت لينا وهي تهمسُ في أذني:
– سامر، إسترخِ قليلًا… الجميع ينظرُ إلينا لأنّنا نبدو متوتّرَين!
– أنا لا أحمي الفستان يا لينا، بل أحمي مستقبلي! فإذا حدَثَ شيء لهذا الثوب، ستجعَل إليانور حياتنا بمثابة جحيم في العمَل!”.
بِحلول منتصف الليل، كانت الأجواء قد صارَت صاخِبة وحاشِدة، خاصّة في المَمَرّ المؤدّي للمطعم. وبينما كنّا نتحرّك بين المدعوّين، شعَرَت لينا فجأة بما كنّا نخشاه، وسمِعنا صوتًا خافِتًا جدًّا… صوت تشقّق قماش!
تجمَّدتُ مكاني ونظَرتُ إلى لينا، كان وجهها قد فقَدَ كلَ ألوانه بالرغم مِن الماكياج. إنحَنَيتُ بسرعة لأرى مدى الضرَر: كان هناك تمزّق بطول 5 سنتيمترات عند مستوى الفَخذ!
لَم ننتظِر نهاية الحفل، بل اختلَقنا عذرًا بالصّداع المُفاجئ للينا، وغادَرنا. قضَيتُ الليل كلّه أبحَث تحت المصباح عن طريقة لِترقيع الشقّ، لكنّ الخيوط كانت دقيقة جدًا، والحرير له لَمعة لا يُمكن تقليدها. بكينا مِن قوّة شعورنا بالعجز بعد أن دمَّرنا شيئًا “مُقدّسًا” لامرأة لا ترحَم. لَم نَنَم طبعًا، بل بقينا جالِسَين مذهولَين أمام الفستان حتّى طلوع الفجر. تدرَّبنا مئة مرّة على ما سنقوله لتلك المرأة وبأيّة طريقة، إلى حين توجّهنا إلى مكتبها عند بدء الدوام. كنتُ أحمِل الحقيبة الجلديّة التي تحتوي على الفستان وكأنّني أحمِل قنبلة موقوتة.
دخلَنا المكتب، وكانت إليانور تجلسُ كعادتها خَلف مكتبها الضخم، تنظرُ إلى بعض الأوراق. قالَت لها لينا وصوتها يختنِق:
– إليانور… نحن مُمتنّون جدًّا لإعارتنا الفستان، لكن.. حصَلَ… حادثٌ بسيط.”
أخرَجتُ الفستان ووضعتُه على المكتب، وأشَرتُ بِيَدي المرتجِفة إلى التمزّق الصغير. “أنا المسؤول يا سيّدة إليانور… سأتحمَّل أيّ تعويض، حتّى لو خصَمتِ مَن راتبي لِسنوات”.
سادَ صمتٌ طويل بينما كانت إليانور تنظرُ إلى التمزّق بِعينَين ضيّقتَين. قلبي كان يدقُّ بقوّة رهيبة، وتخيّلتُ خطاب الطَرد وهو يُطبَع في هذه اللحظة.
فجأة، بدأَت إليانور تضحَك. لَم يكن ضحكًا ساخِرًا، بل كان ضحكًا مليئًا بالارتياح، وكأن جبَلًا إنزاحَ عن صدرها. ثمّ هي فتحَت درج مكتبها، وأخرَجَت منه فستانًا مطابِقًا تمامًا للفستان الذي نحمِله، لكنّه كان مَمزّقًا بشكل أبشَع عند الصدر.
نظَرنا إلى بعضنا بذهول حين قالَت إليانور: “هذا الفستان الذي معكم… هو نسخة مِن الدرجة الأولى صمّمتُه قَبل شهر بِمبلغ زهيد جدًّا لدى خيّاط في الزقاق الخلفيّ للمدينة”.
بلَعتُ ريقي بصعوبة ثمّ قلتُ: “ولماذا أعرتِنا إيّاه وادّعَيتِ أنه بآلاف الدولارات؟؟؟”.
أجابَت إليانور بِمرارة: “لأنّني في الحفل الذي سبَقَه، مزّقتُ الفستان الأصليّ الذي ترَيانه هنا في درجي، بسبب طَيشي. وبما أنّني أعيشُ في مجتمع يُراقبُني فيه المنافِسون والحاسِدون كالذئاب، لَم أستطِع الاعتراف بأنّني دمَّرت قطعة فريدة لا تُعوَّض. كنتُ بِحاجة لِشخص يرتدي النسخة المُقلّدة في الحفل السنويّ أمام الجميع، ليظنّوا أنّ فستاني الأصليّ لا يزال سليمًا… هذا قَبل أن أعيرَه لِزوجتكَ”.
ثمّ ضحكَت وأكملَت بِنبرة جعلَت شعري يقِف على رأسي: “لكنّ الحادِثة كانت مُدبَّرة، فلقد دفَعتُ المال لأحَد النادلين لِيَمرّ قرب الفستان وبِيَده سكّين صغير، فكنتُ أريدُ للفستان المُقلَّد أن يتمزَّق بأيديكما أنتما!”
صرَخَت لينا: “لماذا؟!”.
أجابَت إليانور بِبرودة وهي تأخذ الفستان المُمزَّق منّا: “لأنّ المصوّرين التقطوا صوَرًا لِحادِثة التمزَق بالأمس…فلقد أوكَلتُ أحَدهم بمُلاحقتكما أينما كنتما. والآن، لن يغضَبَ منّي زوجي ويحرِمني مِن هدياه الثمينة، فهو لطالما يتّهمُني بإهمال مُقتنياتي التي تُكلَِّفه الكثير، والتي نحن بحاجة إليها للبروز أمام مُجتمعنا لِنُقدَّم لهم صورة لامِعة لِثرائنا. أنتما لا تعرفان كيف أنّ حياتنا هي دائمًا تحت المجهَر، فهي صعبة للغاية!”. إمتلأت عَيناها بالدموع الزائفة، فاقشعرَّ بدَني منها على الفور.
ثمّ نظرتُ إلى لينا بذهول بعد أن استوعبتُ تمامًا ما حدَثَ، فلَم نكن ضحايا صدفة بشِعة، بل أدوات في عمليّة مُدبَّرة مِن قِبَل امرأة سطحيّة وأنانيّة.
خرَجنا مَن المكتب ونحن لا نزال بحالة صدمة، بينما أكمَلَت إليانور ضحكتها. كنّا قد حافَظنا على وظيفتَينا، لكنّنا فقَدنا كرامتنا. فالفستان الذي كنّا نظنّه “حلمًا” كان مجرّد “فخٍّ” مِن الحرير. وفي تلك اللحظة أدرَكتُ أنّ الأغنياء لا يعيروننا أشياءهم لِنشعر بمكانتهم، بل يعيروننا أخطاءَهم لِنحمِلها عنهم.
بعد مرور مرحلة الذهول والذِل، قرّرتُ وزوجتي أنّ ليس بإمكاننا أن نبقى في الشركة بعد أن تمَّ التلاعب بنا بهذا الشكل، فبدأنا نبحَث سرّيًّا عن وظيفة أخرى. وعندما صِرنا جاهزَين، قدَّمنا استقالتنا عبر البريد الالكترونيّ، فلَم تكن إليانور تستحِقّ أفضَل مِن ذلك. هي حاولَت بِرَدّها أن تُقنِعنا بالبقاء، لكنّنا لَم نجِب على رسائلها واتّصالاتها العديدة. فهي كانت قد فقدَت بالنسبة لنا كلّ احترام، الأمر الوحيد الذي هو بالفعل ذو قيمة حقيقيّة في هذه الدنيا.

أضف تعليق