“أبٌ ليس أبًا “

(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
وُلِدَ ابني مُختلِفًا عن باقي الأولاد، وردّة فعل زوجي الأولى كانت النظَر إليّ والقوَل: “ألا تجِيدين فعل أيّ شيء؟!؟”. بكيتُ وأنا أحضنُ صغيري الذي أحببتُه منذ النظرة الأولى، وشعرَتُ بِوحدة عميقة اجتاحَت روحي، لأنّني أدركتُ أنّني سأكون لوحدي في معركة طويلة جدًّا. في الأشهر التي تلَت، تصرّفَ زوجي وكأنّه ضَيف في البيت، وبالكاد وجَّهَ لي الكلام أو تفاعَلَ مع ابنه. فهِمتُ أنّه لا يُريدُ مواجهة الواقِع ومُشاركتي المسؤوليّة، والاعتراف بأنّ الذي ورَثَ اسمه لَم يكن مُطابِقًا للمعايير التقليديّة. وبعد مرور سنة تقريبًا، لَم يعُد زوجي إلى البيت بعد العمَل، بل تركَني وابني، وطلّقَني لِيَمحونا مِن ذاكرته إلى الأبد.
حالَتي النفسيّة كانت في أدنى مُستويات المعقول، وساندَني أهلي كثيرًا، خاصّة مادّيًّا لأنّ زوجي السابِق تمنّعَ عن دفع النفقة، بالرغم مِن قرار المحكمة. لَم تكن لدَيّ القوّة الكافية للاشتكاء عليه، فدعَوتُ الله بأن يتصرَّف به كما يشاء.
تابَعتُ حياتي مع ولَدي بإعطائه الحنان اللازم للتعويض له عن فقدانه أبيه، لكنّني لَم أكن أعلَم طبعًا كيف أتعامَل مع إعاقَته. لِذا بدأتُ أُفتِّش عن مراكز مُتخصِّصة، لكنّ التكلِفة كانت عالية جدًّا. ومع مرور الوقت، فقدتُ الأمل بإيجاد مَن يُعطي لابني فرصة العَيش بكرامة يومًا. فكنتُ أخاف أن يحصلَ لي مكروهٌ ويجِدُ نفسه لوحده، فمهما أحبَّه أفراد عائلتي، فهو كان مُختلِفًا ويتطلَّب اهتمامًا وحدها الأم بإمكانها إعطاؤه.
جاءَتني المُساعدة مِن مركز للراهبات، وتفاجأتُ بهنّ تقُلنَ لي إنّهنّ لا تُرِدنَ مُقابل، بل ستستقبِلنَ ولَدي مجّانًا ليحصل على أفضل وأحدَث العلاجات النفسيّة والجسديّة والطبّيّة. لُم أُصدِّق أُذنَيّ، فانهمرَت الدموع على خدَّيّ وأنا أشكرُهنّ. إبتسَمت لي رئيسة المؤسّسة وقالَت: “إنّها رسالتُنا، فلا داعٍ لشكرنا”.
صارَ بالي مُطمئنًّا بشأن ابني، فاستطعتُ البحث عن عمَل لأخرج مِن الحفرة الماليّة التي دفَنَني بها زوجي السابِق الذي، كما علِمتُ، بدأ يُواعِد صبيّة مِن منطقتنا. رجَّحتُ أنّه بدأ يُخطِّط لإقامة علاقة بها قَبل رحيله، فكيف له أن يجِدَ حبيبة بهذه السرعة، خاصّة أنّها تعيشُ في محيط البيت الذي تركَه ليسكنَ بعيدًا؟
ولَم أكن مُخطئة، فذات يوم، جاءَني اتّصال مِن التي اسمها مُنى، هي نفسها التي تنوي أخذ مكاني السابِق. وبكلّ وقاحة، هي قالَت لي:
ـ زوجكِ السابِق سيُصبحُ قريبًا زوجي.
ـ هنيئًا لكِ به! ولماذا تتّصلين بي؟
ـ أتّصلُ بكِ كَي تعلَمي أنّني لكِ بالمرصاد، فإياكِ أن تُفكّري باسترجاعه!
ـ ما أغباكِ حقًّا… أوّلًا لأنّكِ تعتقدين أّنّني أُريدُ رجُلًا تركَني وابنه، حين كنّا بأمسّ الحاجة إليه ورفَضَ دَفع أيّ نفقة لي. وثانيًا، لأنّكِ وقعتِ بِحبّ انسان سافِل ضرَبَ بِعرض الحائط واجباته الزوجيّة والأبويّة، مُعتقِدةً أنّه سيكون رجُلًا أفضل معكِ. يا عزيزتي، الناس لا تتغيّر، خاصّة بهذه السرعة. ولو كنتُ مكانكِ، لابتعَدتُ عنه قدر المُستطاع!
ـ تقولين هذا لأفسحَ المجال لكِ بإعادته إليكِ!
ـ أبدًا، فكلّ الذي قلتُه سَهل التأكّد منه، فهو ليس سرًّا على أحَد. أرى أنّكِ لَم تتحرّي عنه، وهذه علامة أخرى عن غبائكِ. على كل الأحوال، لا يهمُّني مصيركِ الذي سيكون بائسًا، فلِتذهبي إلى الجحيم! لكنّ شيئًا واحِد قد يهمُّني، هو أنّكِ قد تُنجِبين طفلًا مُختلِفًا أنتِ الأخرى.
ـ ماذا؟ كيف؟؟؟
ـ إنّ المؤسّسة التي تعتَني بابني حاليًا كشفَت لي أنّ حالته هي على الأرجَح وراثيّة. وبعد أن طرَحوا عليّ عدَدًا لا يُحصى مِن الأسئلة، تحقَّقت منها بدوري لدى أهلي وجميع أقاربي، وخضَعتُ لِفحص جينيّ، تبيَّنَ أنّني لستُ مَن يحمِل جينات ذلك الاختِلاف، مِمّا يعني أنّ أب ابني هو الذي مرَّرَ له مُشكلته.
ـ أنتِ تختلقين الأكاذيب!
ـ أبدًا… سأُعطيكِ اسم فحص جينيّ على “حبيبكِ” الخضوع له قَبل الزواج بكِ. سأكتبُه لكِ الآن في رسالة.”
سكتَت مُنى مُطوّلًا ثمّ أقفلَت الخط بعد أن نعتَتني بالأفعى. أرسَلتُ لها اسم الفحص، ثمّ حظَرتُها. كنتُ ممنونة مِن نفسي، لأنّني استطعتُ التغلّب على غضبي بمُساعدة تلك الصبيّة، حتّى لو لَم تكن تستحِقّ ذلك. فعلتُ ذلك مِن أجل الطفل المسكين الذي كان قد يولَد بحالة هي نفسها حالة ابني.
بعد ذلك، نسيتُ الموضوع، خاصّة أنّني وجدتُ عمَلًا في أحَد المحلّات. بقيتُ طبعًا آخذُ ابني إلى المؤسّسة صباحًا لأعودَ به إلى البيت مساءً. لاحظتُ تطوّرًا إيجابيًا، ولو بسيطًا، في تصرّفاته وتعامله مع العالَم الخارجيّ، فتأمّلتُ خيرًا. كنتُ أعلَم أنّ الدرب طويل وشاق، لكنّني كنتُ قد استعدَتُ نفسي وشجاعتي وعَزمي بفضل مُساعدة أولئك الراهبات، وبعد إيجاد عمَل يُتيحُ لي أن تكون لي حياة شِبه طبيعيّة بالاختلاط بالناس، وبالحصول على بعض المال والاستقلاليّة.
سمِعتُ بعد فترة أنّ زوجي السابِق تزوَّجَ مِن مُنى، فلا تنسوا أنّها وأهلها يعيشون بالقرب منّي، لكنّني لَم أشعُر بالحزن أو الغضب أو الغيرة. أسِفتُ فقط على تلك الصبيّة الطائشة ومولودها المُستقبليّ.
بدأ ابني يلعَب وصارَ يبتسِمُ، أمران بغاية الأهمّيّة بالنسبة لِحالته. فلأوّل مرّة شعرتُ أنّه يتصرَّف كباقي الأطفال. وما هو الأهمّ، أنّه صارَ يَعي لوجودي. فقَبل ذلك، لَم يكن يراني، بل بقيَت عيناه تُحدِّقان في الفراغ، فهو لَم يكن مُتّصِلًا بالعالَم الذي يُحيط به. وهذا التقدّم أعطاني دفعًا إضافيًّا، فماذا تُريدُ الأم سوى أن يكون أولادها بخير؟
مرَّت سنة بكاملها، قَبل أن أتلقّى اتّصالًا جديدًا مِن مُنى، مِن رقم هاتفيّ آخَر طبعًا. فهي قالَت لي بعدما تعرَّفتُ إلى صوتها وسألتُها بِجفاف عمّا تريدُه:
ـ هو لا يُريد الخضوع لذلك الفحص الجينيّ.
ـ لِما لستُ مُتفاجئة؟
ـ هل تظنيّن أنّه يحمِلُ حتمًا الجينات التي تؤدّي لتلك الحالة؟
ـ ولماذا عليّ الإجابة؟
ـ لأنّكِ سيّدة صالِحة… وأمٌّ. وأنا مُتأكِّدة مِن أنّكِ لن تقبَلي بأن يحصل لي ما حصَلَ لكِ… فأنتِ أرسَلتِ لي اسم الفحص.
ـ لا أستطيع الجزم، فلهذه الغاية توجَد فحوصات. لكنّ الاحتمال موجود. قولي لي… هل أنتِ سعيدة معه؟ هل يُعاملكِ بطريقة جيّدة؟ أعني بطريقة تستحقّينها كامرأة؟
ـ لماذا هذا السؤال؟
ـ لأنّ عليكِ أن تُقرّري إن كان ذلك الرجُل يستحقُّ المُجازفة. على كلّ الأحوال، مَن يرفضُ الخضوع لِفحص بسيط ليتأكّد مِن أمر بغاية الأهمّيّة يطالُ زوجته التي مِن المفروض أن يُحبُّها كثيرًا، ويطالُ ولَده الذي هو قطعة منه، خاصّة بعدما أنجَبَ سابِقًا ولَدًا مُختلِفًا، فذلك الشخص ليس أهلًا للزواج والإنجاب. القرار هو قراركِ، إفعلي ما يُملي عليكِ عقلكِ والمنطِق، وليس قلبكِ واعتبارات عائليّة واجتماعيّة.
ـ أُريدُ رأيكِ.
ـ لن تحصلي عليه. الوداع.”
يوم سمِعتُ أنّ مُنى طلّقَت زوجي السابِق، علَت وجهي ابتسامة عريضة، ليس بِداعي الشماتة، لكن لأنّ مُنى فعلَت الصواب. فهي حمَت نفسها والمولود الذي كان سيأتي إلى الدنيا، بعد أن استوَعبَت أنّ الذي تزوّجَته هو إنسان أنانيّ وغير مسؤول، ليس فقط لأّنّه رفَضَ أن يُفحَص، بل مِن جرّاء ما فعلَه بي وبابنه. فالإنسان يُعرَف مِن تاريخه، وإيّاكم أن تظنّوا أنّه سيتصرَّف معكم بطريقة مُختلِفة لأنّكم مُميّزون أو لأنّه تغيَّرَ.
حاوَلَ زوجي السابِق العودة إلى البيت، فطردتُه ومنَعتُه مِن رؤية ابنه بعدما تقدَّمتُ بِقضيّة حضانة حصريّة وربحتُها بسبب تَركه لنا مِن دون إنذار، والزواج مِن أخرى، وتخلّفه عن دفع النفقة. ولماذا أُريدُه؟ لماذا يُريدُه ابني؟ ماذا سيُضيفُ على حياتنا سوى الهمّ والتوتّر والخيانة؟
مرَّت على تلك الأحداث سبع سنوات، وبدأ ابني بالذهاب إلى مدرسة خاصّة ليتعلَّم الكتابة والقراءة بعد أن تحسَّنَ بِشكل كبير. آمُلُ أن يأتي يومًا ويصير قادِرًا على القيام بكلّ مُستلزمات الحياة لوحده، فلن أعيشَ إلى الأبد. شكري الكبير يذهب إلى تلك الراهبات ومؤسّستهنّ التي تُساعِد الأطفال والعائلات بأصعَب حالاتهم، وبشكل مجّانيّ. فلولاهنّ، لَبقيَ ولَدي مُلقىً بالبيت يعيشُ في عالَم مجهول عنّا وأمامه مُستقبَل لا أجرؤ التفكير به.
وشكري الأكبر طبعًا موجَّه لله، الذي لَم يترُكني، بل بعَثَ لي أيادي المُساعدة البيضاء. لا تيأسوا، فهناك مَن يرعانا دائمًا!

أضف تعليق