“زوج عاديّ للغاية”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

تعرّضتُ لأكبَر عمليّة خداع قد تحصل لِزوجة، وإلى اليوم أجِدُ صعوبة بالتصديق. قد تظنّون أنّني أُبالِغ، وأنّ قصّتي تدورُ حولَ مشاكل زوجيّة قد تكون مألوفة، لكن اقرأوا قصّتي حتّى الآخِر.
لَم أقَع في حبّ عامِر، فهو لَم يكن يملك ما أبحثُ عنه لدى زوج مِن صفات. فعادةً تحِبّ المرأة الرجُل الطويل القامة، ذا البنية القويّة والشخصيّة المُميّزة التي تُشعِرُها بالأمان. لكنّ عامِر كان عكس ذلك تمامًا. لماذا إذًا صِرتُ زوجته؟ لأنّ أهلي أجبروني به لأنّه كان مُقتدِرًا، وله أملاك عديدة في المدينة وخارجها مِن شقَق وأراضٍ. حاوَلتُ الصمود أمام ذلك التدخّل في حياتي، لكنّهم كانوا أقوى منّي مِن حيث الدافِع والعدَد. فجميعهم أرادوا الاستفادة منّي ومِن زوجي المُستقبليّ بشكل أو بآخَر. لكن بالرغم مِن مَدحهم له أمامي وإبراز محاسنه، لَم أتمكّن مِن أن أشعُر بشيء تجاهه. تزوّجتهُ بعد أن هدَّدَني أبي برَميي في الطريق إن قاومتُه، وبعد أن أقسَمت والدتي بأنّها ستعتبرُني ميّتة. قبِلتُ لأنّ العالَم بأسره تواطأ ضدّي.
بعد الزواج، إتّضَحَ أنّ عليّ الامساك بزمام الأمور، إذ أنّ عامِر كان يجهلُ تمامًا مسؤوليّاته، ويتّكِل عليّ في كلّ المهام، إذ أنّه يُعطيني مصروف البيت ومصروفي الخاصّ في كلّ شهر ولا يسألني أيّ سؤال بشأن تدبير الأمور، بل يكتفي بالعمَل مِن البيت والذهاب إلى شركته العقاريّة بين الحين والآخَر. حزِنتُ لأنّني لطالما تصوّرتُ حياتي الزوجيّة مليئة بالإثارة والحبّ والتكاتف، فإذ بي أجِدُ نفسي وحيدة طوال الوقت، ومُنهمِكة بأخذ القرارات إن كانت صغيرة أم كبيرة.
قرّرتُ الإنجاب ليس فقط حبًّا بالأطفال، بل ليكون لي هدَفٌ مِن تلك الزيجة، شيء أصحو صباحًا مِن أجله ويدفعُني للمواصلة يوميًا. عامِر لَم يُمانِع، أو بالأحرى لَم يُبدِ رأيه كعادته، بل اكتفى بالقول: “كما تُريدين”. لكنّني أرَدتُه أن يُريد طفلًا، أن ينتظِره بفارغ الصبر، لذلك، أرجأتُ الموضوع.
حياتي الحميميّة مع عامِر كانت فاتِرة كصاحبها، وشكرتُ ربّي أنّه ليس مِن هؤلاء الذين يُطالبون بتلك الأمور بشدّة، وإلّا لمَا استطعتُ المواصلة. كنّا نخرج إلى المطعَم، لكن نادِرًا، ودائمًا إلى المكان نفسه، ونجِدُ هناك الزبائن نفسهم، الأمر الذي أغضبَني مرّات عديدة. فزوجي لَم يكن فقيرًا، بل العكس، وتوقّعتُ يوم أُجبِرتُ على ربط حياتي به، أن يلفَّ بي الكرة الأرضيّة ويُعرِّفني على أماكن تُثير اندهاشي. لكن لَم يحصل ذلك، بل كانت علامة ثرائنا تقتصِر على نوعيّة الطعام فقط. أين الملابس الفاخِرة والحقائب الثمينة؟ أمّا بالنسبة للحُلى، فهو أهداني طقمًا واحدًا يوم الخطبة، ولَم أرَ بعد ذلك سوى خاتم الزواج الذي كان عاديًّا جدًّا. وُعِدتُ بسيّارة لأتنقّل بها، إلّا أنّها لَم تأتِ، وبقيَ عامِر يُطمئنُني بأنّه بِصدَد اختيار سيّارة جميلة لي، إلى حين قطعتُ الأمَل. سكتُّ لأنّني لَم أكن مِن الصنف الذي يطلب، الأمر الذي أعجَبَ زوجي كثيرًا.
حياتي كانت مُمِلّة وفارغة… إلى حين قالَ لي عامِر في أحَد الأيّام:
ـ جهّزي نفسكِ… سنُسافِر بعيدًا.
ـ ماذا؟ ستأخذنُي في إجازة؟ إلى أين؟ إلى جزيرة جميلة؟
ـ بل سننتقِل للعَيش في الخارج.
ـ ما هذا الكلام؟!؟ وكيف تأخذ قرارًا كهذا بصورة مُفاجئة ومِن دون استشارتي؟
ـ سنرحَل بعد يومَين.”
علِمتُ أنّ الأمر مُلِحّ، لكنّني لَم أفهَم لماذا، وما هو أهمّ، إلى أين نحن راحلان. لكن مِن ملامحه، فهِمتُ أنّه كان قد أخَذَ قراره ولن يتراجَع عنه. على كلّ الأحوال، كلّ شيء كان أفضل مِن الحياة التي أعيشُها في البلَد، ولن يؤذيني التغيير. وعندما أخبَرتُ أهلي عن مشروع عامِر، قيلَ لي إنّ “المرأة تذهب حيث يذهب زوجها، فمكانها معه إلى الأبد”. أخذتُ ما بإمكاني أخذه ورحنا إلى المطار، واستقلَّينا طائرة… إلى أفريقيا! حاوَلتُ عدَم دخول الطائرة والعودة أدراجي، لكنّ عامِر أمسكَني بذراعي وأجبرَني على مُرافقته. نظرتُ إلى عَينَيه المليئتَين بالغضب وإلى وجهه، وانتابَني الخوف. فذلك الرجُل لَم يكن زوجي الذي كنتُ أعيشُ معه منذ سنتَين، بل إنسان قاسٍ ومُصمِّم أن يُنفِّذ ما بِباله.
بعد وصولنا إلى ذلك البلَد الأفريقيّ، توجّهنا إلى فندق صغير. لماذا لَم يختَر عامِر مكانًا أفضل وأرقى؟ فالمنطقة كانت حارّة جدًّا ومليئة بالبعوض، والنَمل، ومخلوقات غريبة عجيبة، تمامًا كما نراها في الأفلام!
بقينا في ذلك الفندق النتِن لفترة شهور، وبالكاد خرَجنا منه. سألتُ عامِر مئة سؤال عن وضعنا وسببه، لكنّني لَم ألقَ تجاوبًا، بل توبيخًا وصراخًا ومزاجًا سيّئًا أجبرَني على السكوت. فآخِر ما كنتُ أريدُه هو التشاجر مع زوجي وسط الأدغال!
ثمّ قالَ لي عامِر إنّ عليه السفَر إلى البلَد لِيومَين فقط وإنّ عليّ البقاء حيث أنا. عندها بدأتُ بالبكاء، فكيف لي أن أبقى لوحدي في مكان مُخيف؟ هو طمأنّني بأنّ كلّ العاملين في الفندق هم “رجاله”، ولَم أفهَم ما قصدَه بتلك الكلمة، لكنّني لَم أجرؤ على سؤاله.
ذهَبَ عامِر إلى البلَد… ولَم يعُد، إذ أنّ الشرطة اعتقلَته على المطار، بالرغم مِن استعماله باسبورًا مُزيّفًا، كما علِمتُ لاحقًا. علِمتُ أيضًا أمورًا فظيعة عن ذلك الرجُل الباهِت والهادئ والمعدوم الشخصيّة الذي تقدَّمَ لي وتزوّجَني. فالواقِع كان مُغايِرًا تمامًا!
فبعد أن وصلَني اتّصال مِن الشرطة الأفريقيّة لِأقصد أقرَب مخفر، علِمتُ أنّه تمّ توقيف عامِر زوجي وأنّ عليّ الرحيل فورًا لِيَتمّ التحقيق معي في البلَد. لَم أفهَم شيئًا، إذ أنّ الشرطة الأفريقيّة لَم تُزوّدني بأيّة معلومة مُفيدة. للصراحة، إرتحتُ كثيرًا لِفكرة تَرك ذلك المكان البغيض، ولقاء أهلي، وناسي، وبلَدي. لكنّ بالي كان مشغولًا بألف سؤال، فاعتقدتُ حقًّا أنّ عامِر موقوف ظلمًا بسبب تشابه الأسماء أو لِمُخالفة بسيطة قامَ بها. فهو لَم يكن مِن النوع الذي يقترِفُ أي جُرم أو جريمة… باستثناء تصرّفاته الغريبة منذ ما قرَّرَ تَرك بلَدنا، وصولًا إلى مكوثنا في ذلك الفندق الذي يقَع وسط الأدغال.
فهِمتُ القصّة بأكملها حين وصلتُ البلَد وقصدتُ الشرطة التي شرحَت لي أسباب توقيف زوجي، هذا بعد أن حقّقوا معي لمعرفة إن كنتُ شريكته أو لا. وبالطبع تبيّنَ بسرعة أنّ لا علاقة لي بمُمارسات عامِر، فمَن أنا مُقارنةً بذلك الرجُل الخطير؟
لن أطيل التشويق، فإليكم ما قالَه لي المُحقّق:
ـ سيّدتي، زوجكِ، مازن، هو…
ـ مهلًا… تقصد عامِر!
ـ لا، فعامِر ليس اسمه الحقيقيّ، وكذلك عمَله في العقارات، ولهذا السبب لَم نجِده على الفور. فهو مطلوبٌ للعدالة منذ فترة، إذ أنّه مُتورِّط بِشبكة خطيرة ويُديرُ فرعها المحلّي.
ـ عامِر… أقصد ذلك الذي أسمَيتُه مازن… ليس خطيرًا، بل هو إنسان هادئ وعاقِل!
ـ لا، يا سيّدتي، بل العكس تمامًا. فلدَينا شكوك بأنّه أيضًا قاتِل خطير. وفي الأواني الأخيرة، هو شعَرَ أنّنا نلاحقُه، فسافَرَ معكِ إلى أفريقيا، أيّ إلى فرعهم الرئيسيّ هناك، ومقرّه ذلك الفندق. وفي هذه اللحظة، يتمّ توقيف جميع العاملين والنزلاء، فلقد انتظرَت الشرطة الأفريقيّة رحيلكِ قَبل بدء العمليّة.
ـ أمرٌ لا يُصدَّق! أشعرُ وكأنّني أستمِع لسيناريو فيلم أجنبيّ!
ـ الأفلام مأخوذة مِن الواقِع، صدّقيني.
ـ الآن فهِمتُ لماذا كان زوجي يبقى معي في البيت، ولا يخرجُ إلّا نادرًا وإلى أماكن مُعيّنة!
ـ أجل، كَي لا يراه أحَد ويتعرَّف إليه وإلى هويّته الحقيقيّة.
ـ ولكن لماذا هو تزوّجَني؟ فمِن الواضِح أنّه لَم يُحِبَّني.
ـ أظنُّ أنّه أرادَ أن يبدوَ كأيّ رجُل آخَر، أيّ زوج وأب لاحِقًا، هكذا يصعب الشكّ به، فيندمِجُ في المُجتمع بسهولة.
ـ ولَم يشترِ لي الحُلى والملابس الفاخِرة والسيّارة، كَي لا يلفِت الأنظار ويسأل الناس عن ثرائه الذي اتّضَحَ أنّه غير مشروع!
ـ تمامًا، أرى أنّكِ فهِمتِ اللعبة.
ـ أجل، لكن مُتأخِّرًا، للأسف. لكنّني سعيدة لأنّني لَم أُنجِب منه، فماذا أقول لابني أو ابنتي عن أبيهما؟ أنّه مُجرم ومُلقىً في السجن؟ قل لي، كَم سنة تظنّ أنّه سيبقى وراء القضبان؟ فالأمر مُقلِق!
ـ إطمئنّي سيّدتي، فأنا مُتأكِّدٌ مِن أنّه لن يخرج قَبل أن يصيرَ عجوزًا، فالقانون لا يتساهَل مع هؤلاء.”
طلّقتُ عامِر بسرعة ولِمتُ أهلي كثيرًا، لأنّ المال أعماهم لِدرجة أنّهم لَم يسألوا عن زوجي السابِق، فلو فعلوا، لَوجدوا أنّ لا أحَد يعرفُه تمامًا أو يعرفُ شيئًا عن عمَله الوهميّ بالعقارات، الأمر الذي كان كافيًّا لِعدَم الارتياح له، وعدَم زَجّي في مُغامرة خطيرة.
أنا اليوم أعيشُ في أوروبا عند قريبة لي، فلَم أعُد أطيقُ رؤية أهلي أو العَيش في البلَد نفسه حيث زوجي السابق مسجون.

أضف تعليق