(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
حين تعرّفتُ إلى جهاد كان والدي قد توفّيَ منذ خمس سنوات، وكنتُ أعيشُ لوحدي مع أمّي. أخي الصغير غادَرَ البلاد ليُكمِل دراساته العليا في الخارج، وتزوّجَ مِن فتاة أجنبيّة بدَلًا مِن أن يعودَ ويعيشَ معنا ليتقاسَم معي أعباء الحياة، ولمواساة أمّه التي لَم تستطِع التغلّب على غياب زوجها. قدوم جهاد على حياتنا أعطى نغمة جديدة لها، إذ أنّ والدتي أحبَّته كثيرًا، ليس فقط لأنّه شاب مُمتاز، بل أيضًا لأنّها اشتاقَت لوجود رجُل في البيت. إرتحتُ للموضوع، فتصوّروا موقفي لو هي لَم توافِق عليه! مِن جهته، فعَلَ جهاد جهده ليزوُرنا باستمرار، ولقد ألغَينا الكثير مِن مشاريعنا لنبقى مع أمّي ولا ندعَها لوحدها، بينما نتسلّى مع الأصدقاء أو نأكل في المطاعم. وبالطبع كنّا نأخذها معنا في الكثير مِن النشاطات وكانت تُسعِدُني رؤيتها وهي تبتسِم.
لكن وسط تلك الفرحة، كانت لوالدتي مخاوِف حول زواجي ورحيلي عنها، فهي كانت تُدرِك أنّ يومًا سيأتي ويكون لي بيت وعائلة. تفادَيتُ التكلّم معها في الموضوع ومنَعتُ خطيبي مِن إثارة مشاريعنا المُستقبليّة أمامها. حاوَلَت أمّ جهاد أن تتصادَق مع والدتي، لكنّ هذه الأخيرة لَم تتجاوَب معها كثيرًا، فالمرأتان كانتا مُختلفتَين كثيرًا. كنتُ أتمنّى لو نجحَت بذلك، فكان ليطمئنََّ بالي حين أتزوّج. حاولَتُ إقناع أخي بالعودة مِن حيث هو، لكنّه ضحِكَ مُطوّلًا عبر الهاتف ونعَتني بالمجنونة لمُجرّد التفكير بأنّه سيَترك بلَد كالذي يعيش فيه للعودة إلى بلَدنا حيث الأوضاع المعيشيّة والاقتصاديّة صعبة للغاية.
وفي آخِر المطاف، إتّكَلتُ على الله لِتدبير أمورنا، فأرَدتُ أن أسعدَ في تحضير زواجي وشقّتنا الجميلة التي استأجرناها ليس بعيدًا عن بيت أهلي طبعًا. وبالرغم مِن الدموع التي صارَت تملأ عَينَي أمّي مع اقتراب موعِد الفرَح، بقيتُ مُركِّزةً على حبّي لجهاد وحبّه لي، وعلى ما ينتظرُنا مِن سعادة وهناء.
تمَّت الفرحة الكبرى وذهبتُ وزوجي إلى شهر العسَل، وكَم سُعِدتُ بزيارة أماكن جديدة لطالما حلِمتُ بأن أراها. لكن قَبل عودتنا بيوم واحِد، وصلَني خبَر مؤسِف وهو أنّ والدتي أُصيبَت بأزمة قلبيّة. فهي كانت تُعاني مؤخّرًا مِن ضيق النفس، لكنّنا ردَدنا الأمر إلى تعَب التحضيرات للعرس. حمَدتُ ربّي لأنّنا كنّا على وشك العودة، فوصَلنا في اليوم التالي لأجِد والدتي مُلقاة على أريكة جارتنا وفي حالة يُرثى لها. صمَّمتُ على أخذها إلى المشفى، إلّا أنّ الجارة أخبرَتني أنّها طلبَت الطبيب ساعة وقوع الأزمة، وهو وصَفَ لأمّي الراحة التامّة على أمَل أن تزولَ الشدّة عنها، ولَم يرَ حاجة للمشفى. عندها طبعًا أخذتُ والدتي إلى شقّتنا الجديدة، فكيف أتركها لوحدها في بيتها أو على أريكة جيراننا؟ لَم يُمانِع جهاد طبعًا، فمَن يترك امرأة مريضة هكذا؟ كَبُرَ قلبي وتأكّدتُ مِن أنّني اختَرتُ الشخص المُناسِب لأربِطَ حياتي به. وضعنا والدتي في الغرفة الثانية المُخصّصة لِولَدِنا المُستقبليّ، وأمّنتُ لها كلّ سبُل الراحة. للحقيقة، تحسَّنَت حالة أمّي بسرعة، فصارَت تقوم بالأعمال المنزليّة والطهو في غيابي في العمَل. لكن، مِن وقت لآخَر، هي كانت تشعرُ بانتكاسات تُجبِرها على النوم في السرير لساعات طويلة.
خفتُ عليها كثيرًا، إذ أنّها أهمّ شخص في حياتي، لِذا، إتّصلتُ بالجارة التي استقبلَت والدتي بعد الأزمة، وطلبتُ منها رقم الطبيب الذي عايَنَها. وهذا كان ردُّها:
ـ الطبيب؟ آه… أجل، أجل… لكنّه مُسافِر.
ـ مُسافِر؟ منذ متى ومتى يعود؟
ـ لستُ أدري!
ـ إذًا كيف علِمتِ أنّه مُسافِر؟
ـ هو قالَ شيئًا عن سفَر قريب حين أتى.
ـ أعطِني رقمه، فمِن المُمكن أنّه عادَ إلى البلَد. أُريدُ استشارته.
ـ لقد… لقد أضَعتُ رقمه، أنا آسِفة.”
وأقفلَت المرأة الخط. بالطبع فهِمتُ أنّها تكذِب عليّ، لكن لماذا؟ للحقيقة، شكَكتُ بقصّة الطبيب، لكنّ عقلي رفَضَ التصديق، خاصّة أنّها مُتعلِّقة بموضوع جِديّ للغاية. فقرّرتُ مُراقبة حالة أمّي الصحّيّة عن كثَب.
مرَّت الأيّام وبدأ جهاد يسألني عن موعد رحيل أمّي. فمنذ زواجنا، لَم يتسنَّ لنا أن نتواجَد لوحدنا، وكلّ ما أرَدناه حين قرّرنا الارتباط، هو أن نعيشَ سويًّا ونبنيَ عائلة نحن الإثنَين. تفهّمتُ موقفه، فهو لَم يتزوّج أمّي، بل أنا فقط، لكنّني طلبتُ منه أن يصبرَ قليلًا إذ أنّ حالة والدتي بدَت لي أفضل. ما لَم أقُله، كان أنّني، بعد مُراقبتها، وجدتُها بأفضل حال… لكن حين لَم تكن بحاجة للتمثيل أمامنا! فهمتُ طبعًا خوفها مِن العَيش لوحدها، إلّا أنّنا نسكنُ بالقرب منها، وما هو أهمّ، أنّني أستحِقّ أن أنطلِقَ نحو مُستقبل مُستقِلّ، خاصّة بعدما قضَيتُ سنوات بِجانب والدتي.
لكن قَبل أن أواجِهها بأيّام معدودة، قالَت لي أمّي حين كنّا لوحدنا:
ـ أنا لا أُحِبّ جهاد.
ـ لماذا يا ماما؟ هل قالَ لكِ ما أزعجَكِ؟!؟
ـ لا… لكنّني لا أحبُّه… إنّه ماكِر… هو يتلاعبُ بكِ… أنا أعرفُ الناس أكثر منكِ، صدّقيني.
ـ يتلاعَب بي؟ كيف؟
ـ أنا شِبه مُتأكِّدة مِن أنّه على علاقة بامرأة أخرى.
ـ ماذا؟!؟ وكيف علِمتِ ذلك؟
ـ لقد سمعتُه يتكلّم عبر الهاتف مع احدَهنّ. آه، لِمِكره!
ـ جهاد لن يفعلَ ذلك أبدًا! لماذا تختلقين هذه القصّة؟!؟ لقد تزوّجنا للتوّ ولا حاجة له بإقامة علاقة مع أيّ كان!
ـ راقبيه! ألّا ترَينه كيف هو دائمًا مشغول بهاتفه؟
ـ ماما، جهاد ليس على علاقة بأحَد، وانتهى الموضوع. على كلّ الأحوال، حانَ الوقت لتعودي إلى بيتكِ، فأنتِ بحالة جيّدة الآن.
ـ أنا بحالة جيّدة؟!؟ قد أموت لو عُدتُ!
ـ بيتُكِ يبعدُ بضعة أمتار عن هنا، لو حصَلَ لكِ أيّ شيء، سأصِل إليكِ بغضون دقائق. أريدُ بعض الحميميّة مع زوجي!
ـ وهل أزعجُكما؟!؟
ـ لا طبعًا، لكنّ الأمر ليس سيّانًا. أرجوكِ يا أمّي، عودي إلى بيتكِ.”
رحلَت والدتي في اليوم التالي مِن دون أن تنظر إليّ، وجاءَت جارتها لتُساعدها على حَمل أمتعتها. فسألتُ المرأة: “هل وجدتِ رقم ذلك الطبيب؟”. لكنّها إرتبكَت وهربَت بسرعة بينما بدأتُ بالضحك.
تابَعتُ حياتي وزوجي كما كان يجِب أن تبدأ، وصرتُ أزورُ والدتي التي غيّرَت مزاجها بشكل مُفاجئ، فهي تصرّفَت معي بكلّ محبّة وفرَح وبقيَت تدعو لي بالتوفيق بزواجي. إرتاحَ بالي… لكن لفترة قصيرة.
فذات يوم، عادَ جهاد إلى البيت مهمومًا، وبعد أن أصرَّيتُ على معرفة مِمّا يشكو، هو قالَ لي:
ـ أمّكِ اتّصلَت بي اليوم لِتقولَ لي إنّكِ تخونيني.
ـ ماذا؟!؟ وهل أنتَ صدّقتَها؟
ـ بالطبع لا، ولكن… إنّها أمّكِ… وإن قالَت ذلك عنكِ فـَ…
ـ هي أتّهمَتكِ بالخيانة أيضًا.”
وأخبرتُه ما جرى قَبل فترة قصيرة. للحقيقة، فاجأتني تصرّفات أمّي، فكنتُ قد تقبَّلتُ أن تدّعي أنّها مريضة بالتواطؤ مع جارتها، وسامحتُها لأنّها حاولَت زَرع الشك في رأسي مِن جهّة زوجي، لكن أن تُحاوِل تشويه سُمعتي وتلطيخ شرَفي أمام جهاد، فلا! ماذا كانت تُريدُه أن يفعل؟ أن يُطلّقَني زوجي وأعودُ إليها؟ وماذا عن مشاعري؟ هل أنّ راحتها الشخصيّة أهمّ مِن سعادتي ومُستقبلي؟ ألا يحقّ لي أن أجِدَ الحبّ وأصبحَ أمًّا؟ هل عليّ البقاء معها حتّى آخِر أيامها وأدمِّر حياتي أنا؟ ألهذا هي أنجبَتني؟ لأكون رفيقة لها ومِن ثمّ مُمرِّضة على حساب أيّامي وشبابي؟!؟
رحتُ كالمجنونة إلى أمّي وقلتُ لها كلّ ما ذكرتُه أعلاه، ثمّ أضَفتُ:
ـ سأجلبُ لكِ مُساعِدة منزل، وهذا كلّ ما باستطاعتي فعله. وسأبذلُ جهدي لِنسيان مُحاولتِكِ تخريب زواجي. أنا لا أكرهُكِ، لكنّني لَم أعُد أعرفُكِ، فلقد رأيتُ جانبًا منكِ فظيعًا للغاية. سأبقى أزورُكِ كما في السابق، لكنّني لا أُريدُكِ أن تأتي إلى بيتي إلى حين أتأكَّد مِن أنّكِ نادِمة على ما فعلتِه وأنّكِ لن تُعيدي الكرّة. لن أسمَحَ لكِ بِتدمير حياتي.”
لَم تجِب أمّي لكنّها بدأت بالبكاء، ولَم أعرِف إن كانت دموعها صادِقة أم لا. بقيتُ على وعدي، فأتَيتُ لها بمُساعِدة تبقى معها ليلًا نهارًا، لتقومَ بالأعمال المنزليّة وتُسليها في آنٍ معًا.
في الفترة التي تلَت، عمِلتُ على نسيان ما حصَلَ، والتركيز على حياتي الزوجيّة التي تأذَّت مِن أفعال أمّي، فبقيَ جهاد يُراقبُني ليتأكّد مِن أنّني لا أخونُه حتّى فهِمَ تمامًا أنّها لعبة ماكِرة وليس أكثر. تصوّروا لو هو طلّقَني!
هدأت الأحوال نسبيًّا بيني وبين أمّي، خاصّة حين علِمتُ أنّني حامِل وكنتُ سأصبَح بدوري أمًّا. مِن ناحيتها، هي استوعبَت أنّها قد تخسَر حقّ رؤية مولودي إن هي لَم تعقَل وتُقِرّ بخطئها.
اليوم، وُلِدَ ابني وصارَ في الثانية مِن عمره ويرى جدّته على الدوام. لكنّ شيئًا في قلبي انكسَرَ تجاهها، فصِرتُ أخاف مِن أيّ تصرّف ينتجُ منها، خاصّة أنّها لَم تعتذِر منّي أبدًا على ما فعلَته أو تعترِف بأنّها أخطأت. على كلّ الأحوال، أنا إمرأة سعيدة مع زوجي وابني، وهذا هو الأهمّ!
