“تحت سيطرة زوج نرجِسيّ”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

طردَني صاحِب الشقّة التي أعيشُ فيها مع ولدَيّ، لأنّني رفضتُ دفع الإيجار الذي طلبَه منّي فجأة والذي لم يكن مُطابِقًا للمبلغ الذي اتّفقنا عليه. إتّصَلتُ على الفور بأختي إلهام لأطلبَ منها أن تستقبلنا، فأين كنّا سنذهب؟ هي تردّدَت قليلًا ثمّ قالَت لي: “بالطبع، بالطبع… تعالوا، نحن بانتظاركم”. للحقيقة، لَم يهمّني كثيرًا إن هي كانت مسرورة أو لا بنا، فكلّ ما أرَدتُه كان إيجاد سقف فوق رأسَي صغارَيّ. على كلّ الأحوال، لَم أكن أنوي المكوث عندها مُطوّلًا، خاصّة أنّها لَم تُسانِدني عندما توفّيَ زوجي، بل تصرّفَت كالغريبة معي، مع أنّنا كنّا في ما مضى مُقرّبتَين، هذا قَبل أن تتعرَّف على زوجها وترتبِط به. فذلك الرجُل كان بالفعل بغيضًا ومُتشاوِفًا، وأبعدَها عنّا شيئًا فشيئًا.
وصَلنا بيت إلهام وسط الليل، بعد أن حزَمتُ الحقائب وأرسلَتُ الأثاث إلى أهلي في القرية بانتظار إيجاد شقّة أخرى. كان صهري نائمًا وأختي بِلباس النوم. هي قادَتنا إلى غرفة الضيوف وتمنَّت لنا نومًا هنيئًا. نامَ ولَداي على السرير وافترَشتُ الأرض، وغرِقنا في النوم بغضون دقائق لكثرة تعَبنا مِن ضبّ أمتِعتنا، ولِحزننا على تَرك مكان عشنا فيه لسنوات ويحملُ ذكريات سعيدة وأخرى أليمة، أعني التي تتعلّق بالمرحوم زوجي.
في الصباح، إجتمَعنا في المطبخ حول الفطور، وسألَني زوج أختي على الفور عن طول فترة مكوثنا عندهم، فأجبتُه بأنّني سأبحث عن مكان آخَر على الفور. وبعدما ذهَبَ إلى عمَله، شعرتُ بتغيّر في مُعاملة أختي لنا، إذ بدَت سعيدة لوجودنا، وبدأَت تُلاعب ولدَيّ وتسألهما مئة سؤال عن المدرسة وأشياء مُماثِلة. المسكينة، هي لَم تُنجِب قط، لذا كانت سعيدة بوجود أولاد في بيتها. لَم أسألها يومًا عن ذلك الموضوع، فهذا شأن شخصيّ للغاية ولا يحقّ لي التدخّل في ما لا يعنيني. بعد ذلك، أعَدنا تنظيم غرفة الضيوف بشكل أفضل، فوضعنا فيها أريكة لأنام عليها، وعلَّقنا الملابس في الخزانة ووضَعنا الألعاب على الرفوف. إبتسَمتُ للنتيجة لأنّ صحّة ولَدَيّ النفسيّة كانت مِن أولويّاتي طبعًا.
مرَّت الأيّام والأسابيع ولَم أجِد شقّة لأنتقِل إليها لأسباب مُختلِفة. فإمّا كان الإيجار عاليًا، أو المكان ضيّقًا، أو بعيدًا عن مدرسة ولَدَيّ. ولَم أكن أنوي تغيير المدرسة، فذلك كان سيزيدُ مِن قلَق صغيرَيّ. ألَم يكفِهما فقدان أبيهما والمكان الذي وُلِدا فيه؟
ساهَمتُ طبعًا بالمصاريف، فكنتُ امرأة عامِلة والحمد لله، وأستطيع إبقاء رأسي مرفوعًا وعدَم مَدّ اليَد لأحَد، خاصّة لِصهري الذي كان يعُدّ القروش ويَحرم أختي غالِبًا مِن أيّ نوع مِن الرفاهيّة، مع أنّه كان مُقتدِرًا ويشغلُ وظيفة جيّدة جدًّا في أكبر المصارف. هو لَم يكن بخيلًا، لأنّ كانت لدَيه سيّارة فخمة ومسكنٌ أنيقٌ ويدعو العملاء إلى أرقى المطاعم. لكنّه كان يُبقي إلهام “في مكانها” كَي يُسيطِر عليها ويسحَق شخصيّتها تمامًا. رجُل نرجِسيّ بامتياز! إلّا أنّني لَم أتدخَّل يومًا بزواجهما، فأختي كانت راشِدة وبإمكانها أن تقِف في وجهه أو تَتركه إن شاءَت، فلَم تكن مرتبِطة به مِن ناحية الأولاد. لكنّ المسكينة وقعَت في حبّه وهي يافِعة، فتزوّجَته بعد أن تركَت المرحلة الثانويّة مِن دون نَيل أيّ شهادة تُخوّلها الحصول على عمَل يُمكِّنها مِن العَيش باستقلاليّة. لَم أكن أعلَم بعد أنّ ضحايا النرجسيّين قلّما يفلِتون منهم، ليس للأسباب التي عدَّدتُها، بل لأنّهم مُرتبطون بهم نفسيًّا، وهم مُستعدّون في بعض الأحيان، لِفعل ما لا يُمكننا تصوّره. وما حصَلَ لاحِقًا كان صعب التصوّر والتصديق!
فذات يوم، قالَت لي أختي بعدما نامَ صغيراي:
ـ زوجي… هو يجِدُ أنّكِ أطَلتِ المكوث عندنا.
ـ ماذا؟ وأنتِ، ما رأيكِ؟
ـ أنا سعيدة بكِ وبولدَيكِ! فلقد ملأتم حياتي وأعَدتم البسمة إلى وجهي!
ـ لماذا هو مُنزعِج منّا؟ ولدايَ هادئان للغاية وأنا أدفعُ كلّ مصاريفنا.
ـ أعلَم، أعلَم… لكنّه يظنّ أنّ بإمكانكِ فعل المزيد للتعويض له عن مقاسمة شقّتنا معكِ.
ـ المزيد؟ أنا أفعلُ كلّ ما بوسعي، صدّقيني!
ـ أُصدّقُكِ… لكنّه… تَعلمين كيف هو… يُريدُ…
ـ ماذا يُريد؟ تكلّمي!
ـ زوجي… لدَيه أفكار مُميّزة أحيانًا… أعني ميول خاصّة به…
ـ لستُ أفهَم!
ـ مِن وقت لآخَر، هو يُحِبّ أن يكون بِصحبة شخص آخَر عندما… عندما…
ـ عندما ماذا؟!؟
ـ أعني في السرير.
ـ ماذا؟!؟ قولي لي إنّكِ لا تقصدين… وكيف تقبلين ذلك؟ ما دهاكِ؟!؟
ـ لن تفهمي… فزوجي يُريدُكِ أن تشتركي معنا ليلة في الأسبوع.”
ومِن دون أن أُفكِّر في الموضوع، صفَعتُ إلهام بكامِل قوّتي ونعَتُّها بالفاسِقة، قَبل أن أدخُل الغرفة وأقفِل الباب بالمفتاح. كنتُ أغلي مِن الغضب، ليس فقط بسبب طلَب صهري الفاسِق، بل لأنّ إلهام تجرّأت وأطلعَتني على الخطّة وكأنّني كنتُ سأقبَل! مِن جهّة ثانية، حزِنتُ عليها لأنّها تضطَرّ لِفعل تلك الأمور القذِرة كَي تُحافِظ على زوجها وزواجها. ما الذي حلَّ بها لِتصبح هكذا؟ ماذا فعَلَ لها ذلك الشيطان ليقضي على إرادتها وكرامتها؟!؟
أسرَعتُ بالاتّصال بأهلي في القرية، لأقول لهم إنّني آتية إليهم مع ولدَيّ. فلَم أكن قادِرة على العَيش في ذلك المكان النتِن ولو ساعة واحِدة! حزَمتُ أمتعتنا بسرعة فائقة، وأخذتُ صغيرَي وغادَرتُ مِن دون أن أوّدِع أختي التي بدأَت تبكي بقوّة طالبةً السماح. أيّ سماح؟!؟ فلِتذهب إلى الجحيم وزوجها! هي كانت مُستعِدّة لِزجيّ في ألعابهما القذِرة لأنّني أعيشُ معهما، ولأنّ عليّ “فعل المزيد” لأستحِقّ المكوث عندهما؟
وصلتُ القرية بعد ساعات طويلة، فالطريق كان طويلًا وشاقًّا. لَم أقُل لأهلي طبعًا عن سبب تَركي لِبيت أختي، بل ادّعَيتُ أنّ ولَدَيّ اشتاقا لهما. وبعد أن هدأتُ قليلًا، بدأتُ أُخطِّط لبناء حياتي في تلك القرية أو حولها، فلَم أكن قادِرة على العَيش في المدينة المُكلِفة. بقيَ عليّ إيجاد عمَل آخَر ومدرسة أخرى، لكنّ وجود أهلي معي أعطاني القوّة والأمَل.
لن أدخل في تفاصيل البحث الذي قمتُ به، لكنّني وجدتُ مدرسة مُناسِبة خارج القرية، أيّ في المدينة المُجاوِرة، وعمَلًا في قسم المُحاسبة في المدرسة نفسها. فلقد سهَّلَ الله كثيرًا أموري، ولن أشكره كفاية.
لكنّ القصّة لَم تنتهِ هنا!
فلقد تلقَّيتُ اتّصالًا مِن إلهام تُحذِّرني مِن زوجها، لأنّه ينوي اتّهامي بِسرقته لأنّني رفضتُ دخول لعبته القذِرة. وأضافَت أنّه سيجبرُها على الكذِب واتّهامي أيضًا. سكتُّ مُطوّلًا قَبل أن أقولُ لها:
ـ سيُجبِركِ؟ كيف؟ وهل أنتِ مُجبرة على الكذِب مِن أجله واتّهام أختكِ؟!؟ ناهيكِ عن طلَبكِ البشِع الذي أجبرَنا على الرحيل!
ـ لن تفهمي.
ـ بل أفهَم تمامًا… أفهَم أنّ ذلك الرجُل مُسيطِر على إرادتكِ وفكركِ وعواطفكِ وجسدكِ! قولي لي… ماذا تجنين مِن علاقتكِ به؟ لَم أرَكِ تلعَبين بالمال، وتلبسين الحُلى والفساتين الفاخِرة، أو تحملين الحقائب الثمينة! هو لَم يشترِ لكِ حتّى سيّارة، بل يُبقيكِ مُرتبطة به. لماذا؟!؟ لماذا أنتِ تحت قبّته؟!؟
ـ أنا أحبُّه.
ـ لكنّه لا يُحبُّكِ. بل أنا أُحبُّكِ وكذلك أهلنا والعديد مِن الناس هنا. أتركيه الآن! أنظري إلى ما آلَت إليه حياتكِ! تتقاسمين فراشكِ مع نساء أخريات، وتنوين الشهادة ضدّي، حتّى لو عنى ذلك دخولي السجن! إصحي! إصحي!”.
لَم أتوقّع أبدًا وصول إلهام إلى بيت أهلي بعد يومَين. كانت حالتها في أدنى مُستوياتها ودموعها على وجهها. أخبرَتنا أنّها وقفَت في وجه زوجها في ما يخصّ مسألة السرقة، وهو هددَها بِحَبسها في الغرفة مِن دون أكل أو شرب، كما فعَلَ بها في أحَد الأيّام. عندها، هي ادّعَت الانصياع، وصارَت تُقبِّله وتعِده بكلّ الذي يُحبّه، إلى أن اطمأنّ بأنّه لا يزال يُسيطِر عليها. وعندما ذهَبَ إلى عمَله، حزمَت حقيبةً وهربَت إلينا في سيّارة أجرة.
أقَمنا لأختي مأدبة غداء ضمَّت العائلة كلّها والأصحاب يوم طلّقَها زوجها، فذلك الحدَث كان يستحِقّ الاحتفال! أعلَم أنّ إلهام لا تزال تُحِبّ زوجها السابِق، على طريقتها، لكنّها ستشفى منه قريبًا، خاصّة أنّني علِمتُ منها أنّه العاقِر وليس هي، وأنّها تحلمُ بالإنجاب.
هناك رجُل نعرفُه يبحثُ عن زوجة بعدما صارَ أرملًا، وهو الآخَر لَم ينعَم بالأطفال بسبب مرَض زوجته. أُخطِّط لِجَمع أختي به عندما يحين الوقت وأتأكّد مِن أنّها مُستعِدّة لِبناء حياتها مِن جديد بطريقة سليمة.

أضف تعليق