(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
لقد أعطَيتُ دارين كلّ شيء: الحبّ، الاحترام، المال والراحة. للحقيقة، هي كانت تُمثِّل بالنسبة لي المرأة المثاليّة، وأعترِفُ أنّ افتتاني بها كان جسديًّا، إذ أنّ ما جذَبَني بها كان شكلها المُثير ودلَعها، وقدرتها على أن تُشعِرني وكأنّني ملَكتُ العالَم بأسره. فأنا رجُل بسيط مِن الداخل، بالرغم مِن نجاحي المهنيّ الذي سمَحَ لي بالعَيش كما يحلمُ الكثيرون. فلقد تربَّيتُ بطريقة تقليديّة على يَد أهل بسطاء، وأتقياء وفقراء. والمال الذي جمعتُه جاءَ لاحِقًا، بعد أن تعِبتُ واجتهَدتُ وصبِرتُ. فاعتبَرتُ دارين تتويجًا لِنجاحي، وبنظري كنتُ أستحِقُّ أن أنالَ أجمَل النساء. ولقد تباهَيتُ بها كثيرًا أمام الناس حين كنّا نذهب إلى تلك الحفلات الأنيقة، ورأيتُ كيف كان الرجال يحسدوني عليها. لكن بعد فترة، أيّ بعد حوالي السنتَين، بدأ يتلاشى ذلك الافتتان، وصِرتُ أرى شخص دارين وليس شكلها. فالواقع أنّني لَم أعُد أجِدها جذّابة، عندما كانت تصرخُ بي إن تأخّرتُ عن تلبية مطالبها، أو حين كانت تنظرُ إلى الرجال كما كانت تنظرُ إليّ في بدء علاقتنا. لَم أشعرُ بالغيرة لكن بالاشمئزاز، بعد أن أدركتُ أنّ تلك المرأة لَم تكن تملكُ سوى جسدها وليس أكثر. فهي لَم تكن قادِرة على الدخول في أيّ حديث ذي معنى حقيقيّ، أو تهتمّ بأمر سوى شكلها وجمالها، أو تكنُّ مودّة لِشخص غير شخصها. وأنا لا ألومُها، فهي لَم تتغيّر، بل كانت هكذا منذ البداية. أنا الذي صِرتُ أرى الأمور على حقيقتها وزوجتي كما لطالما كانت.
وقعتُ في حيرة مِن أمري، فماذا عليّ فعله؟ مُتابعة حياتي مع دارين بعد أن زالَ حبّي لها، أو تركها مِن دون سبب وجيه، فقط لأنّني كنتُ مُغفّلًا وأرَدتُ أن أثبِتَ للناس ولِنفسي أنّني رجُل نجَحَ في كلّ المجالات؟ هل أنّ كلّ ما فعلتُه خلال حياتي كان مُحاولة للانتصار على الفقر الذي أخافَني خلال طفولتي؟
وجدتُ أنّ الحلّ المؤقّت كان التركيز على أعمالي، على أمَل أن آخذَ يومًا قراري بشأن زواجي، فصِرتُ أُسافِرُ بشكل دائم تارِكًا دارين لوحدها مع الكثير مِن المال، لأتجنَّب توبيخاتها ووجودها معي. مِن ناحيتها، لَم يهمُّها كثيرًا أن أكونَ غائبًا ما دمتُ أُعطيها ما إعتادَت عليه، فوجَدنا توازنًا أرضى كلَينا.
في تلك الفترة، شعرتُ أنّني صِرتُ رجُلًا حرًّا. ومَن يقول حرًّا، يقولُ عازِبًا. لستُ أتباهى بنفسي، بل أعترِفُ أنّني أخطأتُ بِبَحثي عن حبٍّ جديد. فالمرء لا يستطيع العَيش مع قلب فارِغ. ستقولون لي إنّ بإمكاني كان تطليق دارين وعَيش حياتي كما يحلو لي. أُطلِّقها، لكن تحت أيّ عذر؟ لأنّني سئِمتُ منها؟ هي لَم تتغيّر، كما ذكرتُ سابِقًا، أنا الذي تغيّرَ. إضافة إلى ذلك، ماذا كان سيقولُ الناس عنّي؟ أنّني أُطلِّقُ امرأة فائقة الجمال؟ هم لن يفهموا أنّ لا معنى للجمال إن كان فارِغًا، فمجتمعنا مَبنيّ على المظاهر، وكنتُ أوّل من يركضُ وراء تلك المظاهِر البرّاقة، فكيف ألومُ غيري؟
وقعتُ في حبّ مُضيفة طيران كنتُ ألتقي بها مرارًا على متن الطائرة التي تقلّني مِن وإلى وجهتي. أحبَبتُها ليس لِجمالها، فهي كانت عاديّة الملامِح مُقارنةً بدارين، لكنّي أحببتُها لِنعومتها وبسمتها، ولاحقًا لِعمق تفكيرها حين صِرنا نلتقي ونجلسُ سويًّا. أحبَبتُ وداد لأنّها كانت بالفعل تشبهُني في كلّ شيء، ومعها وجدتُ أخيرًا نفسي. فحتّى ذلك الحين، كنتُ إنسانًا يركضُ وراء الانجازات ليُثبِتَ لنفسه وللعالَم أنّه لَم يعُد ذلك الولَد الفقير الذي عانى آنذاك مِن مستقبل محتوم في دوّامة القلّة التي عاشَ فيها كلّ رجال عائلته. بعد ذلك، ومع وداد، إكتشفتُ مَن أنا حقًّا، نقاط ضعفي التي طمَرتُها خوفًا مِن مواجهتها، ومشاعري العميقة تجاه العالَم والمرأة. مع وداد، وجدتُ الحنان الحقيقيّ الذي أذابَ روحي وصقَلَها لِيُحوِّلها إلى ماسة ثمينة.
أردتُ أن أتزوّج وداد، لكنّها رفضَت أن تصبَحَ زوجة ثانية، وتفهّمتُ الأمر تمامًا، إذ كان يحقُّ لها أن يكون زوجها كلّه لها وألّا تتقاسمَه مع أحَد. فبقيَ عليّ ان أُطلِّقَ دارين بطريقة سلميّة وسلِسة، وألّا أظهَر وكأنّني رجُل بلا قلب أو خفيف يركضُ وراء نزواته.
لَم تتقبَّل دارين الموضوع على الاطلاق، مع أنّني طمأنتُها إلى أنّها ستحصل على شقّة جميلة ونفقة كبيرة تُمكِّنها مِن العَيش بِرخاء. لكنّها أرادَت كلّ شيء، ورفضَت أن تتركني وشأني مِن دون معركة. وحين دخَلَ المُحامون على الخط، بدأ عذابي.
فالمشكلة أنّ مُحامي دارين وجَدَ إثباتات على علاقتي بِوداد، ما يُعَدّ خيانة وزنى، الأمر الذي كان سيُخسِرني الكثير مِن المال والأملاك. أخفَيتُ عن وداد الوضع الذي كنتُ فيه لأُجنِّبها القلَق، لكنّها لاحظَت أنّني مهموم على الدوام وأنّ بسمتي اختفَت. عندها، أطلعتُها على ما يدورُ بيني وبين المُحامي وكيف أنّ علاقتنا ستكون السبب في مآسٍ مادّيّة واجتماعيّة جسيمة.
قطعَت وداد علاقتها بي، ليس لأنّها لا تُريدُني، بل لِتحميني، على أمَل أن يُحقِّق ابتعادها تقدّمًا في القضيّة. صِرتُ كالضائع مِن دونها ولَم يعُد يهمّني المال أو الأرزاق، بل هي فقط. لكنّها بقيَت مُصرِّة على الانفصال، خاصّة بعدما شعرَت أنّها السبب في ما يحصلُ لي. ألَم تكن تعلَم أنّها سبب سعادتي وولادتي مِن جديد؟ كيف تفعلُ ذلك بي؟ كيف كنتُ سأواصِل مِن دونها؟
طلبَت وداد أن تُنقَل إلى بلَد آخَر، فاختفَت بين ليلة وضحاها، ولَم أستطِع معرفة أين هي صارَت تعيش. بتُّ كالمجنون ولَم أعُد قادِرًا على التفكير في سواها، فصبَبتُ غضبي كلّه على دارين. ألَم تكن هي السبب في تعاستي؟ لِما لَم تقبَل بالطلاق بطريقة سلميّة؟ لماذا الطمَع؟ ألن تكتفي يومًا؟
ولكثرة امتعاضي مِن زوجتي التي لَم تشأ إعطائي حريّتي إلّا بعد تجريدي مِن كلّ شيء، دقَّيتُ باب بيتنا ذات مساء، وعنَّفتُها لِدرجة لا توصَف. أجل، لقد تحوّلتُ إلى وحشٍ ضارٍ لَم أتخيّل وجوده في داخلي. وعندما نظرتُ إليها وهي مُمدّدة على الأرض مُغطاة بالدماء، إتّصلتُ بالشرطة ليأتوا ويلقوا القبض عليّ، فكنتُ أستحِقُّ أن أعاقَب بعد الذي فعلتُه. لَم أُقاوِم عندما كبّلوني وأخذوني إلى القسم للتحقيق، بل وقفتُ أنظرُ إلى رجال الإسعاف الذين نقَلوا دارين إلى المشفى، حيث قضَت وقتًا طويلًا لِتتعالَج مِن كسورها العديدة.
حكمَت المحكمة عليّ بالسجن طبعًا، وبِدفَع مبلغٍ كبير لِتغطية تكاليف علاج زوجتي ومبلغ آخَر كعطل وضرَر. دخلتُ السجن رجُلًا مكسورًا غير آبِهٍ بما ينتظرُني لأنّني كنتُ مُذنِبًا، ولأنّ وداد كانت بعيدة في مكان مجهول عنّي. فما معنى حياتي مِن دونها، وما معنى حرّيّتي إن كنتُ غير قادِر على عَيشها مع حبيبتي؟
حاولتُ الوصول إلى وداد بواسطة معارفها، طالِبًا منهم أن يخبروها بما حلَّ بي ولماذا، لكنّني لَم أسمَع منها على الاطلاق. لَم أفهَم سبب صمتها، ألَم تتركني لأنّها تسبّبَت لي بالأذى حين أردتُ تطليق زوجتي مِن أجلها؟ لماذا مُعاقبتي على شيء فعلتُه لأكون معها؟ لَم أجِد أجوِبة على تساؤلاتي، فقضَيتُ فترة سجني بصمت وقناعة. في تلك الأثناء، أوكَلتُ أعمالي لِمساعديّ الذين تابعوا العمَل كَي لا يفقدوا وظائفهم، وقاموا بالمُهِمّة على أكمَل وجه. طلّقَتني زوجتي بعد أن أخذَت منّي كل ما أرادَته، فارتاحَ بالي أخيرًا منها ومِن مُصيبتي معها. على كلّ الأحوال، لَم يعُد يُهمُّني الأمر، فكل ما أردتُه هو فَهم كيف استطعتُ أذيّتها في حين لَم أؤذِ ذبابة في حياتي. ركّزتُ على مُصارحة نفسي ومُصالحتها في السجن، وقرأتُ الكتب وتعمّقتُ في الفلسفة والدين. وهكذا مرَّت الأيّام والأشهر والسنوات.
وحين خرَجتُ أخيرًا، كنتُ قد صِرتُ إنسانًا آخَر تمامًا. فلَم أعُد أفكِّر بوداد أو دارين، أو بالحبّ بصورة عامّة. عدتُ إلى شركتي واستقبلَني الجميع بِفرح عارِم، فتابعَنا أعمالنا بِحماس وسُرِرتُ أنّ الأمور جرَت على ما يُرام أثناء غيابي.
وفي تلك الفترة، لَم أتصوّر أن تعودَ المرأتان اللتان غيّرتا مجرى حياتي، وأنّ يحصل ما حصَلَ مِن جرّاء ذلك.
(يتبَع)
