” أحبَبتُ امرأتَين ” ـ الجزء الثاني والأخير ـ


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

شعَرتُ بأنّ القدَر قد أعطاني فرصة ثانية بعد خروجي مِن السجن، ومواصلة أعمالي وكأنّني لَم أغِب عنها، وذلك بِفضل فريق عمَلي الوفيّ. فهم حافظوا على وظيفتهم وعلى مصالحي، لأنّهم فهِموا أنّني لستُ إنسانًا خطِرًا أو مُجرِمًا، بل أنّني وصَلتُ إلى درجة مِن الغضب والامتعاض قادَتني إلى ارتكاب ما لَم أكن لأفعله في حالتي العاديّة. وضعتُ ورائي دارين زوجتي السابِقة التي أخذَت كلّ ما أملك، ووداد التي تركَتني وسافرَت بعيدًا واختفَت كلّيًّا عن السمَع والنظَر.
مرَّت حوالي السنة على هذا النحو، حين وصلَتني رسالة مِن دارين تطلبُ فيها أن نتقابَل لأنّها أرادَت أن تقولَ لي وجهًا لوجه إنّها سامحَتني. قبِلتُ الدعوى، فكنتُ أشعرُ حيالها بالذنب، والتقَيتُ بها في مكان عام، فآخِر شيء أردتُه هو أن أكون لوحدي معها ويحصلُ أيّ شيء قد يُفسَّر على أنّني لا أزال عدائيًّا.
للحقيقة، إنبهَرتُ بدارين تمامًا مثل أوّل مرّة رأيتُها، فهي صارَت أجمَل مِن السابِق! فلا تنسوا أنّني قضَيتُ سنوات في السجن بعيدًا عن النساء، ولَم أعِ مدى حاجتي للتواجد مع امرأة قَبل ذلك الموعد. وعندما افترَقنا بعد أن قدّمتُ أحَرّ اعتذاري لِزوجتي السابِقة وهي أكّدَت لي أنّها سامحَتني، كنتُ قد وقعتُ في حبّها مِن جديد. في حينها، وجدتُ أنّ مكاني هو مع دارين، لأنّها في آخِر المطاف لَم تفعل أيّ شيء لي، بل أنا الذي سئِمَ منها وخانَها. وبما أنّني نسيتُ أمر وداد كلّيًّا، رأيتُ أنّ أفضل ما يُمكِنني فعله، هو العودة إلى زوجتي السابِقة.
بدأتُ حملة غزَل مُكثّفة، وبدأَت دارين تلينُ شيئًا فشيئًا، إلى حين هي قبِلَت أن تُعطيني فرصة أخرى. ففي قرارة نفسها، كانت هي الأخرى تُحبُّني. عارَضَ الجميع فكرة عودتنا إلى بعض، لكنّني لَم أستمِع لأحَد، فتزوّجنا ورحنا نقضي شهر عسَل فاخِر، لأنّ دارين تستحقّ الأفضل. ألَم تكن هي الأجمَل بين النساء؟
قرّرَت دارين الإنجاب لِترسيخ حبّنا إلى الأبد، وفكرة أن أصبَحَ أبًا كانت تجلِبُ الدموع إلى عَينَيّ. عشتُ فترة حبّ جميلة وبدَت الحياة رائعة بالفعل لِدرجة أنّني نسيتُ السجن وفظاعته… إلى حين اتّصلَت بي وداد!
سكتُّ مُطوّلًا لدى سماع صوتها، فهي اتّصلَت مِن رقم غير مُسجَّل في هاتفي، لكنّه كان محلّيًّا. فهمِتُ على الفور أنّ وداد هي في البلَد، فبدأ قلبي يدقُّ بسرعة. وتسارعَت الأسئلة في رأسي بينما هي كانت تقولُ لي إنّها بحاجة لرؤيتي، لتقصَّ عليّ ما حدَثَ لها ولماذا هي اختفَت. خطَرَ ببالي أن أقولَ لها إنّني تزوّجتُ دارين مِن جديد وإنّها حامِل وعليها تركي وشأني، لكنّ فضولي تغلَّبَ عليّ. وهكذا، رحتُ أُقابِل وداد لأعرِف لماذا تصرّفَت معي بذلك الشكل، وأُنهي المسألة نهائيًّا.
ولدى رؤيتها، عادَت إليّ مشاعري القديمة فجأة. أعلَم ما سوف تقولون عنّي، إنّني رجُل ضعيف وغير مُستقِّر عاطفيًّا، وإنّ دارين أعطَتني فرصة ثانية ولستُ أهلًا بها، وقد تكونون على حقّ. لكن عليكم انتظار باقي القصّة لِتحكموا عليّ وعلى دارين ووداد.
بدأَت وداد بالبكاء وهي تروي لي ما حدَثَ لها في الغربة وكيف أنّها كانت تُحبُّني، ولا تزال، إلّا أنّها إرتكبَت هفوة كلَّفَتها سنوات مِن عمرها. فعندما سافرَت آنذاك، تعرّفَت على رجُل أحاطَها بالحبّ والحنان والمال، فهو كان على عكسي عازِبًا وأرادَ ربط حياته بها. وبما أنّها كانت مُمتعِضة منّي لأنّني أطَلتُ في تطليق زوجتي وتشعرُ بالذنب حيالي في آن معًا، قبِلَت عرض ذلك الشخص فتزوّجَته. إلّا أنّه تحوَّلَ فجأة إلى شخص بغيض فحبَسَها في البيت وأساءَ مُعاملتها لِدرجة لا توصَف. وأكملَت أنّها قضَت سنين سجينة زوجها إلى حين استطاعَت الهروب منه تاركةً وراءها إبنتها التي أنجبَتها منه. وها هي في البلَد بصورة دائمة، وتُريدُ التعويض لي ولها عن العمر الذي ضاعَ منّا.
وبعد أن فهِمتُ أخيرًا سرّ صمتها، إمتلأت عَينايَ بالدموع، خاصّة بعدما طلبَت منّي مُساعدتي على إعادَت ابنتها لها. فلو كانت الظروف مُختلِفة، لكانت تلك الفتاة الصغيرة هي ابنتي.
عدتُ إلى البيت حائرًا، فلَم أكن أُريدُ إعادة الخطأ نفسه مع دارين التي لطالما كانت إنسانة واضحة معي. ماذا أفعَل؟؟ أتركُ وداد لوحدها بعدما تزوّجَت أوّل رجُل تعرّفَت عليه بسبب حبّها لي الذي لَم يكتمِل، وأتركُ ابنتها مع أب عنيف؟ وماذا عن طفلي الذي لَم يولَد بعد؟
قرّرتُ عدَم التصرّف، بل الانتظار حتّى تهدأ مشاعري وأستطيع رؤية الأمور بوضوح أكبَر.
مرَّت الأسابيع وأنا مُحتار، ورأيتُ وداد بضع مرّات خلال تلك الفترة، وبقيتُ على اتّصال سرّيّ معها. أعطَيتُها المال اللازِم لتعيشَ في الشقّة الصغيرة التي سكنَت فيها، ومبلغًا كبيرًا لِتسهيل تهريب ابنتها مِن ذلك البلَد. فكان هناك أناس باستطاعتهم خطف الصغيرة وارسالها لها. قَرُبَ موعِد ولادة ابني، ولَم أهمل دارين، بل كنتُ زوجًا صالِحًا لها، على الأقلّ ظاهريًّا، فقلبي بقيَ ملك وداد. لكنّني لَم أخُن زوجتي في تلك المرّة، إذ تعلّمتُ الدرس!
وُلِدَ إبني وكنتُ أسعَد الرجال، وأقسَمتُ له أنّني سأحميه وأبقى إلى جانبه حتّى مماتي، وكنتُ صادِقًا في وعدي… إلى حين وصلَت أخيرًا ابنة وداد ورأيتُها، فذابَ قلبي لأنّها كانت نسخة طبق الأصل عن أمّها. هل كان بإمكاني أن أُحِبّ امرأتَين وطفلَين بالقدر نفسه؟ هكذا ظننتُ. فبعد أن استعادَت وداد ابنتها، طلبَت منّي تطليق دارين، الأمر الذي لَم أكن أنوي فعله. ولذلك عرضتُ عليها أن تكون زوجتي الثانية فرفضَت قطعيًّا، كالمرّة السابِقة. هل كنتُ سأخسَر وداد مُجدّدًا، وابنتها التي سرقَت قلبي؟ ماذا أفعَل؟ كيف زجَّيتُ نفسي في ذلك المأزق مُجدّدًا؟
صارَت لي حياة مُزدوجة أتعبَتني كثيرًا، إذ أنّني كنتُ أكذِبُ على زوجتي على مدار الساعة. ولَم أكن فخورًا بنفسي، صدّقوني!
إستمرَّ الوضع هكذا لِحوالي السنة، واستعدَّت وداد للسفَر مع ابنتها إلى جهّة مجهولة مُجدّدًا، فخفتُ كثيرًا… إلى حين طلبَت دارين الطلاق! تفاجأتُ كثيرًا بالأمر، فكنتُ قد أخذتُ كلّ الاحتياطات اللازِمة كَي لا تعلَم بعلاقتي، العذريّة، بوداد. هل هي وضعَت لي مَن يُراقبُني ويلحقُ بي؟ لكنّ الأمر كان مُختلفًا تمامًا، إذ أنّ السبب التي اتّخذَته دارين حين رفعَت عليّ الدعوى، كان أنّني أعنِّفها وأنّني أُشكِّلُ تهديدًا على ابننا! وهي استندَت في المحكمة على اعتدائي عليها في ما مضى ودخولي السجن. حكمَت المحكمة بالطلاق، وأعطَتها طبعًا الحضانة الحصريّة وأجبرَتني على ترك البيت الذي صارَ مِن حقّها، وعلى دفع نفقة لها ولابننا قُدِّرَت بحسب المال الذي أجنيه مِن الشركة.
لَم أفهَم لماذا فعلَت دارين ذلك بي، لكن تبيّنَ لي لاحقًّا، بعد أن تحدّثتُ جدّيًا مع أقاربها، أنّها عادَت إليّ فقط بِداعي الانتقام ولتأخذ منّي ما تبقّى لدَيّ. أنجبَت لي ولَدًا لِتحرمني منه ولِتحصل على مالٍ أكثر. قيلَ لي إنّها كانت تُريدُ طفلًا على كلّ الأحوال، فرأت أنّ ذلك سيفيدُها أيضًا في خطّتها. لَم أُصدِّق أذنَيّ وركضتُ إلى وداد لأُخبرها كلّ شيء ونتزوّج أخيرًا.
إستقبلَتني وداد بذراعَين مفتوحَين، لكنّها أسِفَت أن أكون قد خسِرتُ الكثير، لكنّني طمأنتُها بأنّني رجُل أعمال ناجِح وباستطاعتي تعويض الذي خسِرتُه بعد سنوات قليلة. كلّ ما يلزم هو أن نعيشَ سويًّا في شقّتها الصغيرة إلى حين أقِفُ على رِجلَيّ مِن جديد. وهي وافقَت، فاتّفقنا على موعد الزواج… لكنّها اختفَت مرّة أخرى!
فيوم رحتُ أدقُّ بابها مُحمَّلًا بالأكياس المليئة بالمأكولات والهدايا، لَم يفتَحَ لي أحَد. حاولتُ الاتّصال بها إلّا أنّ خطّها كان مُقفلًا. عندها سألتُ جيرانها عنها، فقالوا لي إنّها غادرَت المبنى مع ابنتها. وفي سياق الحديث معهم، علِمتُ أنّ وداد وصلَت المبنى منذ سنوات… مع زوجها! وولِدَت الصغيرة بعد فترة قصيرة وماتَ الزوج منذ سنة ونصف. ماذا؟!؟ ماذا عن الزوج العنيف في الغربة؟ وماذا عن خطّة استرجاع الابنة التي كلّفَتني مبالغ كبيرة؟ لَم أفهَم ما جرى إلّا حين جلستُ مع نفسي في غرفة فندق، بعد أن لَم يعُد لي مكان أعيشُ فيه. فهِمتُ أنّ وداد، بعد أن صارَت أرملة، تذكّرَتني وخطّطَت لِنَيل المال منّي بإخباري قصّة جديرة بأفلام السينما. وحين هي علِمَت أنّ طلاقي سيتركني مِن دون شيء، هي لَم تشأ الانتظار، بل فضّلَت الرحيل، ربّما لإيجاد مُغفَّل آخَر. سؤال أخَر حيّرَني: لماذا تركَتني وداد في أوّل مرّة؟ وهل هي سافرَت أصلًا؟!؟ وهل هي كانت تعرفُ الذي تزوّجَته مِن قَبل؟ متى بدأت خطّتها؟ منذ لقائنا الأوّل في الطائرة أم بعد ذلك؟
أمّا بالنسبة لِدارين، فبعد أن زالَ تفاجئي واستنكاري، وجدتُ أنّني أستحقّ ما فعلَته معي، فلَم أكن زوجًا صالِحًا لها، لكن ما ذنب ابننا؟ هل كان عليها أن تُنجِبَ صغيرًا وتُبقيه مِن دون أب لتنتقِم وتحصل على المزيد؟
اليوم أنا رجُل مكسور تمامًا ولا ألومُ سوى نفسي. أرَدتُ كلّ شيء، فخسِرتُ كلّ شيء. فلِتكن قصّتي عبرة لكم.

أضف تعليق