(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
تركتُ البلَد حين بلَغتُ الثانية والعشرين مِن عمري، أيّ بعد أن نِلتُ شهادتي الجامعيّة، واتّجهتُ إلى الولايات المُتحّدة عند عمّي الذي يسكنُ هناك منذ سنوات لا تُحصى. وهو استقبلَني بفرَح عارِم، إذ أنّه لَم يرَني منذ صِغَري، فزياراته إلى البلَد كانت نادِرة. والجدير بالذكر أنّه يُعاني مِن حالة صحّيّة تمنعه مِن السفر لِمسافات طويلة.
تعرّفتُ أيضًا على زوجته زينة التي تزوّجَها بعد موت أم أولاده. كان الفرق في السنّ بينهما شاسِعًا وواضِحًا، لكنّه كان سعيدًا معها إذ أنّها كانت تهتمّ به جيّدًا وتُعطيه الفرَح والأمَل. وعَدتُه بأنّني لن أُطيلَ المكوث عنده، فكنتُ أنوي العَيش لوحدي حالَما أجِدُ عمَلًا وأستطيع دفع الإيجار لِمسكني الجديد. هو رفَضَ التكلّم بالموضوع، ففي نظره كنتُ بمثابة ابن له، خاصّة أنّ أولاده غادروا المنزل الأبويّ منذ سنوات وهو افتقَدَ وجودهم.
مرَّت الأيّام والأسابيع بِوتيرة هادئة، إذ أنّ عمّي كان مُتقاعِدًا ويأخذني معه إلى صيد السمك والطيور، ونقضي الوقت أيضًا نعمَل في حديقته الكبيرة أو بصحبة زوجته وأصدقائه المُتقاعدين. أعجبَتني تلك الحياة، لكنّني كنتُ أودّ أيضًا البدء بالعمَل والانخراط في الحياة الأميركيّة. فالجدير بالذكر أنّ بيت عمّي كان بعيدًا عن المدينة، بل وسط منطقة سكنيّة لا يوجَد فيها الكثير مِن وسائل التسلية أو شبّان مِن سنّي.
لكن مع الوقت، بدأتُ أُلاحظ اهتمامًا خاصًّا مِن قِبَل زينة، زوجة عمّي. هي كانت على الدوام لطيفة معي وساعدَتني لأشعرَ بأنّني حقًّا في بيتي، إلّا أنّ نظراتها لي ونبرة صوتها صارَتا مُختلفتَين. لَم أستطِع، على الأقل في البدء، تحديد ذلك التغيير، لكن شيئًا في داخلي فهِمَ أنّها تتقرَّب منّي لأغراض شخصيّة. كانت تلك الأمور خفيّة وغير مُباشرة، ولَم يُلاحِظ عمّي شيئًا، فكيف له أن يتصوّر أنّ زوجته تهواني؟ أزَحتُ تلك الشكوك مِن بالي، فكنتُ حتمًا أتصوّرُ تلك الأمور!
لكن في أحَد الأيّام، حين كان عمّي في حديقته يزرَعُ الورود، دقَّت زينة باب غرفتي، وهي لَم تنتظِر أن أفتَحَ لها، بل دخلَت وألقَت بنفسها على سريري وعلى وجهها بسمة خفيفة:
ـ غرفتكَ جميلة للغاية!
ـ ولِما التعجّب؟ فتلك الغرفة هي نفسها التي كانت في بيتكما منذ الأوّل.
ـ صارَت جميلة مذ سكنتَ أنتَ فيها، فأنتَ وسيم للغاية.
ـ شكرًا للاطراء، يا “زوجة عمّي”.
ـ زينة… إسمي زينة… قُل لي… كيف تجِدني؟
ـ لَم أفهَم.
ـ أعني، كيف تجِدني مِن حيث الجمال؟ هل تراني جذّابة؟
ـ لا أدري ماذا أقول… أنتِ سيّدة جميلة بالفعل لكن…
ـ هذا ما كنتُ أودّ سماعه منكَ! فعمّكَ لا يُسمِعُني الكلام الجميل، لإنّه مشغول دائمًا بهواياته. إضافة إلى ذلك، هو صارَ كبيرًا في السنّ ومريضًا، ولَم يعُد… كيف أقولُ ذلك… نشيطًا في الأمور الحميمة.
ـ هذا ليس مِن شأني، إنّها أمور خاصّة، فأرجوكِ أن تكفّي عن ذكرها! تفضّلي خارج الغرفة فعليّ تبديل ملابسي.
ـ أُريدُ أن أراكَ وأنتَ تفعَل!”.
سحَبتُ زينة مِن ذراعها عن السرير وقدتُها إلى الباب، حين هي تمسّكَت بي ووضعَت قُبلة حارّة على فمي. دفعتُها بسرعة خارج الغرفة وأقفَلتُ الباب وراءها بالمفتاح.
لن أكذِبَ عليكم، فتلك القبلة أثَّرَت بي كثيرًا، إذ أنّ لا أحَد مِن قَبل كان قد قبّلَني، وكنتُ قد سألتُ نفسي ألف مرّة بماذا يشعرُ هؤلاء الذين يُقبّلون بعضهم، وحصَلتُ على الجواب للتوّ. شعَرتُ بالذنب حيال عمّي مع أنّني لَم أقترِف أيّ خطأ، إلّا أنّ الاحساس الذي انتابَني بعد القبلة كان كافيًا لأعتبِرَ نفسي مُذنِبًا.
تفادَيتُ زينة قدر المُستطاع بمُرافقة عمّي أينما ذهَب، وبذَلتُ جهدي لإيجاد عمَل يُخوّلني ترك ذلك البيت حيث صاحبته تنوي دَفعي إلى ارتكاب ما لا يقبله الناس والدين. إلّا أنّ زينة كانت دائمًا موجودة بطريقة أو بأخرى، وتنظرُ إليّ برغبة واضِحة لِدرجة الوقاحة. أمّا بالنسبة للمسكين عمّي، فهو كان يثِقُ بها وبي، ولَم يخطر بباله أنّ باستقبالي، كان يضَع الزيت بالقرب مِن النار.
وجدتُ أخيرًا وظيفة في إحدى المحّلات الكبيرة، وساعدَني الحظ كثيرًا إذ أنّهم عرَضوا عليّ السكن في ستوديو موجود فوق المحلّ مُخصَّص للموظّفين، وذلك مُقابل مبلغ زهيد. أسرَعتُ بالقبول وزَفّ الخبَر لِعمّي وزوجته اللذَين حزِنا، لكن كلّ واحِد منهما لِسبب مُختلِف. لكنّني وعدتُهما أنّني سأزورُهما باستمرار، إذ أنّ مكان عمَلي قريب جدًّا منهما. أعطاني عمّي مبلغًا مِن المال لأبدأ حياتي باستقلاليّة، وأعطَتني زينة قبلة على خدّي بينما همسَت في أذني: “سأشتاقُ إليكَ”. غادَرتُ المكان بسرعة واطمأنَّ بالي مِن ناحية عدَم الوقوع بِفخ زينة.
لكنّ تلك المرأة لَم تتركني وشأني، بل صارَت تتّصلُ بي هاتفيًّا يوميًّا بحجّة الاطمئنان عليّ، ووصَلَ الحدّ بها إلى المجيء إلى المحلّ وبِيَدها سلّة مأكولات مُخصّصة لي. طردتُها بِتهذيب قائلًا إنّ مُديري لا يقبَل بهكذا تصرّفات، لكنّها وعدَتني بأنّها ستعود، لكن ليس إلى المحلّ، بل إلى مسكَني الصغير. عندها فهِمتُ أنّني لن أستطيع التخلّص منها، إلّا إذا أطلَعتُ عمّي بما يجري. لكن كيف أُكلِّمه بموضوع شائك لهذه الدرجة؟ جمَعتُ قوايَ، وأخذتُه في نزهة لِنكون لوحدنا، وأطلعتُه على كلّ ما حدَث ويحدث، مُضيفًا أنّني لَم أعُد قادِرًا على السكوت، لأنّني أعتبرُ ذلك بِمثابة خيانة ِلثقته. سكَتَ الرجُل ثمّ قال:
ـ كنتُ لأحترمُكَ أكثر لو لَم تتكلّم وتتّهِم زوجتي… فزينة أخبرَتني منذ أيّام أنّكَ تُلاحقُها على الدوام وتُحاول إقناعها بِخيانتي تحت حجّة أنّكَ شاب وأنا عجوز. لَم أُفاتِحكَ بالموضوع فقط لأنّكَ ابن أخي العزيز، ولأنّكَ لا تزال يافِعًا ومُفعمًا بالأحاسيس الجيّاشة. زوجتي امرأة جميلة وجذّابة وقد أفهَم افتتانكَ بها، لكن أن يصِل الأمر بكَ لاتّهامها بأنّها مَن يلحَق بكِ، فلا!
ـ عمّي! أقسمُ لكَ…
ـ أنا لا ولن أُصدِّقُكَ! فأعرِفُ زوجتي جيّدًا، أمّا في ما يخصّكَ، فلا أعرفُكَ أبدًا!
ـ أنا إبن أخيكَ!
ـ لَم أرَكَ سوى مرَّات قليلة في حياتي… وهي حبّي الكبير وأمَلي في الغَد!
ـ أقسمُ بأغلى ما لدَيّ!
ـ لا أُريدُ رؤيتكَ مُجدّدًا!”.
تركَني عمّي لوحدي بينما بقيتُ أصرخُ اسمه لِيعودَ ويُصدِّقني، لكن مِن دون جدوى. حزِنتُ كثيرًا وأسرَعتُ بالاتّصال بأمّي لأخبارها كلّ شيء على أمَل أن تُصدِّقني وتُقنِع أبي بأنّني بريء. إرتاحَ بالي كثيرًا عندما قالَت لي والدتي بعدما استمَعت إليّ: “أنتَ ابني وأعرفُ كيف ربَّيتُكَ، بالطبع أُصدّقُكَ. أترك أباكَ لي”. كنتُ قد فعلتُ الصواب، لأنّ عمّي خابَرَ أبي شاكيًا، لكنّ والدي أكَّدَ له أنّني بريء ونصحَه بمُراقبة زوجته عن كثَب، فإن هي فعلَت ذلك معي بعد فترة قصيرة مِن قدومي، فمِن المؤكّد أنّها فعلَت الأفظَع، ولا تزال. أقفلَ عمّي الخط بِغضب طالِبًا منّا جميعًا عدَم التواصل معه أبدًا. نصحَتني أمّي بالعودة فهي خافَت عليّ، لكنّني رفضتُ بتهذيب.
كان عليّ الاستماع إليها والأخذ بنصيحتها… فبعد أيّام معدودة، دقَّ عمّي باب شقّتي الصغيرة طالِبًا منّي أن نتكلّم “رجُل لِرجُل”، ففتَحتُ له وكَم تفاجأتُ عندما رأيتُه حامِلًا بِيَده بندقيّة صَيد! تراجعتُ بضع خطوات وعمِلتُ على تهدئته، إلّا أنّه صرَخَ بي كالمجنون:
ـ كيف تُحاوِل أخذ زينة منّي؟ ألا تعلَم أنّها تعني العالَم بالنسبة لي؟ أنتَ أتَيتَ إلينا باحِثًا عن فرصة لِحياة أفضل في هذا البلَد، واستقبلناكَ وأسكنَّاكَ عندنا. وبماذا تُبادِلنا؟؟؟ تُحاوِل إغواء أشرَف النساء؟؟؟ ماذا ظنَنتَ؟ أنّني عجوز عاجِز عن مُعاقبتكَ وإبعادكَ عنّا؟ كَم أنّكَ مُخطئ!
ـ عمّي! أرجوكَ لا تفعل ما قد تندَم عليه! أنا بريء صدّقني! زينة هي التي….”
وقَبل أن أُكمِلَ جملتي، أطلَقَ عمّي النار عليّ بِبندقيّته. فقَدتُ الوعي وبدأ الدمّ يُحيطُ بي. هرَبَ المُجرِم حين أسرَعَ الناس بالوصول إلى شقّتي بعد سماعهم الطلقة. نُقِلتُ إلى المشفى حيث عمِلَ المسعفون ومِن ثمّ الجرّاحون على انقاذي. لَم أمُت، لكنّني فقدتُ نصف ذراعي الأيمَن الذي حماني حين أردتُ تجنّب الطلقة الناريّة. ألقَت الشرطة القبض على عمّي الذي افتخَرَ أمامهم بما قامَ به تحت ذريعة حماية زوجته منّي. لكنّ التحقيق أظهَرَ الحقيقة وهي أنّ لِزينة عشّاقًا كثيرين، وأنّها خانَت زوجها منذ بداية زواجهما.
بعد أن صِرتُ قادِرًا على السفَر، عُدتُ إلى بلَدي وغرِقتُ في كآبة لا نهاية لها. فكيف أعيشُ بِذراع واحِد؟؟؟ لَزِمَتني سنوات لأسترجِع نفسي وأرى الحياة أقلّ سوادًا، وأتدبَّر أموري لوحدي، وأعثرُ على عمَل.
حاوَلَ عمّي التكفير عن ذنبه مِن السجن، فهو اتّصَلَ بي مرّات لا تُحصى وعرَضَ على أبي مبالِغ مِن المال مُقابِل مُسامحتنا له، إلّا أنّنا قطَعنا كلّ اتّصال به. هو ماتَ بعد فترة مِن أزمة قلبيّة ولَم يحزَن أحَدٌ عليه. تزوّجَت زينة وهو لا يزال في السجن بعد أن طلّقَته تحت ذريعة أنّه انسان خطير، ونسيَت أمره.
أُطمئنُكم بأنّني وجدتُ الحبّ وصارَت لي عائلة جميلة. لكن بعد ماذا؟ بعد أن أعاقَني رجُل مجنون مدى الحياة، لأنّه رفَضَ أن يعترِف بِسِنّه وعَجزه، وصدَّقَ أنّ بإمكان امرأة كَزينة أن تُحِبّه وتبقى وفيّة له؟ لِيُسامحه الله ويرحم روحه!
