(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
أوّل مرّة تمنَّيتُ فيها أن أكون صبيًّا، كانت حين رأيتُ أبي يُعنِّفُ أمّي. كنتُ في الخامِسة مِن عمري، وشعرتُ بالعجز حيال ما يجري. نظرَت إليّ والدتي والدَم يُغطّي فمَها ومنعَتني مِن التدخّل قائلة: “لا عليكِ، أدخلي غرفتكِ، أبوكِ يمزَح معي”. بالطبع لَم أُصدّقِها، فكنتُ مُعتادة على سماعه يصرخُ بها، وهي تصرخُ بِدورها مِن الألَم، لكنّها كانت أوّل مرّة أرى بِعَيني ماذا يحدث. دخلتُ غرفتي ودفَنتُ رأسي تحت الوسادة، وبدأتُ بالبكاء. آه، لو لَم أكن فتاة، لأرَيتُه كَم أنّ الضرب هو مؤلِم! نمتُ في تلك الليلة وأنا أحلمُ بأنّني مُصارِع كالذين نراهم على التلفاز، وأُلقِّنُ أبي درسًا لن ينساه! لكن في الصباح إتّضَحَ أنّني لا أزال فتاة صغيرة لا حول ولا قوّة لي سوى مُشاهدة المسكينة والدتي وهي تُعاني مِن سوء اختيارها لِشريك حياتها. فالحقيقة أنّه، كما علِمتُ حين كبرتُ، كان منذ البداية إنسانًا فظًّا ومُتسلِّطًا ويغارُ كثيرًا على أمّي. هي وجدَت أنّ تلك الصفات هي دلالة على رجولته، وكأنّ هكذا يكون الرجُل الحقيقيّ! أنا لا ألومها، فهي كانت الضحيّة، ولا يجب أبدًا لوم الضحايا، بل فقط هؤلاء الذين يعتبرون أنّ كلّ شيء مسموح لهم.
كبِرتُ وفي قلبي غصّة… وهدَف: أن أصيرَ قويّة البنية لأمنَع والدي مِن لَمس أمّي. لذلك، طلبتُ أن ألتحِق بِنادٍ يُعلِّم الصغار التايكواندو، فنّ مِن الفنون القتاليّة. إستغرَبَ أبي كثيرًا، إلّا أنّه قبِلَ بعد أن قلتُ له إنّ صديقاتي كلهنّ مُنتسِبات في ذلك النادي. كذِبتُ عليه طبعًا، فصديقاتي كنّ تُفضِّلنَ الرقص والعزف على آلة موسيقيّة. واتّضَحَ أنّني بارِعة في الفنون القتاليّة، والسبب كان حماسي للتعلّم بسرعة لإنهاء الطغيان في البيت. لَم أكن أعلَم حينها أنّني كنتُ لا أزال صغيرة، وغير قادِرة على التأثير على تصرّفات رجُل ناضِج ومليء بالغضب والأذى.
ربِحتُ الميداليات خلال المُباريات التي اشترَكتُ بها، وافتخَرَ أبي بي لأنّه كان يُريدُ ولَدًا يحملُ اسمه، لكنّني بقيتُ ابنة وحيدة بعد أن استحالَ على أمّي الانجاب مُجدّدًا. إتّضَحَ لي لاحِقًا أنّها كانت تتناوَل حبوبًا لِمنَع الحمَل كَي لا تأتي إلى الدنيا بِطفل آخَر يتحمَّل ما أتحمّلُه شِبه يوميًّا.
سافَرَ والدي لِحوالي الشهر بِداعي العمَل، وكانت تلك أجمَل فترة عشتُها في حياتي، فلقد رأيتُ أخيرًا أمّي وهي تبتسِم وتضحك، ولأوّل مرّة لاحظتُ أنّها كانت جميلة حقًّا. فحتّى ذلك الحين، كانت عَيناها دائمة الانتفاخ بسبب البكاء أو التعنيف، وفمها مُغلقًا نتيجة الصرير على اسنانها لِشدّة كَبت استنكارها ويأسها. رحتُ معها إلى أماكن جميلة وقضَينا وقتًا مُمتِعًا، وزرنا الأقارب الذين لَم أكن أعرفُهم لأنّ أبي منعَنا مِن رؤيتهم، بعدما حاولوا التدخّل حين فهِموا ما يحصل لأمّي. فالجدير بالذكر أنّ والِدَي أمّي كانا مُتوفّيَين وأخوها الوحيد في الغربة. وهذا بالذات ما كان يُمكِّن أبي مِن إطلاق العنان لِطغيانه، فلَم يكن هناك مِن أحَد لإيقافه.
عادَ أبي وعادَ معه اليأس والحزن والبكاء، الأمر الذي زادَني إصرارًا على مواصلة تحضيراتي لِمواجهته. مرَّت السنوات وأنهَيتُ مدرستي لكنّني لَم أدخُل الجامعة، بل رحتُ أبحث عن عمَل لأجني المال لاستكمال خطّتي. كنتُ بحالة إثارة قصوى لأنّني اقترَبتُ مِن موعد انتظرتُه لسنوات. لكنّني لَم أكن جاهِزة بعد، وتمنَّيتُ أن تصمُدَ أمّي لفترة أطوَل. هي لَم تعرِف ما في بالي وإلّا منعَتني مِن التصرّف، فهي كانت تخافُ عليّ مِن زوجها، خاصّة أنّه زادَ مِن شراسته مع الوقت بسبب سوء إدارته لأعماله، الأمر الذي كلّفَه الكثير مِن المال. لذلك، هو صبَّ غضبه على المسكينة بدَلًا مِن أن يلومَ نفسه كَونه السبب الوحيد في تلك الخسارة. لكنّه كان جبانًا حقًّا، يبحثُ دائمًا عن حجّة لِغَسل نفسه مِن أيّة مسؤوليّة. فبنظره، هو كان لا يُخطئ، بل يعرفُ دائمًا ما يجِب فعله أو قوله، على عكس “تلك البلهاء والقبيحة التي تزوّجَها”.
لَم أقُل لأحَد أنّني أعمَل، بل ادّعَيتُ أنّني أذهب كلّ يوم إلى الجامعة، وذلك لأضَع راتبي جانِبًا ولا يُقاسِمني به أبي أو حتّى أمّي. على كلّ الأحوال، لَم تكن والدتي بحاجة إلى المال لأنّها لَم تشترِ لنفسها شيئًا، بل تصرفُ المال الذي كان يُعطيها إيّاه زوجها على البيت. لَم يكن أبي رجُلًا بخيلًا على الاطلاق، إلّا في ما يخصّ والدتي، وهي لَم ترَ منفعة مِن المال لأنّها كانت سجينة بيتنا ولا يراها أحَد.
إستأجرتُ شقّة صغيرة بعيدة عن مسكننا، وبدأتُ أُجهِّزها بالأدوات المنزليّة والأثاث. تطلَّبَ الأمر وقتًا طويلًا، فراتبي لَم يكن كبيرًا لأنّني بدأتُ العمَل بلا أيّ خبرة وكنتُ لا أزال صغيرة آنذاك. فعلتُ كلّ ذلك بشكل سرّيّ للغاية، مُتحجِّجة بالذهاب إلى “زميلاتي في الجامعة” للدرس معهنّ حين كنتُ فعلًا مشغولة بتأهيل شقّتي وبِنَقل أمتعني. وأكثر ما ساعدَني، هو أنّني نِلتُ علاوة حين جاءَ إلى العمَل مُدير جديد ورأى أنّني بالفعل عنصر مُهمّ في المؤسّسة. إمتلأت عَينايَ بالدموع واستغرَبَ الرجُل ثمّ قال: “أرى أنّ الأمر مُهمّ بالنسبة لكِ… ما رأيكِ بساعات إضافيّة؟”. كنتُ لأقبِّله لكثرة فرَحي، إلّا أنّني امتنَعتُ عن ذلك طبعًا. بعد ذلك، لَم يقِف شيء في دَربي ودَرب خطّتي. كلّ ما كان عليّ فعله، هو الانتظار، إنتظار اللحظة المُناسِبة.
لكن قَبل أن أُتابِع سَرد باقي الأحداث، عليكم معرفة شعوري تجاه أبي في تلك الفترة. فلقد وصَلَ كرهي له إلى ذروته. فلا تنسوا أنّني كبرتُ وبتُّ أفهَم كلّ الذي كنتُ أجهَله في صِغَري. صِرتُ أفهَم الناس وأنواعهم، ومشاكلهم خاصّة النفسيّة، وأمورًا شخصيّة أكثر. صِرتُ أفهَم أنّ والدي كان يُجبِر أمّي على القيام “بواجباتها الزوجيّة” وبطريقة وحشيّة، وصِرتُ أفهَم أنّ لدَيه عشيقات وأنّه لا يخجَل أبدًا مِن ذلك. نعم، هذا الصنف مِن الرجال حقًّا موجود، وكنتُ شاهِدة على ذلك.
لَم أنقطِع عن الذهاب إلى التمرين، لأنّ الفنون القتاليّة صارَت جزءًا منّي جسديًّا وفكريًّا ونفسيًّا، وبلَغتُ مرتبة عالية في المُباريات، مرتبة أهّلَتني على اعتبار نفسي “جاهِزة”.
وأتى اليوم المُنتظَر، أو بالأحرى الليلة المُنتظَرة.
كنتُ في غرفتي أقرأ في كتاب حين سمِعتُ صرخة أمّي. كانت صرخة قويّة وعالية وكنتُ أعلَم ما يعني ذلك. أقفَلتُ كتابي على مهل، وبدَّلتُ ملابسي الليليّة بملابس القتال، أيّ بذّة التايكوندو. وضَعتُ حزامي الأسود حول خصري، وخرجتُ مِن غرفتي وفي قلبي شعور صعب الوصف، مزيجًا مِن الإثارة، والعَزم، والراحة العميقة. لَم أكن غاضِبة، فلقد غضبتُ لسنوات كثيرة، لَم أكن حزينة بعد أن عشتُ بالحزن، بل كنتُ مُنتصِرة مُسبَقًا.
دخلتُ غرفة أهلي ورأيتُ أمّي أرضًا عارية تمامًا، بينما كان أبي يضربها بِحزام مِن الجلد. كان جسدها مُدمًَّا تمامًا، وشعرها مُبلّلًا بالدموع. رآني والِدي فتوقّفَ عن الضرب ليسألني لماذا ارتدي بذّتي، وما هو أهمّ لماذا دخلتُ غرفته. فأجبتُه بهدوء: “لأُلقِّنكَ الدرس الذي لَم يُلقِّنه لكَ أهلكَ “. تفاجأَ أبي كثيرًا، فأسنَدتُه أوّل ركلة أصابَته في بطنه. صرخَت أمّي خوفًا عليّ، إلّا أنّني قلتُ لها: “إرتدي ملابسكِ واحزِمي شنطة صغيرة. ولا تنسِي أوراقكِ الثبوتيّة وحُلاكِ! “.
قامَ أبي عن الأرض وأمسَكَ بِحزامه وهو ينظرُ إليّ تمامًا كما ينظرُ إلى أمّي. لكن على عكسها، لَم أكن خائفة منه. بدأَت أمّي تُحضِّر نفسها بسرعة بينما بقيَت تنظرُ إلى ما يحدث، ورأَت كيف لكَمتُ زوجها على وجهه وتطايَر الدَم مِن فمه. ذُهِلَ الرجُل ونظَرَ إليّ بتعجّب، فقلتُ له: “هل تتألَّم يا أبي الفاضِل؟ هل بدأتَ تذوقُ طعم الألَم الذي يولِّده الضرب؟ إطمئنّ، لَم أنتهِ منكَ بعد! خُذ!”. وتابَعتُ لَكمه ورَكله حتّى لَم يعُد قادرًا على النهوض. إقترَبتُ منه وركَلتُه مُجدّدًا قائلة: “إيّها الجبان… يا شبيه بالرجال… بدَلًا مِن أن تحمي زوجتكَ وتصونَها، قضَيتَ حياتكَ معها بتعنيفها جسديًّا ولفظيًّا؟ أنتَ حثالة، ويجدرُ بي ضربكَ حتّى تلفظ نفسَكَ الأخير، لكنّك لا تستحِقّ أن أُسجَن مِن أجلكَ. إسمَع… سأرحَل وأمّي الآن، ولن تبحثَ عنّا… ستُطلِّقها بسرعة وتنسى أمرنا وإلّا… أقسمُ لكَ أنّني سأؤلِمُكَ لِدرجة لا تستطيع تخيّلها”.
ثمّ نظرتُ إلى أمّي فرأيتُها جاهِزة وعلى وجهها علامات الخوف. لكنّ بسمة فخر ارتسمَت على وجهها، لأنّها فهِمَت أنّ لا خوف عليّ أبدًا مِن أن أمرّ يومًا بالذي مرَّت به، وأنّني قويّة كفاية جسديًّا ونفسيًّا للوقوف في وَجه أكبَر طاغٍ. رحَلنا بصمت وقُدتُ والدتي إلى شقّتي، ونمنا في تلك الليلة مُتعانقتَين وصامتَتين، فلَم يكن هناك مِن شيء نقوله بعد تلك الليلة العظيمة.
طالَ والدي في تطليق أمّي، فهو بحَثَ عنّا وسألَ الكلّ عنّا، لكن، حتّى لو علِمَ الناس مكاننا، فلن يتكلّموا. إتّصلتُ به يومًا، مُعيدةً تهديدي، وهو فهِمَ مِن نبرة صوتي أنّني مُستعِدّة لِمواجهته مِن جديد.
حصلَت أمّي أخيرًا على الطلاق فارتاحَ بالها، لكنّني بقيتُ مُتيقِّظة لفترة طويلة، إلى حين سمِعنا أنّ أبي تزوّجَ مِن جديد. رجَوتُ أن تكون تلك الزوجة أقوى مِن أمّي، ولَم أتدخَّل، فكنتُ أريدُ نسيان ذلك الرجُل إلى الأبد.
لَم نُثِر ما حدَث في تلك الليلة أبدًا، لِدرجة أنّ يومًا أتى نسينا فيه الأمر تمامًا. أنا اليوم مُتزوِّجة ولدَيّ ابنة، وأمّي تعيشُ معنا. زوجي رجُل طيّب ومُحِبّ، فهكذا تكون الرجال!
