“جارَتي إيمان”

(جميع الحقوق محفوظة. النسخ ممنوع وأي استعمال لهذه المواد يحتاج إلى إذن مسبق مِن المؤلّفة بولا جهشان)

مِن المعلوم أنّ في كل مبنى مشاكل بين السكّان وتدور غالبًا حول موقف سيّارة أو تصليحات وترميمات أو حتى حساسيّات شخصيّة، ولكن ما حدَثَ مع جارتي لم يكن أبدًا بالحسبان.
عندما انتقلنا أنا وزوجي بعد زواجنا إلى تلك الشقّة، كنتُ فرحة جدًّا أن يكون لي مكان خاص بي بعدما عشتُ سنوات طويلة في بيت صغير وأتقاسم غرفتي مع اختَيّ. وازادَت فرحتي حين جاءَت جارتي إيمان لتتأهّل بنا واستلطفتُها مِن أوّل لحظة لكثرة لباقتها وبسمتها الجميلة. كانت إيمان مِن عمري تقريبًا وتسكن لوحدها فوقنا بعدما مات زوجها بحادث سيّارة وذلك سنة واحدة فقط بعد زواجهما، الأمر الذي زادَ مِن عاطفتي تجاهها.
بدأنا نمضي أوقات فراغنا سويًّا خاصة أنّ زوجي نبيل كان يعود متأخّرًا مِن عمله، حتى أصبحَت إيمان وخلال وقت قصير أعزّ صديقة لي. وكان نبيل ممنونًا مِن تلك الجارة لأنّها كانت تسلّيني وتساعدني على تحمّل أوقات عمله الطويلة.
ولكن بعد بضعة أشهر ساءَت الأحوال بيني وبين أيمان وبشكل مفاجئ وجذريّ. ففي ذات صباح قرعتُ باب جارتي العزيزة لأدعوها إلى صبحيّة في شقّتي كما كنتُ قد فعلتُ مرارًا مِن قبل، ولكنّها فتحَت لي الباب وعلى وجهها علامات استياء عميق:
– ماذا تريدين؟ دعيني وشأني”!
وأقفلَت الباب في بوجهي بقوّة. فوجئتُ كثيرًا لِردّة فعلها ولكنّني قلتُ لنفسي أنّها قد تعاني مِن صداع أو أزمة ما وتريد أن تبقى لوحدها. وفي المساء نفسه التقيتُ بها صدفة في مدخل البناية مع رجل لم أرَه مِن قبل. وقالت له عندما رأتني:
– ها هي”!
نظَرَ الرجل إليّ بغضب وأراد أن يقول لي شيئًا ولكنّها منعَته مِن ذلك. ثم خرجا سويًّا.
انتظرتُ أن يعود زوجي مِن العمل لأخبره بما حدَث. فقال لي:
– لم أحبّ تلك المرأة يومًا… ولكنّني تحمّلتُ وجودها مِن أجلكِ فقط. إنّها امرأة سيّئة فهي تسكن لوحدها وأرى رجالًا كثر يأتون لزيارتها في الليل. أظنّ أنّه مِن الأفضل أن تقطعي علاقتكِ بها.
– لماذا تقول عنها تلك الأشياء البشعة؟ لطالما أحبَبتَ رفقتها والتحدّث معها، ولم أرَ أحدًا عندها أو حتى معها سوى ذلك الرجل اليوم. أرجوك ألّا تسيء إلى سمعتها.
– أنا رجل وأعرف النساء جيّدًا، وفهمتُ فور رؤيتها مِن أيّ صنف هي. لا أريدكِ أن تتكلّمي معها بعد الآن.
– سأقرّر بنفسي مع مَن أتكلّم فأنا قادرة على الحكم على الناس. وإن كان مجيئها إلى البيت يزعجكَ فلن أدعوها إلى زيارتنا بعد الآن، وهذا كل ما سأفعله في الوقت الحاضر.
– تفضّلينها عليّ؟؟؟ 
– أبدًا حبيبي… ولكنّني أحبّ رفقتها وسأحاول معرفة سبب هذا التغيير المفاجئ وأتحقّق بنفسي مِن سلوكها.”
وفي الصباح بعثتُ مِن هاتفي برسالة إلى جارتي أسألها فيها إن كانت بخير، ولكنّها لم تجب. فقررتُ أن أدَعها وشأنها لبضعة أيّام، متأكّدة أنّها ستتصل بي عندما تتحسّن.
إلّا أنّني علِمتُ مِن الناطور أنّ بِنيّتها ترك المبنى وأنّها تفتّش عن شقّة أخرى. عندها ركضتُ أدقّ بابها لأستفسر عن أسباب رحيلها. وعندما لم تفتح لي، صرختُ لها مِن أمام الباب:
– أعرف أنّكِ هنا، فسيّارتكِ في الموقف، ولن أرحل قبل أن أراكِ وأتكلّم معكِ حتى لو لَزِم الأمر أن أبقى مكاني حتى الغدّ!”
مرَّت دقائق طويلة ثم فتَحَت إيمان بابها. كانت مستاءة جدًّا وقالت لي والدموع تملأ عَينَيها:
– عندما قدِمتِ إلى البناية خلتُ أنّني سأجد فيكِ الصديقة التي كنتُ أنتظرها، ولكنّني اكتشفتُ أنّكِ انسانة عديمة الأخلاق، لا قيَم لديكِ ولا مبادئ. أنا راحلة مِن هنا كي لا أرى قباحتكِ.”
ولو لم يكن الغضب ظاهر بوضوح على وجهها، لظننتُها تمازحني. لم أفهم سبب تحاملها عليَّ فلم أفعل لها شيئًا. هل فقدَت إيمان عقلها؟
ثمّ حاولَت صديقتي اقفال الباب بوجهي مرّة أخرى لكنّني لم أدعها تفعل قائلة:
– سمعتُ ما لديكِ وجاء الآن دوركِ لِتسمعيني! لا أعلم بتاتًا عمّا تتكلّمين فلم أؤذِكِ يومًا بل بالعكس أحبّكِ كثيرًا وأعتبركِ أختًا لي. ما الأمر؟ تكلّمي!
– بماذا تريديني أن أبدأ؟ بزوجكِ الشريف الذي يأتي إلى بابي في المساء ويحاول اقناعي بأن أقيم علاقة معكما الإثَنين أو بكِ لأنّكِ موافقة على ذلك؟ أنتما ثنائيّ شاذ وعليكما أن تتعالجا!
– ماذا تقولين؟؟؟؟؟ أنتِ المجنونة لاختلاق قصّة كهذه! زوجي يحبّني كثيرًا ولستُ مِن اللوات تفعلنَ هذه الأشياء القذرة!
– عندما قلتُ له إنّني امرأة شريفة ومِن ثم صفعتُه، أجابَ أنّها فكرتكِ لأنّ الأمر يثيركِ جدًّا… وأضافَ أنّكما تقومان بتلك الأمور على الدوام للترفيه.
– لا أصدّقكِ! كان نبيل على حق عندما قال إنّكِ امرأة منحلّة أخلاقيًّا! أخبَرَني أيضًا عن الرجال الذين يقصدونكِ في الليل!
– وكيف له أن يعلم مَن يزورني وأنا أسكن فوقكم؟ عزيزتي… لم أستقبل رجلًا واحدًا في بيتي منذ وفاة زوجي سوى أخي الذي رأيتِه معي منذ بضعة أيّام، وقد جاء ليساعدني على الانتقال مِن هنا بعدما أخبرتُه بما يجري… الوداع!”
عندما عدتُ الى الشقّة أخَذتُ أفكّر بما قالَته جارتي وكانت محقّة بشيء: كيف علِم زوجي بمجيء هؤلاء الرجال؟ ولماذا الإساءة المفاجئة لسمعة إيمان؟ ولكنّني بقيتُ مصرّة على عدم تصديقها.
ورحلَت إيمان وشعرتُ بفراغ كبير. لم أخبر زوجي بما قالَته عنه ولكن نَمَت في داخلي بذور الشك. هل كانت هناك امكانيّة ولو ضئيلة أن تكون إيمان صادقة في أقوالها؟ هل تزوّجتُ مِن إنسان كاذب ومنحرف؟
جاءَني الجواب بعد شهرَين ومِن ناطور المبنى بالذات. كنتُ قد عدتُ مِن السوق وطلبتُ منه أن يساعدني في حمل الأكياس. عندها قال لي:
– سيأتي أناس جدد للعيش في شقّة السيّدة إيمان… آمل أن يكونوا مثلها…كانت انسانة طيّبة والجميع كان يفتخر بوجودها، فبعد موت زوجها لم تعد تستقبل أحد… حتى زوجكِ بقيَ واقفًا على الباب مرارًا ولم تدعه يدخل.
– زوجي؟ لا بدّ أنّكَ مخطئ. لم يذهب سامي ليراها أبدًا. ولِمَ يفعل فهو لم يكن يستلطفها حتى.
– سيّدتي… أنا الناطور وأرى وأسمع كل شيء… حتى أنّني سمعتُها ذات مساء تصرخ به وتقول له: “كيف تطلب منّي ذلك؟ إنّها صديقتي”!
هنا أدركتُ أنّها لم تكن تكذب. شكرتُ الناطور على حمله الأكياس وذهبتُ فورًا إلى غرفتي أبكي بمرارة بعدما فقدتُ زوجًا وصديقة في آن واحد. وعندما عادَ نبيل في المساء واجهتُه بما أعرفه ولكنّني لم أتوقّع أبدًا ردّة فعله. 
فبدلًا مِن أن يعتذر أو يحاول تبرير ما فعلَه، اقترَبَ منّي وبدأ يداعب شعري قائلًا:
– ألن يكون جميلًا أن نمارس الجنس مع إيمان؟ كنتُ أراقبكما سويًّا تضحكنَ وتجلسنَ معًا، فبدأَت الفكرة تنمو في رأسي حتى أصبحَت هاجسًا لديّ وقررتُ أن أعرض الفكرة عليها. ولكنّ السافلة رفضَت بقوّة حتى أنّها صفعَتني. لا تأسفي حبيبتي سنجد امرأة أخرة.
– هل فقدتَ عقلكَ؟؟؟ مَن قال لكَ إنّني أريد فعل ذلك أو إنّني أرضى أن تكون أنتَ أيضًا تريده؟ ومتى كنتَ تنوي اطلاعي على الأمر؟ ما هذا الشذوذ؟ هل هذا هو مفهومكَ للحب وممارسة الحب بين زوجَين؟ أنتَ مريض… أفهم أن للمرء أحيانًا أحلامًا جنسيّة، ولكنّها تبقى خياليّة، أو في أقصى الحالات على الشريك الآخر أن يكون وموافقًا أو على الأقل على علم بالموضوع… ولكن أن تذهب إلى الجارة وتطلب منها إقامة علاقة معنا وتقول لها أنّ ذلك ما أريده… فلا! غادَرَت المسكينة المبنى بسبب وقاحتكَ ولم يكفيكَ كل ذلك بل حاولتَ ايضًا تشويه سمعتها! أيّ صنف مِن البشر أنتَ؟ وكيف تتصوّر أنّني سأقبل أن تلمسَني بعد الآن؟ أريدكَ أن ترى طبيبًا نفسيًّا وإلاّ تركتكَ، أفهمتَ؟
– لستُ مريضًا، أنا أحبّ الأشياء المميّزة وأرى أنّكِ مِن النوع الممل… سأرحل وأبحث عمَّن يعطيني لذّتي.”
وأخَذَ مفاتيح سيّارته وخرَجَ، ربما ليلتقي بِمَن “يعطيه لذّته”.
لم آسف عليه ولم أبكِ حتى عندما طلّقني ربّما لأنّني اشمأزيتُ منه لأقصى درجة، وشكرتُ ربّي ألف مرّة أنّني لم أنجب منه. لم أتصوّر أبدًا أنّ الرجل المهذّب الذي أحبَّني وطلَبَ يدي هو نفسه الذي خرَبَ بلحظة سمعة امرأة وترَكني بلحظة بسبب رفضي لنزواته. 
وبعد أن تجاوزتُ صدمتي، بحثتُ عن إيمان وذهبتُ إليها لأعتذر منها وكانت لطيفة كفاية لتتفهّم الوضع. وفي غضون ثوان عُدنا كالسابق لأنّ الصداقة الحقيقيّة تكون أحيانًا أفضل مِن ألف حبّ.

10 Comments اضافة لك

  1. أفاتار Paula jahshan بولا جهشان paulajahshan كتب:

    حبيبتي انت الله يديمك ❤

    إعجاب

  2. أفاتار لوافي امينة لوافي امينة كتب:

    اصبحت مدمنة على قصصك الراءعة ، امتعتينا ، شكرا لك بولا الجميلة.

    إعجاب

  3. أفاتار امل امل كتب:

    موفقة حبيبتي 😍😍😍
    كيف انتسب للموقع؟؟

    إعجاب

    1. أفاتار Paula jahshan بولا جهشان paulajahshan كتب:

      انتسبي لصفحتي على الفيسبوك… الرابط موجود في أسفل الصفحة الرئيسيّة حبيبتي❤

      إعجاب

  4. أفاتار لمية لمية كتب:

    قصه رائعه اتطلع لقراءةالمزيد من قصصك المشوقة

    إعجاب

    1. أفاتار paulajahshan paulajahshan كتب:

      هذا من ذوقك… هل انتسبتِ؟ 😊

      إعجاب

  5. أفاتار Zoulfa zad Zoulfa zad كتب:

    لدي رهبة من الرجال من خلال قصص كهذه.. كثيرا ما احبت الزوجات ازواجهن ووثقن فيهم لكن يتضح بعد ذلك طبعهم الشاذ والغريب …
    شكرا بولا .. نزداد وعيا من خلال تجارب الناس التي تنقلينها لنا

    إعجاب

    1. أفاتار paulajahshan paulajahshan كتب:

      حبيبتي… قصصي هي عبارة عن تجارب فريدة ولا يمكننا التعميم 🙂

      إعجاب

أضف تعليق