“في قاعة الانتظار”

(قصصي محميّة بقانون الملكيّة الفكريّة ويُمنَع منعًا باتًا نسخ هذه القصص تحت طائلة الملاحقة القانونيّة ودفع غرامة ماليّة)

كنتُ جالسة في قاعة انتظار عيادة طبيب العيون، وكانت هي جالسة قبالتي. لاحَظتُ تلك المرأة الشابّة ذات النظّارات السميكة، لأنّها كانت تبدو ضائعة في حزنها ولم تكفّ عن البكاء بصمت.

طالَ الانتظار وسادَ سكوت رهيب بين الموجودين في تلك القاعة، وباتَ بكاء تلك المرأة مسموعًا، فقرَّرتُ مواساتها على أمل أن أخفّف مِن حزنها ولو قليلًا.

جلَستُ بالقرب منها وسألتُها:

ـ ما الأمر، يا حبيبتي؟

ـ لا شيء… حقًّا… أنا بخير.

ـ لا تبدين بخير… إسمعي… لا تعرفيني ولا أعرفكِ، وعندما ننتهي مِن لقاء الطبيب سترحل كلّ منّا في سبيلها… الآن فرصتكِ لإخراج ما في قلبكِ… ما الذي يُبكيكِ هكذا؟

ـ نظَري… نظَري يا سيّدتي.

ـ ستكونين بخير فنحن عند طبيب العيون.

ـ أعلم ما سيقول لي… فأنا بحاجة إلى عمليّة جراحيّة باهظة التكاليف، ولا أملك المال الكافي لذلك، فبالكاد تمكَّنتُ مِن جمع ثمن سيّارة الأجرة التي أقلَّتني إلى هنا… أبكي لأنّني أفقد نظَري يومًا بعد يوم وسأمسي مكفوفة قريبًا”.

أحزَنَني كلامها، فكم هو فظيع أن نجد نفسنا أمام أمر محتوم، خاصة إن كان الحل مرتبط بمال لا نملكه. تابَعتُ:

ـ أليس هناك مَن يُمكنه مساعدتكِ؟

ـ لا… أنا مِن عائلة فقيرة ولستُ متعلّمة، ومَن سيريد توظيف امرأة شبه عمياء؟

ـ أنا آسفة مِن أجلكِ… يا ليتَني أستطيع فعل شيء مِن أجلكِ.

ـ لا عليكِ يا سيّدتي… يكفي أنّكِ سألتِ عنّي… أنا لا أبكي فقط بسبب عَينيَّ بل… بسببه.

ـ مَن؟

ـ زوجي.

ـ أنتِ متزوّجة؟ أين زوجكِ؟ لِماذا ليس برفقتكِ ولِماذا لا يُساعدكِ، فمِن المؤكّد أنّ له عملًا.

ـ طلّقَني منذ يومَين… وأنا حامل… أنا في حالة يُرثى لها، يا سيّدتي!

ـ إحكيلي حبيبتي.

ـ عندما تعرَّفتُ إلى عماد، كان نظَري خفيفًا جدًّا، ولكنّه لم يأبَه للأمر بل ساندَني وبقيَ يقول لي إنّ تلك الحالة لا ولن تؤثّر عليه لأنّه يُحبّني لشخصي، وأنا صدّقتُه طبعًا، معتقدةً أنّني وجَدتُ أخيرًا الرّجل الذي سيقبَلني كما أنا… أنا أعلم أنّني لستُ جميلة ولا متعلّمة وألبس نظّارات سميكة لا أرى مِن دونها، ولم يكن لدَيَّ أمل كبير بإيجاد شاب مثل عماد. كان عليّ أن أنتبه إلى الدّلائل، فقد كان عماد يتجنّب أخذي معه للقاء أصدقائه، بل حصَرَ تواجدنا سويًّا بحلقة ضيقّة مِن المعارف، وعندما كنّا نلتقي بأحد كان يهمس لي: “إخلعي النظارات، هيّا!”.

حبّي له أعمى بصري الداخليّ لأنّني كنتُ أكنّ له إعجابًا لا حدود له.

تزوّجنا وعشنا في شقّة صغيرة ولكن جميلة، وقمتُ بواجباتي على أكمل وجه. كان عماد يُحبّني كثيرًا ولكن فقط حين كنّا لوحدنا. فالحقيقة أنّه كان يخجل بي. لم نكن نخرج كما يفعل الناس عادة، وكلّما كنتُ أطلب منه أن يأخذني إلى مكان ما، كان يتحجّج بالتعب أو الانشغال، وحين كان يذهب للقاء أصدقائه كان يقول لي:” إنّها سهرة شبّان فقط” وكنتُ أقتنع منه.

وذات يوم قال لي: “حبيبتي… لِما لا تخلعين النظّارات، فذلك سيزيدكِ جمالًا… وأنا أحبّ أن تكوني أجمل امرأة في العالم!”.

ما لم أكن أعرفه هو أنّ إبن عمّه كان يحضّر لزفافه وكنّا طبعًا مدعويّن إليه، ولم يرِد عماد أن يراني أحد وأنا أضع تلك النظّارات السميكة والقبيحة.

خلَعتُها لأعتاد على الأمر ووجَدتُ صعوبة كبيرة بالقيام بالأمور العاديّة فمِن دونها كنتُ فعلًا لا أرى شيئًا. ولكنّني بقيتُ مصرّة على البقاء مِن دونها لإرضاء زوجي الحبيب. وجاء يوم الزفاف، فذهبتُ مع زوجي مِن دون النظّارات إلى الحفل. كنتُ ممسكة به كي لا أتعثّر، وطلَبتُ منه أن يقول لي مَن هو موجود وأين يجلس كي أتمكّن مِن إلقاء السّلام عليه وسؤاله عن عائلته. وبعد أن جلسنا إلى المائدة المخصّصة لنا، قام عماد مِن مكانه وراح يتحدّث مع المدعويّن، فقد كان ذلك زفاف ابن عمّه. جلَستُ أحدّق بخيالات الناس المحيطة بي، فلم أكن قادرة على رؤية وجوههم بوضوح أو حتى إن كانوا ينظرون إليّ أم لا. جلَستُ لوحدي لساعات طويلة غير قادرة على إيجاد عماد لأقول له إنّني أشعر بملل قاتل. كنتُ أريده أن يأخذني إلى حلبة الرقص ويُعانقني على صوت الموسيقى ويقود خطايَ. ولكنّه لم يفعل بل بقيَ مع أقاربه بعيدًا، يضحكون ويأكلون ويشربون سويًّا وكأنّني غير موجودة. وعندما عادَ إلى الطاولة، قال إنّ علينا الرحيل، وأخَذَني بيدي إلى السيّارة حيث جلَستُ بصمت. سألَني إن كنتُ قد استمتَعتُ بالسّهرة فأجبتُه: “لا، لأنّني جلَستُ لوحدي طوال الوقت”. فقال لي:” وما دخلي أنا إن كنتِ عمياء؟”. عندها بدأتُ بالبكاء كالطفلة، ولكنّه لم يواسيني بل عادَ إلى صمته.

لم أعد ألبس النظّارات وبدأتُ أحفظ مكان كل الأغراض الموجودة في البيت، وذلك لينسى عماد أنّني لا أرى. ولكنّني لم أكن أعلم أنّ نظري سيخفّ أكثر بعد بسبب خلعي للنظّارات، وصِرتُ فعلًا لا أرى شيئًا إلا إذا كان ملاصقًا لعَينَيّ.

وعندما علِمتُ أنّني حامل، قرَّرتُ أنّ عليّ إيجاد حلّ لأتمكّن مِن الاهتمام بطفلي كما يجب، لِذا قصَدتُ هذا الطبيب، وبعد أن قام بجميع الفحوصات قال لي إنّني بحاجة إلى عمليّة جراحيّة وإلّا فقَدتُ بصري تمامًا.

بالطبع أخبَرتُ زوجي عمّا قالَه الطبيب، وتفاجأتُ به يقول: “يا ليتَ ذلك كان ممكنًا… لا أملك هذا المبلغ… أنا آسف”. تفاجأتُ لأنّه لم يقل إنّه سيجد طريقة لجمع تكلفة العمليّة، بل أجابَني بكلّ برودة وكأنّه يقول لي “تدبّري أمركِ”. سكتُّ، فما كان بامكاني فعله؟ كنتُ ابنة أناس فقراء ولم أكن أملك شيئًا لأبيعه.

والذي حطَّمني هو أنّ عماد اشترى لنفسه سيّارة جديدة بعد أسبوعَين فقط على حديثنا عن العمليّة. كان قد وجَدَ المبلغ لارضاء نفسه ولكن ليس لإعادة النظر لزوجته. كم بكيتُ! ولم يُعجبه بكائي فصَرَخ بي قائلًا: “ما بكِ تبكين كالبومة؟!؟ يجدر بكِ أن تفرحي لي لأنّني اشترَيتُ سيّارة جديدة وأن تباركي لي! سئمتُ مِن نحيبكِ المستمّر، فلا شيء يُرضيكِ!”. عندها أجبتُه:” أبكي على قلّة حبّكَ لي… خلَعتُ النظّارات مِن أجلكَ ولم أعد أرى شيئًا بسبب ذلك، وأنت تفضّل الرّكوب بسيّارة جديدة على أن تُرجِع نظري إليّ… أيّ إنسان أنتَ؟ لماذا تزوّجتَني إن كنتَ لا تحبّني وتخجل بي؟” سكَت عماد وقال: “للصّراحة لا أعلم لماذا… ربما اعتقَدتُ أنّني أحبّكِ وأنّني قادر على تجاوز إعاقتكِ ولكنّني لا أستطيع… أريد استرجاع حريّتي… أريد أن أخرج مع امرأة متعافية أفتخر بها أمام الناس… أريد أن أتمتّع بحياتي معها”. قلتُ له صارخة:” هناك حلّ وهو الجراحة! عندها سأكون المرأة التي تتحدّث عنها!” ضحِكَ وقال:” لستُ مجبرًا على صرف مالي عليكِ… كان يجدر بكِ أن تخضعي للعمليّة قبل الزواج… سأرحل، وبالنسبة للجنين سنرى لاحقًّا ما سنفعله”.

وترَكَني لوحدي، وها أنا جالسة اليوم عند الطبيب لا أعرف ما سأفعله”.

سكَتَت المرأة وعادَت تبكي بصمت. فتَحتُ حقيبة يدي وأخرَجتُ منها المال الذي كان مخصّصًا لأتعاب الطبيب وأعطَيتُه لها، ولكنّها لم تقبل أخذه واكتفَت بشكري على طيبتي وأخلاقي.

وفي اللحظة نفسها، قامَ أحد المرضى الذين كانوا ينتظرون دورهم مِن مكانه، ووقَفَ أمام المرأة قائلًا: ـ أعذريني سيّدتي ولكنّني سمِعتُ قصّتكِ مِن غير قصد… دعيني أعرّف عن نفسي: الأستاذ سعيد ق. محام متخصّص بالشؤون العائليّة… سأساعدكِ في ما يخصّ جنينكِ، وسنجبر زوجكِ على تحمّل كامل مسؤوليّاته تجاهه وتجاهكِ… أمّا بالنسبة إلى عمليّتكِ فدَعي الأمر لي، لدَيَّ معارف كثيرة مِن بينها جمعيّات تُعنى بتقديم مساعدات لمَن هم في حالتكِ… صحيح أنكِ وقَعتِ على أبشع انسان، ولكن كوني على ثقة بأنّ الخيّرين ما زالوا موجودين، فلولا تلك السيّدة الجالسة بقربكِ لَما علِمتُ بما يصيبكِ… إنّ عمل الخير يبدأ بكلمات مطَمئِنة ونظرات مليئة بالحب.

4 Comments اضافة لك

  1. أفاتار Dida Flag Dida Flag كتب:

    يالها من قصة !ما زال الخير الحمد للله.معافة ان شاء الله

    إعجاب

    1. أفاتار Paula jahshan بولا جهشان paulajahshan كتب:

      الخير موجود حولنا… كل ما علينا فعله يا حبيبتي هو النظر جيّدًا 😊❤

      إعجاب

  2. أفاتار Fatima Fatima كتب:

    جميلة جدا ليتنا نعرف التتمة

    إعجاب

    1. أفاتار Paula jahshan بولا جهشان paulajahshan كتب:

      سأخبرك إذا وصلتني أخبار جديدة حبيبتي❤

      إعجاب

اترك رداً على Fatima إلغاء الرد