(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
بعد أن اتّضَحَ أنّ جواد، ابني البِكر، سرَقَ هاتفي وباعَه ثمّ أخَذَ مالًا مِن محفظتي، وبعد أن أكّدَت لي زوجتي أنّها ستُعالِج الموضوع، ولَم ألاحِظ أيّ نتيجةٍ، فهو لَم يعترِف بخطئه أو يعتذِر منّي، قرّرتُ التصرّف. فإن كانت أمّه إنسانة غير مسؤولة، كان عليّ أن ألعَبَ دور الأب ووضع حدّ للّذي يجري، وتوضيح مبدأ القيَم الحميدة لِولَدي قَبل أن يتحوّل إلى سارِق مُحترِف.
فأوّل شيء فعلتُه هو مُلاحقة جواد أينما ذهَبَ. أسرَعتُ بأخذ إجازة مِن الشركة وتوكيل مُساعدي بالقيام بالأعمال المُلِحّة، وادّعَيتُ أمام عائلتي أنّني أذهَب كالمعتاد إلى العمَل وأقضي نهاري هناك. فكان لا بدَّ لي أن أعلَم لماذا يحتاج ولَدي إلى مالٍ إضافيّ، في حين أُعطيه مصروفًا يُغطّي كلّ طلَباته كمُراهِق. لَم أُطلِع منال على ما أنوي فعله لأنّني شعرتُ أنّها لَم تؤنِّب ابننا، أو أنّها بكلّ بساطة لَم تُكلِّمه بالموضوع إطلاقًا، فآخِر ما كانت تُريدُه هو أن تخلِقَ زعَل بينها وبين ولَدها المُفضّل.
بدأتُ ألحَق بِجواد أينما ذهَب، أيّ إلى مدرسته مع إخوَته، ثمّ إلى البيت، ليخرج مُجدّدًا إلى النادي حيث يتمرّن، وأحيانًا إلى رفاقه. كان الأمر مُتعِبًا للغاية ومُمِّلًا في بعض الأحيان. كنتُ على وشك الاستسلام حين رأيتُه في أحَد الأيّام وهو يتحدّث في الطريق مع رجُل مرَّ بالقرب منه قَبل لحظات. في البدء لَم أجِد شيئًا مُريبًا في الأمر، إذ أنّ الرجُل قد يكون قد أضاعَ طريقه أو يستفسِر عن موضوع غير مُهِّم. لكنّ حديثهما طالَ، ولاحظتُ أنّهما يتكلّمان بصوت خافِت إذ أنّ رأسَيهما كانا قريبَين جدًّا مِن بعضهما. بعد بضع دقائق، لحِقَ ابني بالرجُل ودخلا مبنىً. بدأ قلبي يدقُّ بسرعة، فهل يُمكن أن يكون ولَدي بخطر؟!؟ وقَبل أن أترجَّل مِن سيّارتي، خرَجَ جواد مِن المبنى وبانَ لي بخير. عندها بدأَت التساؤلات تملأ رأسي، فكّرتُ طبعًا أنّه يشتري المُخدّرات سِرًّا فانتابَني غضبٌ كبير.
لحِقتُ بابني حتّى وصَلَ إلى مدخل شارعنا. ركَنتُ سيّارتي بالقرب منه وادّعَيتُ أنّني تفاجأتُ برؤيته فعرضتُ عليه أن أوصلِه إلى البيت. هو رفَضَ، لكنّني بقيتُ مُصِرًّا. وعندما صارَ جالِسًا إلى جانبي، قلتُ له:
ـ مَن الرجُل الذي كنتَ واقفًا معه؟
ـ أيّ رجُل؟ لَم أرَ أحَدًا في طريقي.
ـ بلى… الرجُل الذي دخَلتَ معه المبنى. لا تكذِب مِن فضلكَ فأنا رأيتُكَ!
ـ هل تتجسَّس عليّ؟!؟
ـ أبدًا، كنتُ مارًّا بِداعي لقاء عميل حين رأيُتكَ! أجِبني مِن فضلكَ!
ـ حسنًا… إنّه… إنّه أب زميل لي وهو أعطاني دروسًا فاتَتني.
ـ دروس فاتَتكَ… ومتى فاتَتكَ؟ فأنتَ لَم تغِب عن المدرسة.
ـ ألا تُصدِّقني؟
ـ للصراحة لا… أرِني تلك الدروس!
ـ لن أريكَ شيئًا!
ـ هيّا وإلّا غضبتُ بشكل لا تتصوّره مُمكِنًا! هيّا!”.
فتَّشَ جواد في شنطته، لكنّه قالَ إنّه لا يجِد تلك الدروس التي قد تكون قد سقطَت منه. فتّشتُ معه جيّدًا، وحين لَم أجِد شيئًا، طلبتُ منه أن يريني ما في جيابه كلّها. هو تفاجأ كثيرًا لكنّني لَم أُعطِه تفسيرًا لِطلَبي. هناك أيضًا لَم أجِد شيئًا، فاحتَرتُ لأمري. إكتفَيتُ بالقول:
ـ مِن الواضِح أنّكَ تُخفي أشياءً عنّي… فأنتَ كذِبتَ عليّ… إسمَع، كلّ ما نكذِب بشأنه هو ما لا يجِب فعله، وإلّا لِما نكذِب؟ سأعطيكَ فرصة أخيرة لِقول الحقيقة، ولدَيكَ حتّى المساء للاعتراف. واعلَم أنّني سأكون قاسيًا جدًّا لو لَم تفعَل، أعدُكَ بذلك. هيّا، إذهَب إلى البيت وفكِّر جيّدًا، وإيّاكَ أن تحتمي بأمّكَ لأنّ ذلك لن يؤثِّر عليّ على الاطلاق!”.
دخَلتُ البيت بعد وصول جواد، ومِن ملامِح وجه منال، فهِمتُ أنّه أخبرَها ما جرى بيننا. وقَبل أن تتفوّه بكلمة، قلتُ لها بِحَزم:
ـ إيّاكِ! فلقد طفَحَ كيلي مِن تربيتكِ لابننا! ألا يكفي أنّه سَرَقَ منّي؟!؟ إن وقفتِ معه، فسأُرسلكِ إلى أهلكِ وأقطَع المصروف عنكِ! أفهمتِ؟!؟”.
سكتَت زوجتي بعد أن قلتُ لها الجملة السحريّة المُتعلِّقة بالمصروف.
لَم أستطِع تناول وجبة العشاء لكثرة امتعاضي وغضبي، وجلستُ في الصالون بانتظار ابني. إنتظرتُ لأكثر مِن ساعة حين هو جاءَ إليّ والدَّمع يملأ عَينَيه. لَم أقُل له شيئًا، بل أشرتُ إليه بالجلوس قُبالَتي. أخَذَ نفسًا عميقًا وبدأ بالكلام بصوت خافِت، خوفًا مِن أن يسمَعه أحَد:
ـ حسنًا… سأتكلّم… لكن اعلَم يا بابا أنّ لا دَخل لي بكلّ الذي جرى.
ـ لا دَخل لكَ؟؟؟ أنتَ سرقتَ هاتفي وبعتَه وسرَقتَ مالي! ثمّ أراكَ بصحبة رجُل أخذَكَ إلى مسكنه!
ـ صحيح، صحيح… لكنّني فعلتُ ذلك رغمًا عنّي.
ـ لَم أفهَم.
ـ الماما… هي التي دفعَتني لفعل ذلك.
ـ كفاكَ كذبًا! لماذا لا تتحمّل مسؤوليّة أفعالكَ لوحدكَ؟!؟
ـ إخفِض صوتكَ، أرجوكَ… فلو هي سمِعَتني… دَعني أكمِل، مِن فضلكَ!
ـ حسنًا…
ـ الرجُل الذي رأيتَني معه هو… خالي، أخ أمّي.
ـ أنا أعرفُ خالكَ تمامًا وهو ليس مَن رأيتُه معكَ!
ـ إنّه خالي الآخَر.
ـ ليس لأمّكَ سوى أخ واحِد، لماذا تكذِب؟!؟
ـ لدَيها أخ آخَر… لكنّه كان مسجونًا لوقت طويل جدًّا وتمَّ الافراج عنه… وهو بحاجة إلى المال، لذلك أقنعَتني أمّي بسرقتكَ.
ـ ماذا؟!؟ لا أُصدّقكَ لسبب وجيه: فأنا أُخصِّص الكثير مِن المال لأمّكَ، وبإمكانها أن تُعطيه ما يحتاجه، هذا لو أنّه بالفعل أخوها!
ـ هي تُعطيه الكثير، لكنّه يطلب دائمًا المزيد، ولَم يعُد يكفيها مصروفها.
ـ أنا لا أفهَم… لماذا عليها أن تُعطيه كلّ ذلك المال؟!؟
ـ لأنّه يبتزُّها… فلِلماما ضلع بِدخوله السجن.
ـ كيف لكَ أن تكون على عِلم بهذه الأمور وليس أنا؟؟؟ أُريدُ معرفة الحقيقة كامِلةً الآن!!!
ـ لأنّني أصرَّيتُ على معرفة كلّ التفاصيل قَبل أن… قَبل أن أسرقكَ، وخالي هو الذي أطلعَني على مُلابسات القضيّة.
ـ تابِع.
ـ القصّة تعود إلى ما قَبل زواجكما… فلقد كانت الماما وأخوها يقصدون المحلّات ويسرقون منها كلّ ما يلزمهما.
ـ مِن طعام ومواد أوّليّة؟ هل كانا فقيرَين؟
ـ لا… بل للرفاهيّة… كالساعات الثمينة والملابس الأنيقة… كانت تلك فكرة الماما لأنّها أرادَت أن تبدو أنيقة طوال الوقت.
ـ أكمِل.
ـ تابَعا سرقتهما للمحلّات لوقت طويل، إلى حين انتبَه لهما أحَد الحرّاس الموكَلين بالمُراقبة. وهو انتظَرَ أن يعودا لِضبطهما بالجرم المشهود، وهذا ما فعَلَه في أحَد الأيّام. لكنّ خالي استدرَكَ الأمر وضرَبَ الحارِس على رأسه بواسطة أحَد الأغراض المعروضة، فقتلَه. تمّ القبض عليه بينما فرَّت الماما. وهكذا وجَدَ خالي نفسه مسجونًا لسنوات طويلة. وحين هو خرَجَ، أرادَ مِن اخته تعويضًا للسنوات التي أضاعَها، وإلّا فضَحَ أمرها أمام الجميع وأمامنا، الأمر الذي سيُشوّه صورتها الاجتماعيّة التي بنَتها.”
خطَرَ ببالي أن أزورَ “الخال”، لكنّني لَم أفعَل، فهو كان قاتِلًا وبإمكانه أذيّتي، ولَم أكن مُستعِدًّا للموت مِن أجل زوجتي التي اتّضَحَ أنّها إنسانة فاسِدة تهوى السرِقة، وما هو أفظَع، أنّها لَم تتردَّد في دفع ابننا إلى السرقة أيضًا! أسِفتُ على سنوات زواجنا والتضحيات التي قمتُ بها لأُعطي لِمنال وأولادنا كلّ ما تطلبه نفسهم، فلقد تعِبتُ كثيرًا لأصِل إلى مركزي في الشركة. عشتُ كذبة كبيرة مع انسانة بلا ضمير لا تستحِقّ لقَب زوجة أو أمّ. زرتُ أهل منال وحمَلتُهم على الاعتراف لي بالحقيقة، وهم طلَبوا منّي مُسامحتهم ومُسامحة زوجتي، لكنّني لَم أعِدهم بشيء.
واجَهتُ منال التي أنكَرت بقوّة في البدء، واتّهَمت جواد بالكاذِب والسارِق وشتّى الأمور البشِعة، وكرهتُها كثيرًا لأنّها شوّهَت صورة ابني أمامي فقط لتُنقِذ نفسها. كنتُ مُستعِدًّا لمُسامحتها لو أنّها اعترَفَت بِذنبها، لكنّ موقفها هذا أكَّدَ لي أنّني لن أعودَ قادِرًا على العَيش معها. فهكذا إنسانة قادِرة على فعل أيّ شيء، ألَم تُقحِم أخاها بالسرقة وتسبّبَت له بأن يصبَحَ مُجرِمًا؟ ألَم تُقنِع ابنها بالسرِقة أيضًا لِتغطية ماضيها؟ ألَم تكذِب لتوّها باتّهام ولَدها البِكر؟
طرَدتُ منال مِن البيت، وشرَحتُ لأولادي أنّها ليست أهلًا لِتربيتهم، لأنّني أخافُ مِن عدَم قدرتها على تلقينهم القيَم والأخلاق اللازمة ليُصبحوا مواطنين صالحين. هم بكوا كثيرًا، إلّا أنّ ابني البِكر وافقَني الرأي، وأقنَعَ اخوَته بأنّني أفعلُ الصواب مِن أجلهم.
طلَّقتُ زوجتي وجاءَت أمّي لتُساعدني بأولادي. كنتُ أثِق بأنّ المرأة التي ربَّتني ستكون أفضل مِثال لهم. سمَحتُ لِمنال برؤية أولادها، لكن فقط بوجودي أو وجود والدتي، فلَم أعُد أثِقُ بها على الاطلاق.
قلبي حزين جدًّا، ليس على نفسي، بل على ابنائي الذين يربون مِن دون والدتهم. يا لَيتني سألتُ عن منال قَبل أن أتزوّجها، لكنّني اكتفَيتُ بالتعرّف على أهلها، الذين هم أناس جيّدون للحقيقة. لكن لو سألتُ عنها الجيران أو أيّ انسان آخَر، لَعلِمتُ أنّ أخاها في السجن وتمكّنتُ ربّما مِن معرفة مُلابسات القضيّة. ليُسامِحني الله!
