“آخِر مَن يعلَم” ـ الجزء الأوّل ـ


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

متى وكيف سُلِبَ منّي هاتفي، لستُ أدري للحقيقة، فلَم أنتبِه لاختفائه إلّا حين صِرتُ في السيّارة في طريقي للعودة مِن الشركة إلى البيت، فاستعماله ممنوع أثناء العمَل بسبب دقّة المعلومات التي نتداولها. عدتُ على الفور إلى الشركة، وبحثتُ عنه في كلّ مكان مِن دون أن أجِده. فتّشتُ سيّارتي أيضًا، ثمّ استنتجتُ أنّه وقَعَ منّي وجاءَ أحَد وأخذَه، فكان طراز الهاتف حديثًا وغالي الثمَن، وقليلون هم الناس الذين قد يُعيدونه لي بدَلًا مِن الاحتفاظ به. أسِفتُ كثيرًا بسبب مُحتواه، فقد كان مُسجّلًا عليه كلّ ما كنتُ بحاجة إليه في حياتي الشخصيّة، مِن أرقام وصوَر.
أسِفَت منال زوجتي لدى سماعها ما حصَلَ لي حين عدتُ إلى البيت، وعرضَت عليّ استعمال هاتفها القديم، فقبِلتُ مع أنّني لَم أكن مُعتادًا على هواتف الأندرويد، لكن ما عسايَ أفعَل؟ رجَوتُ ألّا يستطيع السارِق فَتح الهاتف ويتمكَّن مِن الحصول على معلومات مُتعلِّقة بحساباتي المصرفيّة وبطاقاتي، التي أسرعَتُ في ايقافها بعد الاتّصال بِخدمة الزبائن. نمتُ في تلك الليلة مُنزعِجًا إذ أدرَكتُ كم أنّه مِن السهل فقدان كلّ شيء تقريبًا في لحظة واحِدة.
مرَّت الأيّام، واكتشفتُ مذهولًا أنّ أحَدًا أخَذَ بعض المال مِن محفظتي، واحتَرتُ بمَن أشكّ! نظرتُ إلى الموظّفين في الشركة الواحد تلوَ الآخَر لأتمكّن مِن رؤية أيّ علامة على وجههم أو حركة غير اعتياديّة يقومون بها لأعرفَ مَن الفاعِل، لكن مِن دون جدوى! الحقّ يقَع عليّ، فأنا مِن الذين يتركون أغراضهم على المكتب ويخرجون منه، ولقد انتبَهَ أحَدٌ إلى الأمر واستفادَ مِن ثقتي بِزملائي وموظّفيّ. فالجدير بالذكر أنّني كنتُ المدير التجاريّ آنذاك.
مرّة أخرى عدتُ إلى البيت مهمومًا وغاضِبًا، فهزِئت منّي منال وطلبَت منّي أن أحترِسَ أكثر في المُستقبل. كنتُ أكرَه أن توجِّه لي زوجتي النصائح أو تُعاتبني لأنّها لَم تكن إنسانة يُمكن الاتّكال عليها أو الاستماع إلى توجيهاتها، بل العكس. فمنال سيّدة سطحيّة وذهنها مُشتَّت طوال الوقت حتّى بمُعاملتها لأولادنا. وكان عليّ تذكيرها بالمواعيد والواجبات المُتعلِّقة بهم، في حين هي مع صديقاتها وعند أهلها أو تتسوَّق، ناسيةً تمامًا جَلب أولادنا مِن المدرسة أو دروسهم الخاصّة أو نشاطاتهم الترفيهيّة.
بعد تلك الحادثتَين المؤسفتَين، بدأتُ أُحافِظ على مقتنياتي ومالي، بوضعها في مكان آمِن في مكتبي، لكن علاقتي بالموظّفين تأثَّرت كثيرًا إذ صِرتُ أرى السارقِ في وجه كلّ منهم. لَم أواجِه أيًّا منهم، بل فهِموا أنّني مُستاءٌ كثيرًا مِن خيانة ثقتي بهم هكذا، الأمر الذي أثَّرَ بشكل كبير على المناخ العام.
بعد فترة قصيرة، رحتُ أشتري لِنفسي هاتفًا جديدًا، إذ أنّ الهاتف الذي أعارَته لي منال كان قديم الطراز، ولا يتمتَّع بذاكرة واسعة أو سرعة كافية للتطبيقات العديدة التي أستعمِلها. وتصوّروا مُفاجأتي حين رأيتُ هاتفي المسروق معروضًا في الواجِهة! فلقد تعرّفتُ عليه بفضل خِدش مُميَّز حدَثَ له حين وقَعَ يومًا مِن يدَيّ. إضافة إلى ذلك، كان مِن الطراز نفسه، الأمر الذي أكَّدَ شكوكي. فسألتُ البائع الذي أعرِفُه جيّدًا، لأنّه مِن أهمّ بائعيّ الهواتف في المنطقة وقد سبَقَ أن قصدتُه لِشراء إكسِسوارات لِهاتفي:
ـ مِن أين حصلتَ على هذا الهاتف؟
ـ هل أنتَ مُهتمّ بشراء هاتف مُستعمَل؟ إنّها قطعة مُمتازة، وقد أُعطيكَ سعرًا جيّدًا بسبب الخدش على العلبة.
ـ أُريدُ معرفة مصدر الهاتف… فلقد سُرِقَ منّي.
ـ ماذا تعني؟!؟ أنّني أبيعُ هواتِف مسروقة؟!؟
ـ لَم أعنِ شيئًا، بل أُريدُ فقط جوابًا على سؤالي.
ـ حسنًا… لقد جاء مُراهِقٌ منذ بضع أيّام وباعَني الهاتف.
ـ ولَم تسأله لِمَن هو؟
ـ للحقيقة لا… فهو بدا لي مِن هؤلاء المُراهقين الذين لدَيهم هواتف حديثة، أعني أولاد الأغنياء.
ـ وهل تعرف اسمه أو عنوانه؟ أريدُ التبليغ عنه!
ـ لا… لكن لدَيّ كاميرات مُراقبة.”
وحين رأيتُ على تسجيلات الكاميرات جواد، إبني البِكر، يبيعُ هاتفي المسروق، شعرتُ وكأنّ عالَمي ينهار! لكن كيف هو سرَقَ هاتفي بينما أنا في العمَل؟ وتذكّرتُ فجأة أنّ في ذلك اليوم، هو أتى إلى مكتبي ليَجِلبَ لي صورتَين شمسيّتَين له لمُعاملة رسميّة كنتُ سأقومُ بها مِن أجله. كنتُ قد نسيتُ الأمر تمامًا، فكيف لي أن أشكّ به؟!؟ شكرتُ صاحِب المحلّ، واشترَيتُ منه هاتفي القديم بِسعر رخيص جدًّا، إذ أنّ الرجُل شعَرَ بالشفقة تجاهي بعد أن فهِمَ أنّ ابني البِكر، الذي يحملُ اسمي وآمالي، قد سرَقَني.
مشيتُ في الشوارع لفترة وأنا أُفكِّر بالذي اكتشفتُه، فكان مِن المُرجَّح أن يكون جواد قد أخَذَ أيضًا المال مِن محفظتي في الصباح قَبل أن أذهب إلى عمَلي. لكن لماذا؟ فأنا أُعطيه مصروفه الأسبوعيّ الذي يُغطّي احتياجاته الشخصيّة بالكامِل، فأنا موظّف كبير وأجني الكثير، ولَم يحصل أنّني تباخَلتُ على عائلتي يومًا. فكلّ مِن زوجتي وباقي أولادي يتقاضون مصروفًا حسب سنّهم، خاصّة منال التي كانت لا تعمَل، بل تشتري لنفسها كلّ ما تتمنّاه وأكثر!
فكّرتُ بالطريقة التي سأستعمِلها لمواجهة ابني، فآخِر ما كنتُ أُريدُه هو إبعاده عنّي، خاصّة في سنّ دقيق كالمُراهقة. قرَّرت التكلّم مع منال في الموضوع، مع أنّني أعرِفُ مُسبقًا ردّة فعلها، إذ أنّه كان ولَدها الأوّل وتربطُها به علاقة مُميّزة جدًّا. وحصَلَ أن طلبتُ منها مرارًا أن تتوقّف عن مُعاملته بِشكل أفضل مِن إخوَته كَي لا يخلقَ ذلك غيرة تجاهه، لكنّها لَم تتوقّف وأنا لَم أُصِرّ. فمنال امرأة عنيدة جدًّا ولا ينفَع المنطِق معها. كنّا بعيدَين تمام البُعد عن بعضنا في أمور عديدة، وسألتُ نفسي في الكثير مِن المرّات كيف أنّنا أحبَبنا بعضنا وتزوّجنا. لكنّ للقلب أسبابًا لا يفهمها العقل!
رجعتُ إلى البيت واختلَيتُ مع زوجتي، وقصَّيتُ لها ما حدَثَ عند بائع الهواتف وهي بدأَت بالصراخ ونَعتي بالكاذِب. أسكَتُّها على الفور ومنعتُها مِن استعمال هكذا ألفاظ معي، وهي هدأَت. فقلتُ لها:
ـ ليس مِن المطلوب منكِ تصديقي، فأنا لا أكذِب وليس لدَيّ أسباب لأكذب. فهل أنا مسرورٌ أنّ ابني سرَقَني؟ المطلوب منكِ أن تجِدي معي الدافِع ليقومَ جواد بهذا العمَل، وأن نجِد سويًّا طريقة لِحلّ هذه المُشكلة.
ـ حسنًا… دَعني أتصرّف، فلا أُريدُكَ أن تتدخَّل على الاطلاق. لا تقُل له شيئًا ولا تدَعه يعلَم أنّكَ تعرفُ أنّه الفاعِل، إتّفقنا؟”.
مرَّت الأيّام ولَم يعتذِر ابني على سرقتي، ولَم أُلاحِظ عليه حتّى أنّه نادِم على ما فعلَه، فسألتُ منال إن كانت قد كلّمَته ووبّخَته فأجابَت أنّها فعلَت. بقيتُ أنتظِر إلى حين تخطَّيتُ الموضوع تجنّبًا للتصادم، لكنّني بقيتُ أشعرُ بالخذلان وأسأل نفسي إن فعلتُ الصواب بِتَرك تربية أولادنا لِزوجتي التي، كما إتّضَحَ على مَرّ السنين، ليست أمًّا عاقِلة أو مسؤولة.
بقيَ رأسي يُحلِّل ويتساءَل: هل أنّني إنسان لا يرَى الشرّ، حتّى لو وجِدَ في بيته، أم أنّني قضَيتُ كلّ وقتي مشغولًا بِعمَلي، تارِكًا بيتي فريسة لِمُخطّطات حيكَت على مرّ الوقت؟ وهل أنّ على المرء أن يبقى مُحترِسًا على مدار الساعة ومِن أقرَب الناس إليه؟ أسئلة كثيرة كنتُ سأحصَل على أجوِبتها في الفترة التي تلَت.
(يتبَع)

أضف تعليق