“تكلّمي، أرجوكِ!”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

في البدء، كنتُ أحِبّ الاستماع إلى حديث داليا، فلقد وجدتُ تلك الصبيّة الحسناء مُشوِّقة، خاصّة أنّني كنتُ أعيشُ لوحدي بعد موت والِدَيّ وزواج إخوَتي وخروجهم مِن البيت. كانت أيّامي صامِتة، حتّى في العمَل إذ كان لي مكتب خاصّ بي وقلّما أتفاعَل مع زملائي. أمّا في المساء، فكنتُ أعودُ إلى مسكَني المُظلِم حيث لا أحَد أتكلّم معه أو يتكلّم معي. ودخلَت داليا حياتي ومعها آلاف الأخبار والقصص، ولَم أشتكِ أبدًا مِن ذلك التدفّق الكلاميّ اللامُتناهي. تزوّجنا وسكنّا في بيتي بعد أن غيّرنا سويّا الديكور، وبدأَت حياتنا الزوجيّة… ولَم يتوقّف الكلام! فلَم أحسب حساب سماع داليا بشكل غير مُتقطِّع، فلا تنسوا أنّني كنتُ أتواجَد معها قَبل الزواج لساعة أو اثنتَين في كلّ مرّة. وفجأة، صِرتُ أعيشُ معها ومع أخبارها مِن دون انقطاع، سوى للذهاب إلى عمَلي، الذي تحوّلَ مِن مكان موحِش إلى ملاذي الخاصّ حيث كنتُ أنعَم ببعض الهدوء.
حاولتُ إفهام زوجتي بأنّ عليها التقليل مِن الكلام بعض الشيء، لكنّها عندما زعَلت منّي خفتُ أن يتعكَّر صفو حبّنا، فاعتذرتُ لها لأنّها لَم تفهَم لماذا صِرتُ أستاء مِن كلامها في حين كنتُ أستمتِع به. لِذا بدأتُ أتأخَّر في العمَل قدر المُستطاع، وحصَلَ أنّني تطوّعتُ للسفَر بداعي العمَل، فقط لأرتاح مِن الضجيج الذي ملأ رأسي.
قد تقولون إنّني أُبالِغ، لكن حتّى أهلها وأقاربها وأصدقاءها كانوا يُلقّبونها بـ”المذياع” وألقاب مُماثِلة لأنّها معروفة بكثرة كلامها.
أحيانًا، كنتُ آخذُ أقراصًا لألَم الرأس قَبل وبعد جلوسي مع داليا، خاصّة خلال فرَص نهاية الأسبوع حين كنّا نبقى مع بعضنا طوال الوقت، فالمسكينة ظنّت أنّها فعلَت خيرًا بِترك مشاريعها مع صديقاتها مِن أجلي، كَي لا أغار أو أزعَل أو أشعُر أنّني لستُ جزءًا أساسيًّا في حياتها. وصَلَ الحَدّ بي إلى التفكير بالطلاق، فلَم نكن قد أنجَبنا بعد. لكن ماذا أقولُ للناس أو المحكمة؟ إنّني لا أُريدُ زوجتي بسبب غزارة كلامها؟ ماذا عن مزاياها الحميدة العديدة؟ يا إلهي، ماذا أفعَل؟
لذلك، جلَستُ مع داليا ذات يوم وأطلعتُها بالتفاصيل عمّا أمُرّ به. هي نظَرَت إليّ بِتعجّب تام، ثمّ امتلأت عيناها بالدموع مُستنكِرةً الذي سمِعَته لِتوّها. بدأَت المسكينة بالبكاء وأخذتُ أهدّئها وأعتذِر منها لكلامي القاسي. لكنّني بقيتُ مُصرًّا على القسم المُتعلِّق بانزعاجي منها. بعد ساعة، كانت داليا  قد حزمَت حقيبةً ووقفَت قرب الباب لتقولَ لي قَبل أن ترحَل إلى أهلها:
ـ ماذا حدَثَ لكَ؟ ألستَ الشخص نفسه الذي قالَ لي قَبل الزواج إنّه محظوظ لأنّه وجَدَ المرأة التي تملأ حياته الفارِغة بكلّ قصصها المُشوّقة وضحكتها العالية؟
ـ بلى ولكن…
ـ ألَم تكن تعيش لوحدكَ في صمت شبيه بصمت المدافِن؟
ـ صحيح لكن…
ـ لَم تقُل لي ولو مرّة إنّ كلامي، أو كثرته، يُزعجكَ. لِما الآن؟
ـ لَم أرِد أن إزعالكِ.
ـ وماذا فعلتَ الآن؟ وصفتَ لي كابوسكَ اليوميّ معي، وكيف أنّكَ تخاف أن تجِدَ نفسكَ لوحدكَ معي كَي لا تضطّر لسماع كلامي. وقلتَ لي إنّكَ تتمنّى لو تستطيع البقاء لوقت أطوَل في العمَل كَي لا تعودَ إليّ. أليس هذا كلامًا يُجرِّحُ؟ أو يُزعِلُ؟ لا أدري ما وراء كلّ ذلك، لكن مِن الواضح أنّ زواجنا إنتهى. أنتَ سئمتَ منّي وبتُّ مُزعجِة بالنسبة لكَ، وأنا لَم أعُد قادِرة على قول أيّ شيء بعد اعترافكَ هذا. الوداع.
ـ داليا! أحبُّكِ بالفعل، لا تتركيني!
ـ سأترككَ مع صمتكَ العزيز!”.
خرجَت داليا مُستاءةً وركِبَت في سيّارتها مُتوجّهةً إلى أهلها… إلّا أنّها لَم تصِل إلى وجهتها.
فلِكثرة انفعالها، إصطدمَت زوجتي بِعامود وتحطّمَت مركبتها بشكل مُخيف. هي لَم تمُت، بل غرِقَت في غيبوبة عميقة. ركضتُ إلى المشفى لكنّني لَم أستطِع رؤية داليا لأنّها كانت قد خرجَت مِن غرفة العمليّات واقتيدَت إلى غرفة العناية الفائقة. لَم أعرِف بالحادث إلّا بعد ساعات، فأهل زوجتي تردّدوا في إخباري لكثرة امتعاضهم منّي إذ أنّهم حمّلوني مسؤوليّة ما حدَث لابنتهم. فهي كانت قد اتّصلَت بأهلها لتُعلِنَ لهم قدومها إليهم وأخبرَتهم بما دارَ بيننا. فقالَت لي حماتي: “كنتَ تتضايَق مِن كلام ابنتي، وها هي قد صمتَت، والله وحده يعلَم لِكَم مِن الوقت، أو إن هي ستستفيق يومًا. هل أنتَ مسرور الآن؟؟؟”.
بدأتُ بالبكاء كالطفل، فآخِر ما أردتُه هو أن يحصل أيّ مكروه لداليا، فكنتُ حقًّا أُحبُّها! قضيتُ أيّامًا صعبة للغاية لوحدي في البيت، مُحاطًا بالصمت القاتِل،وبِذنب لا مثيل له. وعندما نُقِلَت زوجتي إلى غرفة عاديّة، أصرَّيتُ أن أبقى معها، خاصّة ليلًا، فلَم أكن قادِرًا على النوم لوحدي في البيت.
أهل داليا رأوا كيف كنتُ كالمجنون طوال الوقت، أوقِفُ الأطبّاء في الممّرات كلّما رأيتُ أحدهم لأساله عن حالة داليا، وكنتُ أحصلُ دائمًا على الجواب نفسه: “وحده الله يعلَم متى تستفيق زوجتُكَ”.
صارَت حياتي تتمحوَر حول تلك الغرفة البيضاء، وجسَد داليا الساكِن والصامِت، وكنتُ أجلِسُ على الكرسيّ بالقرب منها بعد عودتي مِن العمَل، وأمسِكُ بِيَدها وأروي لها نهاري بالتفاصيل، فقيلَ لي إنّ الأشخاص في الـ”كوما” قد يتمكّنوا مِن سماع الأصوات. أخبرتُها أيضًا عن حياتي كلّها، فكان لدَينا مُتّسَع الوقت، وأسراري وأحلامي وطموحاتي في مُختلف مراحل حياتي. وفجأة فهِمتُ، فهمتُ أنّ للإنسان حاجة للتكلّم، ليُشارِك الآخَر أفراحه وأتراحه ومخاوفه. لَم أكن مِن هؤلاء الذين يُعبّرون عمّا في داخلهم، على عكس داليا التي كانت كالكتاب المفتوح. آه، لو هي تتكلّم الآن، كلمة واحِدة، هذا كلّ ما أطلبُه! كلمة واحدة!
صلَّيتُ كثيرًا وأنا في المشفى مُمسِكًا بِيَد زوجتي ونظري مُركّز عليها، علَّني أشعرُ ولو بحركة بسيطة تدلُّ على أنّها ستستفيق. لَم أكن أُبالي إن هي استفاقَت بِقدرات عقليّة ناقِصة، كما أنذَرَنا الأطباء، فكنتُ سأهتمّ بها كما يجب وكما يُملي عليّ حبّي لها. أرَدتُ فقط سماع صوتها، الصوت نفسه الذي كان يُزعجُني لِدرجة لا توصَف. كَم أنّنا نجهَل أنّ الحياة قد تسلِب منّا كلّ ما لدَينا في لحظة واحِدة، حتّى الأمور التي تُزعِجُنا والتي هي بالفعل ليست مُهمّة مُقارنةً بإمكانيّة فقدانها.
مرَّت الأسابيع على ذلك النحو ولَم أستسلِم. بقيتُ أُحدِّث داليا وهي نائمة إلى حين نفَذَ كلامي، فبدأتُ أقرأ لها الكتب والمجلّات لأُبقيها على تواصل، حتّى لو غير مُباشر، معي ومع العالَم الخارجيّ. كنتُ أُخبِرها القصص الطريفة وأضحَك عاليًا لوحدي. وبتُّ حديث المشفى كلّه، فالبعض وصفَني بالمجنون، مجنون داليا، والآخَر أثنى على حبّي العظيم وتمسّكي بالأمل.
كنتُ قد غرقِتُ في النوم حين فتحَت داليا عَينَيها أخيرًا. هي لَم تقُل شيئًا، بل بقِيَت تنظرُ إليّ بصمت إلى حين شعرتُ بوجودها الفعليّ وفتحتُ عَينَيّ. أطلَقتُ صرخة مزّقَت صمت الليل، فركضَت المُمرّضات لتجِدنَ داليا صاحية. تمَّ استدعاء الطبيب مِن منزله وعمَّت الفرحة المبنى كلّه. أُجرِيَت لزوجتي فحوصات عديدة، خاصّة المُتعلّقة بقدراتها العقليّة، ولَم يترك الحادث أو الغيبوبة آثارًا على دماغها، والحمد لله.
قبَّلتُ زوجتي على جبينها وخدَّيها ويدَيها ورجلَيها! وأقسمُ أنّني كنتُ أسعَد زوج في العالم! وبعد أن استفاقَت حبيبتي تمامًا، قلتُ لها:
ـ أُريدُكِ أن تتكلّمي قدر ما تشائين… فأنا أعشقُ كلامكِ وقصصكِ وصوتكِ!
ـ لكن…
ـ كنتُ مُغفّلًا! سأُخبرُكِ لاحِقًا، حين نعود إلى البيت. الآن ارتاحي.
ـ هل قلتَ إنّني أستطيع التكلّم قدر ما أشاء؟ هل سمعتُكَ جيّدًا؟
ـ أجل!
ـ هاهاها! ستندَم على هذا القرار!”.
ضحِكنا سويًّا وعادَ الأمَل إلى قلبي.
لَم أعُد أنزعِجُ أبدًا مِن كلام داليا الدائم، بل عشِقتُه، لأنّه كان يُمثِّل بالنسبة لي الحياة. أنجَبنا ولَدًا جميلًا وهو، على ما يبدو، ورِثَ حبّ الكلام مِن أمّه!
فليكن كذلك! فليس هناك أجمَل مِن بيت تملأه الحياة!

أضف تعليق