“الرجولة ليست عذرًا”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

لحظة ما رأيتُ تامِر زوجي يدخلُ البيت مِن السفَر، لاحظتُ أنّه لَم يكن على ما يُرام. فعادةً، عندما كان يرجَع إلى البلَد وإلينا، كان يُعانقُني والأولاد ويقولُ لنا كَم اشتاقَ لنا، ويفتَح على الفور حقيبة السفَر ليُخرج منها الهدايا المُخصّصة لكلّ واحِد منّا. لكن بدلًا مِن ذلك، ترَكَ حقيبته في المدخل وألقى بنفسه على أريكته وبقيَ صامِتًا يُحدِّق في الحائط أمامه. سألتُه مِمّا يشكو فاكتفى بالردّ: “لا شيء، أنا مُتعَب فقط… سأدخل لأنام قليلًا”. لَم أقُل شيئًا طبعًا، فربّما كان المطار مُزدحِمًا والمُسافرون كثيرين. حضّرتُ وجبة العشاء بعد أن طمأنتُ الأولاد بأنّ هداياهم هي حتمًا في الحقيبة، وأوصَيتُهم بانتظار خروج أبيهم مِن غرفة النوم.
لكنّ نوم تامِر طالَ كثيرًا، فرِحتُ أوقِظه ليأكل معنا. وكَم تفاجأتُ برؤيته صاحيًا في السرير وعلى وجهه نظرة فارِغة. بالكاد انتبَه لوجودي، فقلتُ له بهدوء إنّنا بانتظاره حول المائدة لنأكل معه. نظَرَ إليّ وكأنّني أُكلِّمه بِلغة غريبة عنه، ثمّ فهِمَ ما قلتُه وهمَسَ: “سآتي حالًا”. إنشغَلَ بالي كثيرًا عليه، وفكّرتُ بِطلَب الطبيب له لأنّه كان يتصرّف وكأنّه مريض، لكن حين هو قدِمَ إلى غرفة الطعام، بدا لي طبيعيًّا، نسبيًّا طبعًا. حاوَلَ تامِر أن يروي لنا عن سفَره، لكنّه لَم يكن مُقنِعًا عندما قالَ لنا إنّه أمضى وقتًا جميلًا بالرغم مِن كثرة أعماله، فوجهُه كان يدلُّ على عكس ذلك. شعرتُ بأنّ هناك ما يُخفيه عنّا، وبالأخصّ عنّي، لكنّني لَم أسأله، بل اكتفَيتُ بتذكيره بأنّ الأولاد ينتظرون هداياهم. إلّا أنّه اعترَفَ أنّه لَم يأتِ بشيء لنا، لِضيق وقته. ألَم يقُل للتّو أنّه استمتَع بوقته هناك؟ عندها تأكّدتُ مِن أنّ أمرًا مُريبًا جرى أو يجري، فلَم يحصل مِن قَبل أن يعودَ زوجي مِن السفَر فارغ اليدَين.
نمتُ تلك الليلة في وقت مُتأخِّر جدًّا، فقد أمضَيتُ وقتي وأنا أُفكِّر بالاحتمالات العديدة التي حمَلَت زوجي على التصرّف بِغرابة تامّة. والجدير بالذكر أنّ تامِر، على عكس عادته عندما يعودُ مِن السفَر، لَم يُحاوِل لَمسي، بل أدارَ لي ظهره بعد أن تمنّى لي ليلة سعيدة.
في الأيّام التي تلَت، تصرّفتُ بشكلّ طبيعيّ مع زوجي، وانتظرتُ أن يعودَ إلى حالته الاعتياديّة. لكن، بالرغم مِن أنّه عاوَدَ عمَله في الشركة ودوامه المُعتاد، فهو لَم يتحسَّن، بل العكس. كان لا يزال يجلسُ لوحده ويُحدِّق في الفراغ وكأنّه يُعيد في ذاكرته شيئًا صعب التصدّيق. وقلَّ كلامه لِدرجة الصمت التام، ولَم يقترِب منّي، بل أزاحَني عنه بقوّة يوم أرَدتُ أن أُعانِقه ونحن أمام التلفاز. خافَ الأولاد منه واشتكوا مِن الذي يحصل، إلّا أنّني طمأنتُهم واختلَقتُ لهم الأعذار، بالقول إنّ أباهم تعِبٌ جدًّا لكثرة عمَله خاصّة أنّه مُنكَبٌّ على ملفّات دقيقة، وإنّه سيرتاح قريبًا ويأخذهم إلى أماكن جميلة.
إتّصلتُ سرًّا بطبيب العائلة وأخبرتُه ما يحصل وهو طلَبَ منّي أن أصبر، والاتّصال به مُجدّدًا بعد أسبوع. إرتَحتُ قليلًا إذ أنّني أخبرتُ أخيرًا أحَدًا عن الوضع، لأنّني حفَظتُ لنفسي ما أمرُّ به لأنّني كنتُ واثِقة آنذاك مِن أنّ تامِر لن يبقى هكذا مطوّلًا.
مرَّ الأسبوع ثمّ عشرة أيّام، فخابرتُ الطبيب مِن جديد فطلَبَ منّي أن آتي بزوجي إليه. لكن تحت أيّة حجّة؟ عندها طلبتُ مِن تامِر أن يُرافقني إلى الطبيب لأنّني أشعرُ بوعكة صحّيّة، وهو قَبِلَ بعد أن استغرَبَ الأمر، أوّلًا لأنّني لَم أبدُ مريضة، وثانيًّا لأنّني طلبتُ منه مُرافقتي بدَلًا مِن اصطحاب أمّي أو أختي كما يحصل عادةً.
دخَلنا العيادة وبدأتُ أقصُّ للطبيب مظاهِر مرَضي الوهميّ، بينما أخَذَ الأخصّائيّ يُراقِب زوجي ويسأله أسئلة عن سفَره الأخير بطريقة طبيعيّة جدًّا. لَم يُجِبه تامِر بالتفصيل، بل أعطاه أجوِبة مُبهمة وسريعة. عندها عرَضَ الطبيب عليه أن يفحصه “للاطمئنان فقط”، فقد يكون زوجي قد التقَطَ فيروسًا مِن دون أن يدري. رفَضَ تامِر الخضوع لأيّ فحص، وعُدنا إلى البيت. وبعد أن اتّصلتُ بالطبيب، هو قالَ لي إنّ مِن المُمكن أنّ زوجي لا يُعاني مِن أيّ خطَب جسديّ، بل إنّه يُرجِّح الصدمة أو التروما، لكنّه لَم يكن أبدًا أكيدًا مِن شيء.
صدمة… أثناء سفَره… ماذا يعني ذلك؟ ماذا حصَلَ لتامِر ليعودَ إلينا بهذا الشكل؟
الحلّ الوحيد المُتبقٍّي كان الاتّصال بزوجة زميل تامِر الذي رافقَه في تلك السفرة. كنتُ أعرِفُ تلك السيّدة لأنّنا خرَجنا سويًّا بضع مرّات ووجدتُها لطيفة للغاية. أخذتُ منها موعدًا ورحتُ أزورُها في بيتها، وبعد أن تكلّمنا عن أمور عديدة وعاديّة سألتُها:
ـ كيف زوجكِ؟ أرجو ألّا يكون قد عادَ مُنهكًا مِن السفَر كشأن تامِر؟
ـ مُنهَك؟ أبدًا… فهما مُعتادان على الأمر، وهذه السفرة كانت قصيرة وسهلة، إذ أنّ العقد الذي أبرمَته الشركة مع العملاء الأجانب كانت شِبه مؤكّدة. ما بال تامِر؟
ـ لا شيء يُقلِق… قد يكون التقَطَ فيروسًا… فذلك البلَد يحتوي على أمراض لسنا مُعتادين عليها.
ـ ذلك البلد لا يحتوي على الأمراض وحسب… بل على فتيات جميلات وسهلة المنال أيضًا…
ـ ماذا تقولين؟؟؟ تامِر لن…
ـ كلّنا نقول ذلك عن أزواجنا، لكن مَن يدري؟ فلقد سمِعتُ في إحدى المرّات زوجي يقولُ لأصدقائه إنّ العديد مِن الرجال يقصدون ذلك البلَد للمتعة.
ـ لكن ليس تامِر!
ـ حسنًا… وليس زوجي! على كلّ الأحوال، إفحصي نفسكِ فلربّما زوجكِ قد جلَبَ معه مرَضًا جنسيًّا. أنا أفحصُ نفسي على الدوام.
ـ ما هذا الكلام! أنا أثِقُ بتامِر! هو لن يفعل ذلك أبدًا! على كلّ الأحوال… هو لَم يَلمسني منذ عودته.
ـ أمر غريب…”.
حديث تلك المرأة أثارَ غضبي، ومِن ثمّ خوفي. ليس فقط مِن الأمراض المُنتقِلة، لكن أيضًا لفكرة أنّ تامِر قد يزورُ تلك النساء أثناء سفراته. خفتُ على زواجي، فكيف لي أن أقبَل بذلك الأمر؟ الخيانة كانت بالنسبة لي أمرًا غير مقبول إطلاقًا!
بعد أيّام مِن التفكير وعدَم النوم، قرّرتُ مواجهة زوجي بالأمر، لأعرِفَ إن كان تصرّفه ناتِجًا عن شعوره بالذنب حيال ما فعَله هناك. ففي إحدى الأمسيات بعد أن نامَ الأولاد، قلتُ له:
ـ حبيبي… أريدُ أن أسألكَ عن أمر… لكن أرجوكَ ألّا تغضَب منّي… هل حدَثَ أن تكون، خلال سفراتكَ إلى ذلك البلَد… أن تكون قد عاشَرتَ إحداهنّ؟ أعني من اللواتي تبِعنَ نفسهنّ؟”.
لَم أتوقّع أبدًا ردّة فعل تامِر، فبدلًا مِن أن يغضَب كما توقّعتُه أن يفعل، فهو بدأ بالبكاء كالطفل. للحقيقة لَم أرَ في حياتي أحَدًا يبكي بهذه الغزارة، فصُدِمتُ ولَم يسعَني سوى ضَمّه إلى صدري وتهدئته. ثمّ هو قال:
ـ كيف علِمتِ بالأمر؟ مَن أفشى سرّي؟؟؟ وهل أنّ الشرطة تُلاحقُني؟؟؟ لا تدَعيني أدخل السجن، أرجوك!!!”.
لَم أفهَم شيئًا، لكنّ بالي انشغَلَ بشكل رهيب. ولقد كذِبتُ عليه عندما قلتُ:
ـ يكفي أن تقولَ لي الحقيقة، وسأفعَل جهدي لِتجنيبكَ السجن.
ـ حسنًا… أنا سافِل… فكلّما أذهب إلى ذلك البلَد… أقصدُ مكانًا خاصًّا حيث توجَد مثل تلك الفتيات. لا تغضَبي منّي أرجوكِ! فالقصّة لَم تنتهِ هنا! وفي تلك السفرة، وجدتُ ذلك المكان مُقفلًا، وبدلًا مِن أن أعودَ إلى فندقي وأنسى الموضوع، أخذتُ فتاةً كانت تبيع محاسنها في الطريق إلى فندق قديم موجود في إحدى الأزِقّة… وفعَلنا ما فعَلناه، لكن عندما كانت الفتاة على وشك الرحيل، سقطَت أرضًا وبدأت تُعاني مِن أزمة لا أعرفُ سببها. خفتُ كثيرًا أن تموتَ وتأتي الشرطة ويُفضَح أمري أمامكِ وأمام زملائي ومدرائي، فهربتُ تارِكًا المسكينة لِمصيرها. كان سفَري على وشك الانتهاء، فعُدتُ إلى هنا بعد يوم واحِد. أتظنّين أنّها ماتَت؟ ماتَت لأنّني لَم أنقِذها؟ هل أنا خائن وقاتِل أيضًا؟؟؟
ـ لا أدري ما حصَلَ لتلك الفتاة، لكنّني أدري ما سيحصلُ لكَ، يا عزيزي: ستأخذ أمتعتكَ وترحَل على الفور! أفهَم مِن الذي قلتَه أنّكَ تخونُني في كلّ سفرة، وتعودُ إليّ مُحمّلًا بالهدايا وتُعاشِرني مِن دون أن تأبَه لِسلامتي. أيّ رجُل أنتَ؟ وتنتظِر منّي أن أقِف إلى جانبكَ في مِحنة أنتَ سببها؟ أنتَ لَم تَخُنّي وحسب، بل ترَكتَ إنسانة بحاجة إلى مُساعدتكَ لِتموتَ لوحدها خوفًا على سُمعتكَ؟!؟ أيّ سُمعة تتكلّم عنها؟ سُمعة رجُل يذهب إلى النساء كلّما أُتيحَت له الفرصة؟ إرحَل على الفور مِن بيتي!”.
بكى تامِر وتوسَّل، إلّا أنّني لَم أعُد قادِرة على النظَر إليه. راحَ تامِر ليَسكن مع أهله، وأنا حضَّرتُ الأولاد على فكرة غياب أبيهم الدائم. وبالرغم مِن امتعاضي مِن الذي حصَل، فتّشتُ عبر الإنترنت عن أيّ خبَر له علاقة بِموت عامِلة جنس في ذلك البلَد، ولَم أجِد شيئًا،  فارتاحَ بالي، ليس على تامِر الذي يستحِقّ السجن لو أنّ الفتاة ماتَت، بل على سلامة أولادي النفسيّة والاجتماعيّة. أعطاني تامِر الطلاق، وهو يرى أولاده في الأعياد وبِحضوري.
قد يقول البعض منكم: “كنتِ قاسيةً عليه، فإنّه رجُل، سامِحيه!”. وسأُجيبُكم بأنّ جنس الإنسان لا يُعطيه الحقّ بخيانة الآخَر والكذِب عليه. فالجدير بهذا اللقَب يعلو فوق المُغريات ويُحافِظ على سيرته، وقيَمه، وأخلاقه وعائلته. ولو كنتُ أنا التي تخونُ زوجها في كلّ سَفرة، هل كنتم ستُنادون بِمُسامحتي، أو بالأحرى ترشقوني بالحجارة وبالصفات الشنيعة المُندِّدة؟ كفى! كفى إعطاء الخَونة أعذارًا!

أضف تعليق