(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
لَم أُصدِّق المسرحيّة التي لعِبَتها إحسان زوجة أخي خلال مرَضه. فهي مثّلَت دور الزوجة الحنونة والمحِبّة التي تُرافِق زوجها المسكين في صراعه مع السرطان. وهي غشَّت الجميع، والكلّ أثنى على تفانيها العظيم، إلّا أنّا. فالواقع أنّني كنتُ مُقرّبة جدًّا مِن سمير أخي كوننا الولدَين الوحيدَين لأهلنا. فقد كبِرنا سويًّا وتقاسَمنا كلّ شيء. كنتُ حافِظة أسراره وهو كذلك، وعلِمتُ منه أنّ زواجه كان على حافة الهاوية. للحقيقة، هو فكَّرَ بتطليقها لأنّها تخونُه، إلّا أنّ المرض سبَقَه ولَم يعُد يأبَه إلّا لِتعافيه.
قد يظنُّ البعض أنّ حالة سمير قرّبَت بينه وبين إحسان، وأنّ تلك المرأة استوعبَت أنّها قد تكون على وشك فقدان حبّها الأوّل وأب أولادها، أو أنّها تابَت وقرّرَت قطع علاقتها مع عشيقها. إلّا أنّها لَم تفعل، بل بقيَت على حالها، حسَب قول أخي الذي ظلَّ يُتابع تحرّكات زوجته، على الأقل عندما لَم تكن أوجاعه تحولُ دون ذلك.
كان قلبي مليئًا بالغضب حيال إحسان، خاصّة عندما كانت تذرفُ الدموع أمامي، وتتكلّم عن حبّها لأخي وكيف أنّ تعافيه كان كلّ ما تطلبه في هذه الدنيا. كنتُ أعرِف أنّها تتمنّى ضمنيًّا لو يموت ذلك الزوج المُزعِج الذي يقِفُ بينها وبين عشيقها. ستسألون لماذا هي لَم تُطلِّق سمير إن كانت تعيش قصّة حبّ أخرى، والجواب واضِح جدًّا: لأنّها لا تُريد أن تصبح امرأة مُطلّقة وتخسَر المال الذي يملكه سمير، وتتخلّى عن حياتها التي تؤمِّن لها كلّ شيء. وهي رأت في مرَض زوجها بصيص أمَل، هديّة مِن السماء لأنّه كان في مرحلة مُتقدِّمة وكلّ شيء يُنذِر بنهاية سريعة. الكلّ ظنّ أنّ سمير لن يعيش، وحدي بقيتُ أتمسّك بالأمل، ليس فقط حبًّا بأخي، لكن أيضًا لتنال إحسان جزاءها كما يجب وتجِد نفسها مِن دون شيء، هي وعشيقها الذي سأُخبركم عنه الآن.
فذلك الرجُل هو عامِل بسيط لدى أخي، مهامه توصيل البضائع للزبائن مُقابل معاش أيضًا بسيط، وإكراميّات لا تُذكَر. أيّ أنّه لا يملكُ شيئًا على الإطلاق سوى وسامته، إذ أنّه شابّ لَم يتجاوز عمره الخامسة والعشرين ولدَيه قوام قويّ وجذّاب. وهو لفَتَ انتباه إحسان منذ البداية، فبدأت تّتصل به لتطلبَ منه أن يأتي بحاجيات لها في غياب زوجها، كما اكتشَفَ سمير مِن خلال المُحادثات التي وقَعَ عليها يوم استطاعَ فتح هاتفها سرًّا. رفَضَ الشاب في بادئ الأمر أن يُقيمَ علاقة مع زوجة ربّ عمَله، إلّا أنّه اقتَنَع أخيرًا بالفكرة بعد أن شرَحت له إحسان أنّ أخي مريض، وأنّها ستتقاسَم معه المال الذي سترِثه بعد موته، وتؤمِّن له حياة رخاء لَم يعرِفها في حياته. فالجدير بالذكر أنّ مرَض سمير تمّ تشخيصه منذ فترة، وقيلَ له لاحِقًا إنّ التشخيص كان خاطئًا، ليكتشِف بعد حين أنّه بالفعل مُصاب بالسرطان. وفي تلك الفترة، كان أخي قد علِمَ بتلك العلاقة وأرادَ التخلّص مِن الخائنة، لكنّه غيَّرَ فكره بعد أن ثَبُتَ له بالفعل أنّه مريض وبحالة مُتقدِّمة. فما المانِع أن يستفيدَ مِن وجود زوجة بِقربه وبِرعايتها له، بدلًا مِن أن يذهَبَ إلى مكان خاصّ حيث سيهتمّ به غرباء؟ للحقيقة، هو استفادَ مِن تلك الفترة ليُرتِّب أموره المادّيّة بشكل ألّا تستفيد إحسان مِن شيء، إذ أنّه أعطى توكيلًا لِمحاميه يقضي بالصرف على أولاده حصريًّا، وتأمين كلّ ما يلزَم لهم إلى حين يُصبحوا راشدين ويتمكّنوا مِن التصرّف بالمال على سجيّتهم. ذُهِلَتُ مِن برودة أعصاب أخي الذي كان يُصارعُ على جبهتَين: المرَض والخيانة، وذلك بوعي تام، الأمر الذي قليلون الذين يستطيعون فعل ذلك.
لَم تعرِف إحسان بالذي يُدبَّر لها، بل تفانَت مِن أجل “زوجها الحبيب”، وتصوّرَت أنّ يومًا قريبًا سيأتي وتعيش وعشيقها حياة جميلة حتّى آخِر أيّامهما.
لَم أتدخَّل أبدًا بالموضوع، لدى طلَب سمير، مع أنّني كنتُ أودّ أن أواجِه إحسان وأقولَ لها رأيي الواضِح بها، وأن أمسكها بشعرها وأرميها خارج البيت الزوجيّ!
أمرُ واحِد كان يُحزِن قلب أخي، وهو ترك أولاده والرحيل إلى دنيا أخرى. لكنّه كان قويًّا كفاية لمواجهة الأمر بشجاعة. فهو ركّزَ على تلقّي العلاج كما يجب، حتّى لو لَم يؤدّي ذلك لشفائه، فلَم يرِد أن يظنَّ أولاده أنّه أهمَلَ نفسه وتسبّبَ بِيَتمهم. للحقيقة، كان هناك دافِع آخَر لسمير لِمُحاربة المرَض، وهو إطالة انتظار إحسان. فموته لَم يكن قريب الأجَل، ولأنّه كان ذا خبرة عميقة بالحياة، رجَّحَ أن يسأم العشيق مِن الانتظار، فتلك الأمور قد تأخذ سنوات إن كان العلاج جيّدًا وفعّالًا.
وهو لَم يكن مُخطئًا، فما توقّعه حدَثَ. لكنّ أخي شارَكَ بإبعاد العشيق، ليس بالطريقة التقليديّة، أيّ بمواجهته أو تهديده أو حتّى طرده مِن عمَله، بل العكس. فهو صارَ يَستَدعيه بين الحين والآخَر، ويُجلِسه معه ويأكلان سويًّا، ويقولُ له سمير كَم أنّه يثِق به لأنّه شابٌّ مُمتاز، ويُثني على تربية أمّه له، وكيف أنّها حتمًا فخورة به. كلّ تلك الأمور أدَّت إلى قطع علاقة العشيق بإحسان، الأمر الذي أغضبَها وأحبَطَها في آنٍ واحِد. وكَم كان مُفرِحًا أن أتفرَّج عليها حين أزورُ أخي وهي تُحدِّق بالفراغ والدّمع يملأ عَينَيها، وتدّعي أنّ بالها مشغول على سمير عندما أسألها مِمّا تشكو.
بقيَ أخي يتفحَّص هاتف زوجته إلى أن تأكّدَ أنّ العشيق رحَلَ مِن حياتها مِن دون عودة، الأمر الذي أفرَحه جدًّا، لكن ولّدَ لدَيه فراغًا، إذ أنّ لَم يعُد لدَيه ما يتسلّى به.
وانتكسَت حالة سمير، أوّلًا بسبب فقدانه هدَفًا ليستمرّ، وثانيًا لأنّ المرَض تفاقَمَ في جسده. كانت رؤيته مُحزِنة للغاية، إذ أنّه باتَ ضعيفًا وكئيبًا ولَم يعُد يُقاوِم ما يحصل له. شعرتُ أنّني أفقِد أخي الذي عرفتُه، وأنّه سيموت قريبًا جدًّا. فقضَيتُ وقتي بالبكاء، الأمر الذي أثَّرَ على مناخ بيتي وعائلتي الصغيرة. وبّخَني زوجي، ففكرة موت أخي لَم تكن مصيبة بالنسبة له، إذ أنّه لطالما كان يغارُ منه ومِن نجاحه وشعبيّته بين الناس. عندها خطَرَت لي فكرة عظيمة!
قصَدتُ سمير وكذبتُ عليه قائلة إنّني أشكُّ بأنّ زوجي يخونُني، طالِبةً منه النصائح وكيفيّة التصرّف. وفي غضون دقائق، عادَت اللمعة إلى عَينَي أخي، وصرَخَ: :أتركِي الأمرَ لي!”. وبدأَت سلسلة لقاءات بيننا كنتُ أزوّده خلالها بالقصص والتفاصيل المُفبرَكة، وهو يُحلِّل ويُخطِّط، وأنا أدّعي أنّني أُنفِّذ. كنتُ سعيدة لِدرجة لا توصَف، فبالرغم مِن معرفتي بأنّ سمير لن يعيشَ طويلًا، كنتُ أريدُه أن يبقى قويًّا وواعيًا لآخِر لحظة.
إستمرَّ الوضع لأشهر عديدة، لكنّ النهاية صارَت وشيكة. في الواقِع، تصوّرتُ أنّ تلك اللحظة ستكون أكثر صعوبة عليّ، إلّا أنّ “لعبَتي” أعطَت لأخي أيّامًا مُشوِّقة، بعيدًا عن الهمّ والحزن والخوف. فهو كان مُدرِكًا تمامًا لِمصيره، إلّا أنّه بقيَ يُصارِع المرَض حتّى آخِر لحظة مِن أجلي، مِن أجل الإيقاع “بزوجي الخائن” كما أوقَعَ بزوجته.
أغمَضَ سمير عَينَيه للمرّة الأخيرة ورحَلَ بسلام إلى دنيا الحقّ، فبكيتُ كثيرًا لأنّني فقدتُ نصفيَ الآخَر الحقيقيّ، رفيق دربي وحافِظ أسراري. لكنّني كنتُ أعلَم أنّه حارَبَ السرطان حتّى اللحظة الأخيرة بشجاعة وعَزم، وهذا الأمر أعطاني القوّة لتحمّل المُصيبة.
لَم تذرِف إحسان الدّمع إلّا بحضور الأقرباء والغرباء، لكنّها إرتاحَت مِن زوجها، ظانّة أنّها سترِثه وتصرِف ماله على نفسها وعلى عشيقها السابِق أوالقادِم. إلّا أنّها تفاجأَت بالترتيبات التي قامَ بها سمير، فلعَنَته عاليًا وشتَمَته بطريقة سوقيّة لِدرجة أنّ أولادها رأوها على حقيقتها، وعزَلوها بعدَم التعاطي أو التكلّم معها، وتصرّفوا وكأنّها ليست موجودة مع أنّهم بقوا يعيشون في البيت نفسه لأنّهم كانوا لا يزالون قاصرين. لَم أتركهم، وكان بودّي أن آخذهم للعَيش معي، لكنّ زوجي رفَضَ بقوّة، فبدأتُ أزورُهم يوميًّا، وصِرتُ بمثابة أمّهم.
بعد حوالي السّنتَين، إكتشفتُ أنّ لزوجي عشيقة، فابتسَمتُ لأنّني تذكّرتُ سمير وحماسه في “لعبتنا”، وبدأتُ أُطبِّق توصياته لي، إلى حين كشفتُ تمامًا العلاقة وتمكّنتُ مِن مواجهة زوجي وطرده مِن البيت.
وفي غضون أيّام، إنتقَلَ أولاد أخي ليعيشوا معي وابني في البيت. كان الأمر وكأنّه محتوم ومُقدَّر، وكأنّ الأمور تقَع في مكانها، تمامًا كما أرادَ سمير.
