” لا أُريد قصّ شعري!”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

بعد إعلان خطوبتنا بيوم واحِد، طلَبَ منّي فؤاد أن أقصَّ شعري. والواقِع أنّ العلامة الفارِقة التي كنتُ أتمتّع بها كانت شعري الذي وصَلَ طوله إلى أسفل ظهري. هو لَم يكن فقط طويلًا، بل أيضًا جميلًا لِدرجة لا توصَف. وأغرَب ما في الأمر، أنّ ما جذَبَ فؤاد إليّ في بادئ الأمر كان شعري بالذات، وها هو يطلبُ منّي قصَّه! رفضتُ طبعًا، إلّا أنّ والدتي أقنعَتني بأن أُنفِّذ ما أرادَه خطيبي، وكأنّ ذلك اللقَب يُعطيه الحق بالتصرّف بي. هل أنّه اشتراني وبتُّ مُلكه وكأنّني مُجرّد غرَض؟!؟
في آخِر المطاف، قصَّيتُ شعري، لأنّني امرأة شرقيّة وتربَّيتُ على الاستماع لتوجيهات أهلي… والرجُل الذي سأصبحُ زوجته. ولن تتصوّروا أبدًا حالتي النفسيّة كلّما مرَرتُ قرب المرآة! فلَم أعُد أعرِف نفسي، وكأنّني فقدتُ ذاتي وهويّتي. وكان يجدرُ بي أن أعرفَ آنذاك أنّ ذلك تمامًا ما أرادَ فؤاد أن يفعله بي.
ولأنّني وجدتُ نفسي قبيحة بشعري القصير، فقدتُ أنوثتي ولَم أعُد أتفنَّن باختيار ملابسي أو قضاء الوقت في التبرّج، الأمر الذي لَم يُزعِج خطيبي على الإطلاق، بل العكس. وحدهنّ صديقاتي أعرَبنَ عن أسفهنّ على للتحوّل الجذريّ بشكلي ونفسيّتي، ونصَحنَني بعدَم الزواج مِن فؤاد. لَم أستمِع إليهنّ لأنّني كنتُ مخطوبة ولا يجوزُ الرجوع عن هكذا خطوة. فماذا سيقولُ الناس عنّي وعن عائلتي؟ سكنَني الحزن إلى حين اقتراب موعد الزواج، فكنتُ، كسائر الفتيات، أحلمُ بذلك اليوم الجميل، أجمَل يوم في حياتي، أو هكذا قيلَ لي مذ كنتُ صغيرة. إختَرتُ أجمَل فستان وتابَعتُ التحضيرات كلّها كَي لا أتركُ شيئًا للصدَف. ألَم أكن على وشك ربط حياتي برجُل رائع؟
في تلك الأثناء، بدأ شعري ينمو، وكنتُ أسعَد الناس، لكنّني صِرتُ أُسرِّحه بشكل لا يستطيع فؤاد رؤية طوله. على كلّ الأحوال، مُعظم الرجال لا يُلاحظون أمورًا دقيقة كهذه. مُعظم الرجال نعم، لكن ليس النساء… فلقد قالَت لي والدتي في أحَد الأيّام:
ـ عليكِ قصّ شعركِ، فلَم تمُرّ عليّ مُحاولاتكِ.
ـ هذا شعري وأفعَل ما أُريدُ به!
ـ لا، فشعركِ ليس ملككِ.
ـ ماذا؟ ما هذا الكلام؟!؟
ـ ستقصّين شعركِ لأنّ ذلك ما يُريدُه خطيبكِ.
ـ أفهَم مِن كلامكِ أنّ ما أُريدُ فعله بنفسي ليس مُهمًّا؟
ـ تمامًا، فأنتِ مُلكي وقريبًا تصبحين مُلك زوجكِ.
ـ ما هذا الهراء؟!؟ أنا مُلك نفسي! وإن كان موضوع شعري بهذه الأهمّيّة لفؤاد، فالحلّ سهل جدًّا! سأفسَخ الخطوبة!”.
وقَبل أن استدرِكَ الأمر، أخرجَت أمّي مقصًّا مِن جيب روبها كانت قد حضّرَته قَبل مُفاتحتي بالموضوع، وأمسكَت بخصلة كبيرة مِن شعري وقصَّتها قريبًا جدًّا مِن فروة رأسي. أزَحتُها بقوّة عنّي، وركضتُ إلى المرآة لأرى بفظاعة أنّ لا محال لي بترك شعري كما هو، بل عليّ قصّه أو المكوث في البيت لأشهر طويلة. ماذا عن عمَلي؟ كيف أواجِه الناس بهذا الشكل؟ بدأتُ بالبكاء بينما قالَت لي والدتي بعد أن لحِقَت بي إلى الحمّام: “ماذا ستفعلين الآن يا شاطِرة؟”. نظرتُ إليها بِكره عميق وصرختُ بها: “أنتِ عدوّتي لأنّك تُفضّلين خطيبي عليّ، أنا إبنتكِ! إصحي!”. ضحِكَت أمّي ضحكة شنيعة وتركَتني لوحدي أنظرُ إلى نفسي في المرآة وأبكي.
في اليوم نفسه اتّصلتُ بفؤاد لأُخبره أنّني لن أتزوّجه.
وقعَت مُشاجرات عنيفة بيني وبين أهلي بعد الذي فعلتُه، لكنّني لَم آبَه لهم، فليس باستطاعتهم تزويجي بالقوّة. على كلّ الأحوال، لَم يعُد يُريدُني فؤاد بعد أن “تجرّأتُ” وفسَختُ الخطوبة، فرجوليّته لن تسمَح له بالتفكير بإقناعي بالعدول عن قراري. على كلّ الأحوال، إن لَم أكن أتمتَّع بحرّيّة قرار بسيط يتعلَّق بشعري، فماذا كان ينتظرُني بعد الزواج؟!؟
علاقتي بأمّي أمسَت سيّئة جدًّا، فلقد استوعبتُ أنّ تزويجي كان أولويّة لدَيها، وكأنّها تُريدُ التخلّص منّي لأنّني عبء عليها. هي لَم تُسامِحني على جَلب العار عليها بِتَرك خطيبي، وأنا لَم أُسامِحها على قصّ شعري عنوةً وتسليمي كالبضاعة لرجُل غريب. تابَعتُ حياتي بطريقة عاديّة بالذهاب إلى العمَل كالمُعتاد، لكن بتسريحة تُخبّئ قدر المُستطاع شعري. سألَتني مُديرتي عن سبب تسريحتي، فكان مِن الواضِح أنّني أُخفي شيئًا، فبكيتُ أمامها وأخبرتُها القصّة بأكملها. وبعد أن واسَتني، قالت لي:
ـ معركتُنا طويلة وشاقّة… ولقد حاربَني الجميع حين أردتُ التركيز على دراستي بدلًا مِن الزواج، ولاحِقًا على المضيّ في مسيرتي المهنيّة التي تُعطيني فرَحًا واكتفاءً لا يوصَفان. فأنا لَم أولَد لتنفيذ أجندا ما، بل لتحقيق نفسي وطموحاتي لأكون سعيدة كإنسانة.
ـ لكنّكِ مُتزوِّجة يا سيّدتي، ولدَيكِ أولاد.
ـ صحيح ذلك، فلقد انتظرتُ إلى حين أجِدُ الشريك المُناسب، وأقولُ الشريك لأنّ الزواج هو شراكة في كلّ شيء. تعرّفتُ إلى زوجي بعد أن صِرتُ على الدرب الذي اخترتُه لنفسي وبقيَ عليّ أن أتقاسَم مع أحَدٍ طموحاتي وأحلامي وسعادتي. وجدتُ الشخص المُناسِب، والحمد لله، الرجُل الذي يحترِمُ كياني ويدعمُني ويدفعُني إلى الأمام حين تكون الدنيا سوداء. ولو لَم أجِده، لبقيتُ عزباء صدّقيني، فذلك أفضل مِن العَيش مع طاغٍ أو خائن أو إنسان يراكِ أداة مُتعة أو خادمِة أو مكينة إنجاب لإرضاء غروره. زوجي هذا إنسان بالفعل عظيم، وكلّ يوم أقضيه معه هو بمثابة انتصار على ما كان مُقدّرًا لي لو لَم أُنجِز كلّ ما خطّطتُ له.
ـ كلامكِ مُشجِّع، يا سيّدتي، لكن أين سأجِد هكذا رجُل؟
ـ ستجدينَه أينما ذهبتِ، بعد أن تتعلّمي قيمة نفسكِ وتُدركي تمامًا ماذا تُريدين أن تفعلي بحياتكِ. فعليكِ أن تكوني جاهِزة وألّا تتسرّعي. فالزواج مشروع طويل الأمَد، إنّه بداية وليس نهاية كما قيلَ لنا طوال طفولتنا ومُراهقتنا. نحن لَم نولَد لنتزوّج، بل لنُتوِّج حياتنا بعلاقة متينة مع مَن يحترمُنا كإنسان أوّلًا وكامرأة ثانية.”
عانَقتُ مُديرتي وعدتُ إلى عمَلي وقلبي مليء بالسلام والأمَل.
مرَّت حوالي الخمس سنوات منذ ذلك الحديث، وكنتُ خلالها قد ركّزتُ على عمَلي وأنجَزتُ الكثير، خاصّة بعد أن نِلتُ شهادات وتدريبات إضافيّة مُتعلِّقة بِمجال عمَلي. تقرّبتُ أيضًا أكثر مِن زملائي وأصدقائي، وصارَ لدَيّ قوّة دَعم كبيرة بفضلهم. فلَم أشعر بالوحدة التي قد تدفَعني للتعرّف على شاب بحثًا عن الرفقة والتسلية. صِرتُ أيضًا قاِدرة على التفرِقة بين شخص وآخَر، وفَهم شخصيّاتهم بسرعة بدون أن أقَع في فخّ المظاهر والكلام المعسول. علِمتُ أنّ الرجُل الذي أُريدُه في حياتي ليس مِن بين الذين التقَيتُ بهم حتّى ذلك الحين… ومِن ثمّ تعرّفتُ على وليد. في البدء نمَت صداقة بيننا، وعلى مَرّ الأيّام، صِرنا نعرِفُ بعضنا ونُقدِّرُ كلَينا أكثَر. هو أيضًا موظّف لكن في فرع آخَر مِن الشركة، وهذا القاسِم المُشترَك ولّدَ أحاديث عديدة ولقاءات، ولاحقًا حبًّا متينًا مبنيًّا على الاحترام والتقدير.
طلَبتُ رأي مُديرتي بِوليد فأجابَت:
ـ رأيي لا يهمّ، فأنتِ صاحِبة القرار. لكن مِن معرفتي بِسيرته، أستطيع أن أقولَ إنّه إنسان نزيه ويعمَل جاهِدًا. ليس له أعداء في العمَل ويحظى بثقة مُدير فرعه. فإن كنتِ واثِقة مِن حبّه واحترامه لكِ، ومِن أنّه يعتبِر نفسه شريكًا لكِ في الحياة، فلا تتردّدي. هنيئًا لكما.”
فرِحَت أمّي بِخبَر خطوبتي، فقط لأنّها خافَت أن أبقى عزباء طوال حياتي. هي لَم تسأل أيّ سؤال عن وليد، فلَم يكن يهمّها مَن “يستُر عليّ” طالما يُخفِّف مِن عبئي عليها. ليُسامحها الله… لكنّها أمّي ولا يسَعني أن أقسو عليها كثيرًا.
تزوّجنا ورزقَنا الله بابنة جميلة، ولقد تمَّت ترقيَتي في الشركة. ردّة فعل وليد كانت تاريخيّة، إذ لدى معرفته بِخبَر الترقية، حمَلَني ودارَ بي في البيت ثمّ أخذَني إلى مطعم فخم للاحتفال، واتّصَلَ بجميع الأقارِب والأصدقاء ليتقاسَم معهم الفرحة، فقد كان فخورًا بي مع أنّه لَم يترقَّ.
شيء مُهم نسيتُ أن أذكره، فوليد زوجي يعشقُ شعري الطويل ويرى فيه علامة فارِقة يفتخِرُ بها. هكذا يكون شريك الحياة، وليس كخطيبي الأوّل الذي خافَ مِن أن يفقِد رجوليّته بسبب شعري.
وإن كنتُ سعيدة اليوم في حياتي، فالفضل يعودُ أيضًا إلى مُديرتي، وهي امرأة عاقِلة وعصريّة. فلقد علّمَتني أن أثِق بنفسي وبطموحاتي كإنسانة مُستقِلّة ومميّزة. فحياتنا هي ما نصنعها، فحذارِ أن ندمِّرها مِن أجل أيٍّ كان!

أضف تعليق