“إبنتي وزوجة أبيها” – الجزء الأوّل ـ


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

لطالما كانت ابنتي سارة حبيبة قلب أبيها. لذلك، عندما طلّقتُه لأنّه تزوَّجَ عليّ امرأة تصغرُني بعشرين سنة، هي ذهبَت تسكنُ مع العروسَين وتركَتني، لأنّني “حتمًا كنتُ المسؤولة عمّا جرى لي”. كنتُ أعي أنّ تصرّفاتها ناتِجة عن سنّها، فهي كانت في الخامسة عشرة، وستهدأ مع الوقت وتفهَم كَم هو مؤلِم أنّ ترى الزوجة ينهارُ عالمها، وتتفكَّك عائلتها لأنّ زوجها أرادَ تجديد شبابه، ضارِبًا عرض الحائط بسنوات مِن العَيش المُشترَك. فالجدير بالذكر أنّني تعرّفتُ على زوجي قَبل عشر سنين مِن زواجنا، إذ ربطَت بيننا صداقة في الأوّل ثمّ نما بيننا حبّ اعتبرتُه قويًّا كفاية ليدومَ العمر كلّه. لكن اتّضَحَ أنّ ذلك الرجُل يهوى النساء، فهو خانَني مرّات لا تُحصى، ليتزوّجَ مِن أخرى في أخِر المطاف. ومع أنّ سارة كانت على عِلم بتلك الخيانات بسبب مُشاجراتي العنيفة مع أبيها، فهي لَم تقِف ولو مرّة في صفّي، بل بقيَت تجِدُ له أعذارًا وتُلقي اللّوم عليّ. كنتُ بالفعل مسؤولة عمّا جرى، لكن فقط بسبب تحمّلي للذِلّ والإهانة ومُسامحتي زوجي في كلّ مرّة، على أمَل أن يتغيّرَ ويفهَمَ أنّ ما يفعله يؤذيني ويُسبّب لي الحزن والضياع وفقدان ثقتي بنفسي، إذ شعرتُ أنّ شريك حياتي يُريدُ كلّ نساء الأرض إلّا أنا.
بعد رحيل سارة إلى بيت أبيها، شعرتُ بالوحدة والخذلان، فحاولتُ ملء حياتي بعمَلي وهواياتي ورؤية بعض الصديقات. لكنّ بالي كان عند سارة التي باتَت تعيشُ مع امرأة غريبة، بالكاد أكبَر منها سنًّا. كنتُ أعلَم أنّ هدى، زوجة أبيها، ستكون أكثر تسلية لِسارة وتقضي وقت أمتَع معها، لكنّها كانت ابنتي أنا! بقيتُ على اتّصال هاتفيّ مع سارة يوميًّا، وهي كانت تأتي لزيارتي خلال فرصة نهاية الأسبوع، لكنّها رفضَت النوم عندي وفي غرفتها القديمة. كانت تزورني كالغريبة، ثمّ ترحَل للأسف.
بدأَت ترِدُ لي أخبار الاتّفاق التامّ الذي حلّ بين سارة وزوجة أبيها، فالعديد رأوها برفقتها في المُناسبات والمحلّات، وبدا لهم وكأنّهما إختان وُلِدتا مِن بطن واحِد. حزِنتُ طبعًا، لكنّ قلبي ارتاحَ قليلًا بعد أن خفتُ أن تُسيء تلك المرأة مُعاملة ابنتي، كما يحصلُ في غالِب الأحيان في هكذا حالات. لكنّ بالي كان دائمًا مشغولًا بذلك البيت حيث تعيشُ ابنتي التي سُرِقَت منّي بطريقة ماكِرة، وكنتُ أتخايَل كيف يسكنون كلّهم في ذلك المكان ويضحكون ويفرَحون مِن دوني.
ثمّ حمِلَت هدى، وعمَّت الفرحة بيتها. ومِن رؤية وجه سارة وهي تزفُّ لي الخبر يوم كانت في زيارة لي، فهمِتُ أنّها تنتظِر بفارغ الصبر مجيء أخ أو أخت لها إلى هذه الدنيا. فهي كبرَت وحيدة بعد أن منعَني الطبيب مِن مُحاولة حَمل جديدة، لأنّ الأمر كان يشكِّلُ خطرًا عليّ وعلى جنيني، الأمر الذي لَم تتفهَّمه سارة التي بقيَت تلومُني على إبقائها وحيدة. فقد كانت سارة مُراهِقة مُضطرِبة مِن نواحٍ عديدة، للأسف، ويصعبُ عليّ التواصل معها، حتّى بشأن أمور بسيطة. فهي كانت تعتبرُني إنسانة مُزعِجة وغير قادِرة على فَهمها، نتيجة لتوبيخات أبيها لي الدائمة أمامها. فهو كان يعُدّ نفسه دائمًا الأفضل والأذكى، ويسمحُ لنفسه بتخطّي جميع الحدود. الحقّ يقَع عليّ لأنّني لَم أضَع له حدًّا منذ البداية، لكنّ الأوان كان قد فاتَ ولا منفعة مِن التحسّر على ما مضى.
جاءَ المولود إلى الحياة أخيرًا، وخفتُ على ابنتي مِن زوجة أبيها. فكنتُ أعلَم أنّها لن تُحبّها بالقدر نفسه، وأنّها ستُفرِّق بينهما بالمُعاملة، لأنّها في آخِر المطاف ليست أمّها. حاولتُ الاستفادة مِن تلك المرحلة لأتقرّب مِن سارة، إلّا أنّها كانت مُنشغِلة بأخيها الصغير وتعتبرُه لعبتها الصغيرة.
ودقَّ زوجي السابِق بابي في أحَد الأيّام، طالبًا منّي أن آخُذ سارة منه بصورة دائمة، لأنّ زوجته صارَت تتضايَقُ منها وتُريدُ أن تهتمّ بابنها لوحدها لأنّهما يؤلّفان عائلة حقيقيّة. غضِبتُ منه كثيرًا لأنّه يُريدُ التخلّص مِن ابنته مِن أجل امرأة غريبة، مُدرِكًا الألَم الذي سيُسبِّبه ذلك لابنته. قبِلتُ طبعًا تحت شرط أن يتولّى الموضوع هو وليس أنا، فلَم يكن ينقصني ذلك!
أظنُّ أنّ زوجي لَم يجِد الطريقة المُناسِبة ليتخلّص مِن ابنته لأنّ سارة لَم تأتِ إليّ، فارتاحَ بالي قليلًا. إلّا أنّني لَم أكن أعلَم ما كان يتدبَّر لابنتي آنذاك بِغرَض إبعادها، فلَم تخطر ببالي هكذا أمور أبدًا.
لاحظتُ تغيّرًا بسارة حين جاءَت في زيارة لي، وسألتُها عن سبب سكوتها وتحديقها في الفراغ، بينما كنتُ أفعلُ جهدي لتسليَتها في ذلك اليوم. خفتُ أن تكون مريضة، لكنّها أكّدَت لي أنّها لا تشكو مِن شيء، بل أنّها مهمومة بعض الشيء بسبب امتحاناتها في المدرسة. إستغرَبتُ الأمر، فهي كانت دائمًا مِن الأوائل في صفّها، ولا تخاف أبدًا مِن الامتحانات التي كانت تعتبرُها بمثابة لعبة وتحدٍّ. قرّرتُ أن أصبر قليلًا، فالمراهقون يمرّون بمراحل دقيقة لا يعرفون كيف يتعاملون معها.
في الزيارات التي تلَت، إزداد ارتباك سارة، وأحسَستُ أنّها تُريدُ مُشاركتي شيئًا أو أشياء، لكنّها بقيَت تنكُر أنّ هناك ما يُقلقُها. عندها، أكّدتُ لها أنّ بإمكانها أن تثِقَ بي وتعتمِدَ عليّ في كلّ لحظة إن احتاجَت لذلك. سألتُ زوجي السابِق عن الموضوع، وهو أكَّدَ لي أنّ ابنتنا سعيدة للغاية معه ومع زوجته والمولود، ولا داعٍ لأشعرَ بالقلق. هو أضافَ أنّني “كعادتي” أتصوّر أمورًا لا وجود لها، وأختلِقُ المشاكِل. لَم أردّ على حديث سمعتُه ألف مرّة وبقيتُ أُصدِّق شعوري، شعور أمّ تعرفُ ابنتها عن ظهر قلب.
في زيارة ابنتي التالية، سمعتُ رنّة هاتف خفيفة مِن داخل حقيبة ظهرها، فسألتُها إن كان لدَيها هاتِف محمول. إحمرَّ وجهها وأنكَرَت الأمر بقوّة، مع أنّني كنتُ مُتأكّدة مِن الذي سمعتُه. للحقيقة، لَم تُبدِ لدى سارة رغبة بالحصول على هاتف خاصّ، فآنذاك كان الأمر غير شائع بعد للأولاد والمُراهقين، وفقط البالغون والذين هم بحاجة إليه لأسباب مهنيّة كانوا يحملون هاتفًا. إنتظرتُ حتّى دخلَت ابنتي الحمّام لأفتِّش حقيبتها، ووجدتُ بالفعل هاتف حديث الطراز وغالي الثمَن. فتحتُ بسرعة قائمة الاتّصالات، واكتشفتُ رقمًا وحيدًا يتبادَل المُكالمات مع ابنتي. حفظتُه في ذاكرتي وأعدتُ الهاتف لمكانه وادّعَيتُ أنّني لَم أعلَم شيئًا. فآخِر ما أردتُه هو إخافة سارة ودَفعها للكذب عليّ أو قطع زياراتها لي.
بعد رحيل سارة إلى بيت أبيها، دوَّنتُ الرقم على ورقة وضعتُها في حقيبة يَدي، مُصمّمةً على معرفة مَن صاحبه. فمَن كان قد أهداها ذلك الهاتف؟ حتمًا ليس زوجي السابِق أو أحَد الأقارِب، فثمنه كان يوازي راتِب شهر بكامله!
في اليوم التالي، قصدتُ مركز الاتّصالات في منطقتنا، وشرَحتُ للموظّفة أنّ ابنتي تُكلّم مجهولًا، وعليّ معرفة هويّة ذلك الشخص مهما كلَّفَ الأمر. فتحَت الموظّفة حاسوبها ووجدَت أنّ الرقم يعودُ لشخص اسمه وائل م. فشكرتُها بحرارة وعدتُ إلى عمَلي. كنتُ آمل أن تكون ابنتي تتبادَل الأحاديث مع صديقة ما، لكنّ شيئًا في داخلي كان يعلَم أنّها تتحدّث مع شاب. كانت سارة لا تزال صغيرة على مسائل الحبّ والغرام ولا تعرفُ شيئًا عن الناس والحياة، ومِن السهل الإيقاع بها. يا إلهي… لماذا فرّقتَ بيني وبين ابنتي الحبيبة؟ كيف لي أن أحميها وهي بعيدة عنّي؟
إتّصلتُ على الفور بزوجي السابِق وأطلعتُه على ما يجري، فهو كان يراها أكثر منّي وباستطاعته مُراقبتها. إلّا أنّه ضحِكَ قائلًا:
ـ أنتِ دائمًا ترَين الشرّ في كلّ مكان… خيالُكِ مرَضيّ. إبنتي ملاك وأنتِ تُريدين إثبات عدَم جدارتي بتربيتها، وأنّ هدى تُهمِلها كونها زوجة أب. كَم أنّني سعيد لأنّني لَم أعُد معكِ! لِما لا تجدين رجُلًا تُلقي عليه مشاكلكِ النفسيّة وتدَعينا وشأننا، فنحن نُشكِّل عائلة سعيدة، أم أنّ ذلك هو تمامًا ما يُغضبُكِ؟”.
أقفَلتُ الخط بِغضب، فكان مِن المُستحيل أن أُجريَ حديثًا طبيعيًّا مع ذلك الرجُل، وأنا بالفعل التي عليها أن تكون مسرورة لِرحيله!
وكما تجري الحالة عادةً، إتّضَحَ أنّني كنتُ على حقّ، فلدى النساء حاسّة سادِسة لا ولن يمتلِكها الرجال. إبنتي كانت بالفعل تتحدّث مع رجُل، لكنّ القصّة كان لها أبعاد أكبَر وأخطَر مِن ذلك!
(يتبَع)

أضف تعليق