“إبنتي وزوجة أبيها” ـ الجزء الثاني والأخير ـ


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

شكوكي بأنّ شيئًا ما يحدث مع ابنتي سارة في بيت أبيها وزوجته وابنهما الرضيع، كان في محلّه. فكيف لِهدى أن بدَّلت رأيها في ما يخصّ بقاء ابنتي معها، في حين أرسلَت زوجها لي ليطلب منّي أن آخذها عنهما؟ هل أنّ تردّد زوجي السابِق بالتخلّي عن سارة أحرجَها، وادّعَت أنّها تقبَل بها مِن جديد، أم أنّها وجدَت طريقة أخرى للتخلّص منها؟ وماذا عن ذلك الهاتف الثمين والرجُل المجهول الذي يتّصل بابنتي على الدوام؟ فكان لا بدّ لي أن أعلَم ما يجري، بعد أن أوكلتُ أب سارة بالتقصّي عن الموضوع ورفَضَ تصديقي. لِذا، إنتظرتُ قدوم فرصة نهاية الأسبوع لأتحدَّثَ مع سارة بكلّ صراحة ووضوح. فسألتُها:
ـ حبيبتي… قولي لي، ما الذي يشغلُ بالكِ؟ لا تنكري كما في المرّة السابِقة، فلستُ غبيّة. وماذا عن هاتفكِ المحمول؟ أجل، أعرِفُ بوجوده… وماذا عن الذي أهداكِ إيّاه… ذلك الذي اسمه وائل؟
ـ كيف علِمتِ باسمه؟؟؟
ـ لأنّني أمّكِ ويهمُّني أمركِ وعليّ حمايتكِ.
ـ لا يحقُّ لكِ!
ـ بلى! يحقُّ لي أن أعرِفَ مَن يُكلِّمُ سرًّا ابنتي المُراهِقة.
ـ أكرهُكِ!
ـ وأنا أحبُّكِ. إسمعي… في هذه اللحظة لا تهمُّني مشاعركِ نحوي، لأنّكِ في سنّ يتّسِم بالجهل والغباء. وموقف أبيكِ منّي الدائم لا يُساعِد، لكنّ ذلك موضوع آخَر. مَن هو وائل؟ تكلّمي!
ـ حسنًا… على كلّ الأحوال، كنتِ ستعلمين بالأمر قريبًا… وائل هو خطيبي.
ـ ماذا؟؟؟ ومتّى تمَّت الخطوبة؟ ولماذا لَم أعلَم بالأمر؟ هل أبوكِ…
ـ أبي لَم يعلَم بالأمر هو الآخَر، فقط هدى.
ـ وما دخلها؟؟؟
ـ هي التي عرّفَتني على حبيبي وائل.”
إختنَقَ صوتي ولَم أعُد قادِرة على الكلام. فتلك المرأة اللعينة كانت قد سرقَت زوجي منّي والآن تُريدُ تقرير مصير ابنتي التي كانت لا تزال صغيرة ليس فقط للزواج، بل أيضًا لأمور الغرام. لكنّني تمالَكتُ نفسي كَي لا أُخيفَ سارة، فسألتُها بصوت ناعِم أن تُكلِّمني عن ذلك الشاب، وهي بدأت تقول:
ـ وائل رجُل مُميّز… فهو صاحِب شركة كبيرة و…
ـ مهلًا! كَم يبلغ مِن العمُر؟!؟
ـ أربعون سنة يا ماما… لكنّه ظريف للغاية ونقومُ بنشاطات عديدة سويًّا.
ـ وهل تواعدينه؟
ـ أجل! ومنذ البداية، فكيف لي أن أتعرّف عليه جيّدًا؟ دعيني أكمِل، فأنا مُتأكِّدة مِن أنّكِ ستُحبّينه!
ـ أكمِلي.
ـ وبيته ضخم للغاية! إنّه بمثابة قصر!
ـ زرتِ بيته؟!؟
ـ أجل، لكن ليس لوحدي، بل بمُرافقة زوجة أبي، لا تخافي!
ـ كلّ تلك المواصفات، وهو لَم يتزوّج حتّى اليوم؟ أمر غريب.
ـ للحقيقة… هو مُتزوّج بالفعل، لكنّه ليس مُتَّفِقًا مع زوجته. وقد نقلَها مِن البيت وكذلك أولاده إلى مسكن آخَر لأحلّ مكانها. لا يُريدُ تطليقها لأنّها أمّ أولاده، لكنّ ذلك لا يزعجُني، فالأمر وكأنّه مُطلَّق.”
شعرتُ بالغرفة تدورُ بي، فابنتي المُراهِقة ستتزوّج مِن رجُل في سنّ أبيها، رجُل مُتزوّج وأب لِعدَد مِن الأولاد! أليست تعي أنّها مُجرّد نزوة بالنسبة له، لأنّه على ما يبدو يهوى الفتيات الصغيرات، أمر شاذ للغاية! فقلتُ لها:
ـ إنّكِ قاصِر ولا يسعكِ الزواج مِن دون إذني وإذن أبيكِ. عليكِ قطع تلك العلاقة على الفور، فأنتِ مغشوشة بالمال والمُعاملة الجيّدة التي تتلقّينها مِن ذلك الشخص. فأن يُعجَب بكِ رجُل في سنّه يعني أنّه قذِر وشاذ، ولا يُريدُ سوى سَلب براءتكِ وسرعان ما سيرميكِ كما رمى زوجته وأولاده.
ـ أبي سيُوافِق، هكذا أكّدَت لي هدى، فهي ستعرِف كيف تُقنِعه!
ـ ألا ترَين أنّها تُريدُ التخلّص منكِ؟ والله يعلَم ماذا ستجني أيضًا مِن إعطائكِ لوائل!
ـ بل هي تُحبّني وتفهَمني، ربّما لأنّ سنّها قريب مِن سنّي، فأنتِ عجوز ومِن جيل قديم!
ـ أنا عجوز؟!؟ أنا أصغَر مِن “خطيبكِ” يا حبيبتي! إسمعي… دعيني ألتقي بوائل، ربّما إن جالَستُه قد أغيِّر رأيي به، أليست هذه فكرّة جيّدة؟”.
سكتَت سارة وفهِمتُ أنّها لن تُمانِع. بقيَ أن “توافِق” زوجة أبيها. بقيتُ ألِحّ على سارة في الأيّام التي تلَت على تحديد موعد للتعرّف على “العريس”، إلى حين حصلتُ أخيرًا على تاريخ ومكان لذلك. المُشكلة كانت أنّني سألتقي وائل بحضور الزوجة الجديدة ومِن دون سارة. كيف لي أن أجلسَ وجهًا لوجه مع تلك المرأة الماكِرة؟ يا إلهي!
حين وصلتُ المطعم، أدَرتُ تطبيق التسجيل في هاتفي، فمَن يعلَم؟ كنتُ غاضِبة جدًّا، لكنّني كنتُ أعلَم أنّ عليّ التغلّب على ذلك الغضب للوصول إلى نتيجة. على إحدى الطاولات، كان بانتظاري وائل هدى، وأعترِف أنّ رِجلَيّ كانتا ترتجِفان لكنّني حافظتُ على هدوئي، على الأقل خارجيًّا. تفاجأتُ بِصغر سنّ هدى وجمالها، لكنّها بدَت لي قاسية وغير ودودة، مع أنّني مَن كان عليها أن تمتعِض مِن التي سرَقَت زوجها! أمّا بالنسبة لوائل، فوجدتُه كبيرًا في السنّ، ليس فقط على ابنتي، بل فعليًّا، وفهِمتُ أنّه لَم يكن في الأربعين مِن عمره، بل على الأقلّ في الستّينات، الأمر الذي زادَ مِن اشمئزازي منه! بدأ الرجُل يعرضُ عليّ ثراءه ويتكلّم عن الحياة التي سيُقدّمها لسارة، فأجبتُه:
ـ لا يهمُّنا المال، يا سيّدي، فابنتي عاشَت وتعيش وسط عائلة مُكتفية. ولا أظنّ أنّكَ واقِع في الغرام، فأيّ رجُل ستّينيّ يُغَِم بفتاة في السادسة عشرة مِن عمرها؟ أنتَ تهوى شبابها وليس أكثر.
ـ لستُ ستّينيًّا بل…
ـ لن تستطيع غشّي، فلستُ غبيّة كابنتي.
ـ أفهَم مِن حديثكِ أنّكِ لستِ موافِقة؟
ـ إسمَع، لن أوافِقَ أبدًا على تزويج ابنتي مِن رجُل في سنّ جدّها، رجُل رمى زوجته وأولاده جانبًا، ليستمتِع ببراءة مُراهِقة قبل أن يرميها هي الأخرى. ما هو مفهومكَ للزواج؟ أن تُعاشِر فتاة بريئة لبعض الوقت لِتشعر أنّكَ مُنتصِر وقويّ وشابّ؟ ما هي القواسِم المُشتركة بينكما ليطولَ زواجكما؟ أنتَ إنسان قذِر وعليكَ أن ترمي بنفسكَ عند رِجلَي زوجتكَ للمُسامحة!”.
قامَ وائل مِن مكانه وترَكَ المطعم بِغضب. بقيَت هدى جالِسة بصمت إلى حين هي قالَت لي:
ـ أنتِ غبيّة… زوّجيها وانعَمي بالمال!
ـ أهذا ما وعدَكِ به وائل، المال؟ ومِن أين تعرفينه؟ فلا تبدين لي مِن الذين يعرفون الأثرياء وأصحاب الشركات!
ـ وائل كان… كان أوّل رجُل في حياتي وأستطيع الجزم بأنّه كريم للغاية.
ـ برافو! تُدبّرين زوجًا لابنتي مرَّ عليكِ أنتِ الأخرى؟!؟ وتفتخرين بنفسكِ؟ إبنتي لن تصبح مثلكِ طالما أنا موجودة! سيعرفُ زوجكِ بكلّ شيء!
ـ زوجي هاهاها! إنّه لعبة بين يدَيّ، فانا شابّة وجميلة، على عكسكِ! إسمعي، لا أريدُ تلك القردة في بيتي!
ـ عمَّن تتكلّمين؟
ـ عن سارة، تلك القردة التي تخال نفسها تعيش في بيتها! إنّه بيتي وهذه عائلتي!
ـ ألهذا تُريدين تزويجها؟
ـ بالطبع، فأبوها جبان، ولَم يجِد الجرأة للتخلّص منها! لا أُريدُها في حياتي!”.
إبتسَمتُ لدى سماع كلامها، فكلّ كلمة قالَتها كانت تُسَجَّل في هاتفي، وكانت سارة ستعرفُ أخيرًا مَن هي حقًّا تلك المرأة. غادَرتُ المكان وأنا لا أزال أبتسِم، وحمَدتُ ربّي أنّني أعيشُ في عصر تُتيح فيه لنا التكنولوجيا حفظ حقوقنا!
إتّصَلتُ بزوجي السابِق وطلبتُ منه المجيء إلى بيتي برفقة سارة. وحين هما وصَلا، زفَّيتُ عليه خبَر خطوبة ابنتنا وهو تفاجأ لأقصى درجة، وغضِبَ لأنّه كان آخِر مَن يعلَم. بدأَت سارة تُعدِّد له مزايا وائل على أمَل إقناعه به، إلّا أنّني أوقفتُها عن الكلام وأدَرت التسجيل. سادَ سكوتٌ رهيب خلال عرض التسجيل، لأنّ ابنتي وأباها إستوَعبا ما كان يحصل. قرأتُ المُفاجأة والاستنكار على وجهَيهما، وبدأَت سارة بالبكاء، فعانقتُها بحنان بينما توعَّدَ أبوها بتطليق زوجته فور عودته إلى البيت. أعربَت سارة عن رغبتها في البقاء معي فأجبتُها: “غرفتُكِ لا تزال كما كانت، أي بانتظار عودتكِ، فكنتُ واثِقة مِن أنّ هذا اليوم آتٍ”.
لَم يُطلِّق زوجي السابِق هدى، فلا بدّ أنّها وجدَت الوسيلة لإقناعه بالعدول عن قراره، ولَم يؤثِّر ذلك بي، فكلّ ما كان يهمّني هو أنّني استرجَعتُ صغيرتي التي فهِمَت تمامًا مَن هي عدوّتها الحقيقيّة ومَن التي تُحبُّها أكثر مِن أيّ شيء في الدنيا.

أضف تعليق