(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
حصلَت هذه القصّة منذ سنوات عديدة، عندما لَم تكن التكنولوجيا الموجودة اليوم قد أبصرَت النور. فآخِر ما إبتُكِرَ آنذاك، كان الهاتِف اللّاسلكيّ، الذي أتاحَ لنا التكلّم مِن أيّة غرفةٍ كانت، مِن دون التعثّر بالسّلك أو المكوث في مكان واحِد. كان الجهاز غالي الثمَن، لكنّ الكثيرين اشتَروه، كعلامة تفوّق اجتماعيّ. وكنّا فخورين بأنفسنا يوم جاءَ أبونا إلى البيت وبِيَده علبة وعلى وجهه بسمة فخر وانتصار. فالعلاوة التي حصَلَ عليها في عمَله خوّلَته شراء ذلك الهاتف العصريّ، الأمر الذي جلَبَ له مِن قِبَلنا وأمّنا التهاني والمَديح. أخبَرنا أقاربنا وأصدقائنا عن الأمر، والكلّ سألَنا ألف سؤال عن جدّيّة التقاط الهاتف المُكالمات في أنحاء البيت وحتّى خارجه، إن كانت المسافة ليست بعيدة!
وضَعنا قاعِدة الهاتف في مدخل الشقّة، وأقَمنا جدوَل لاستعماله مِن جانِب أفراد العائلة بالمداورة، إذ كثُرَت اتّصالاتنا فجأة. لكنّ أمّنا حذّرَتنا مِن إحداث أيّ ضرَر للهاتف لأنّ ثمنه كان عاليًا ولن يشتري والدُنا هاتفًا آخَر لو حصَلَ لهذا شيء. كنّا نعي ذلك تمامًا، إذ لَم نكن أثرياء كباقي سكّان المبنى، فالجدير بالذكر أنّ لأبي طموحات عالية في هذه الدنيا وأرادَ الاختلاط بالطبقة المُخمليّة، حتّى لو عنى ذلك أن يعمَل ليلًا نهارًا وأن نحرم أنفسنا مِن أمور عديدة. فهو باعَ قطعة أرض لَم يكن يملك سواها، لننتقِل إلى ذلك المسكن وأدخلَنا مدارس خاصّة. مِن جانبها، بقيَت أمّي تُساعِده في دفع الأقساط المدرسيّة، بالعمَل على مكينتها كخيّاطة لزبونات ثريّات. كنّا ندرك أنّنا لسنا كباقي سكّان المبنى مِن حيث المُستوى الاجتماعيّ، لكنّ ذلك لَم يؤثِّر بنا كثيرًا، لأنّنا أبقَينا صِلة وطيدة مع دائرتنا القديمة والعائلة، ولَم نشعُر بالوحدة أبدًا.
هنا تبدأ القصّة، التي هي مُتعلِّقة مُباشرةً بذلك الهاتف العصريّ، إذ أنّه كان مِن المألوف أن يلتقِطَ أحاديث يُجريها مَن يمتلِك الطراز نفسه، وذلك بسبب تشابك الموجات، فنسمَع أحيانًا أصواتًا، غالِبًا غير مفهومة، فنُقفِل الخط بانتظار أن يُنهي هؤلاء الغرباء حديثهم. فلَم يكن مِن اللائق الاستماع إليهم، هذا إن فهِمنا ما يُقال. وفي تلك الفترة بالذات، لاحظتُ أنّ أبي بدأ يقضي وقتًا طويلًا مُمسِكًا جهاز الهاتف على أذنه مِن دون أن يتكلّم، وكأنّه يستمِع لأحَد على الجهة الأخرى. في البدء لَم أعطِ للأمر أهمّيّة كبرى، إذ أنّني خِلتُ أنّه وسط مُكالمة وأنّ المُتكلّم يطيلُ الحديث، لكنّ تكرار الموقف استقطَبَ انتباهي. ورأى والدي أنّني أُراقِبه، فصارَ يأخذُ الهاتف معه إلى الحمّام. ألصَقتُ أذني على باب الحمّام مرّات عديدة، ولَم أسمَعه يتكلّم ولو مرّة، بل يسودُ دائمًا سكوت طويل. وفي إحدى المرّات، تجرّأتُ وسألتُه حين فتَحَ باب الحمّام وهو يخرجُ منه:
ـ ماذا تفعل بالهاتف يا بابا؟
ـ وما شأنكَ أنتَ؟
ـ لا شيء… أعني… أُريدُ استعمال الهاتف!
ـ حسنًا… ظنَنتُكَ تُراقبُني. خُذ، وأعِده لي حين تنتهي منه.”
أخذتُ الهاتف إلى غرفتي وفتحتُه وإذ بي أسمَع أصواتًا، صدى حديث بالكاد فهمتُ كلماته. أقفلتُه وأعدتُه لأبي بعد أن فهمتُ أنّه يستمِع لأحاديث الناس. للصراحة، لَم أكن مسرورًا، فشعرتُ أنّ ما يفعله والِدي لَم يكن لائقًا ولَم يُربِّنا هكذا أبدًا، بل لطالما ردَّدَ لنا وأمّي أنّ لا شأن لنا بحياة لآخرين، بل علينا احترام خصوصيّاتهم.
قصدتُ والدتي وأخبرتُها عمّا يفعله زوجها وهي لَم تُصدِّقني في البدء، لكنّها تذكّرَت أنّها هي الأخرى رأته يضَع الهاتف على أذنه مِن دون أن يتكلّم. غضِبَت مِن الأمر ووعدَتني أنّها ستوبِّخه لكن مِن دون أن تفضَحني. لكن بعد أيّام، وجدتُ أمّي وهي تستمِع أيضًا لحديث الناس عبر الهاتف، فركضتُ إليها صارِخًا:
ـ ماذا تفعلين؟!؟
ـ إخفِض صوتكَ! دعني أستمِع، فالموضوع مُشوِّق!
ـ أعطِني الهاتف الآن!!!”.
لكنّها ركضَت بسرعة إلى أبي وأعطَته الهاتف ثمّ استدارَت نحوي ونظرَت إليّ بغضب كبير قائلة: “أبوكَ كان على حقّ، أنتَ بالفعل ولَد عقوق!”. لَم أصدِّق ما سمعتُه، فماذا كان يجري؟ كيف تنقلِبُ عائلتي هكذا؟!؟
صمَّمتُ على معرفة الجواب، فراقَبتُ والدَيّ. لَم أُطلِع إخوتي على شيء، إذ كانوا صغارًا وبإمكانهم إفشال خطّطي. وتبيّنَ لي مِن مُراقبتي، أنّ أبي وأمّي مُتّفِقان تمامًا حول موضوع الاستِماع إلى حديث الناس، لا بل يتناوبان على استِراق السمَع! وبعد حوالي الأسبوعَين، إشترى أبي سيّارة جديدة وحديثة الطراز! تفاجأتُ كثيرًا لأنّه كان يُردِّدُ منذ فترة قصيرة أنّه غارِقٌ تحت الديون، وأنّ تلك الحياة تُكلِّفه كثيرًا وأنّه لن يستطيع العَيش يومًا كالأغنياء. وحين سألتُه عن مصدر المال لتلك السيّارة، غمزَني قائلًا: “علينا أن نشكُرَ أمّكَ على ذلك، فأفكارُها دائمًا مُثمِرة!”. عندها، وبالرغم مِن أنّني لَم أكن سوى مُراهِق، بدأتُ أفهَم ما يحصل، واستطَعتُ ربط الأحداث ببعضها. فكان والِدايَ قد سمِعَا حتمًا ما بإمكانهما استعماله لابتزاز أحَد الجيران. شعرتُ بالخزيّ أمام فظاعة الأمر، وقرّرتُ وضع حدٍّ لِما يجري. لكن أوّلًا كان عليّ التأكّد مِن نظريّتي!
بدأتُ استراق السمَع لأرى إن كنتُ قادِرًا على التعرّف إلى الأصوات الصادِرة مِن الهاتف، فكنتُ قد التقَيتُ بضع مرّات بجيراننا في مدخل المبنى أو المصعد وتبادَلنا ليس أحاديث طويلة بل كلمة أو اثنتَين، فهم لَم يكونوا يُحبّوننا كثيرًا لأنّنا لسنا مِن مُجتمعهم. باءَت مُحاولاتي بالفشل، فلَم أكتشِف مَن هو المُتكلّم، خاصّة أنّ الأحاديث خفَّت كثيرًا في الأواني الأخيرة واقتصَرَت على كلمات سريعة وخاطِفة، حتمًا نتيجة لابتزاز أهلي لهم.
لكن حدَثَ أن تواجَدتُ بعد فترة قصيرة في المصعد مع إحدى جاراتنا، إمرأة في الخمسين مِن عمرها. وحالما رأتني، نظرَت إليّ بِغضب لا يوصَف وقالَت لي:
ـ إركَب في المصعد التالي، فلا أُريدُ مِن أمثالكَ معي!
ـ لماذا يا سيّدتي، فلَم أفعَل شيئًا لكِ!
ـ أنتَ فِرخ أفعى… مثل أهلكَ تمامًا! فأنتم لا تمتلكون ذرّة أخلاق أو حتّى شفقة!
ـ آه… فهمتُ الآن… سيّدتي، أنا أفضَل بكثير مِن أهلي، وأظنُّ أنّني أعرِفُ سبب غضبكِ. إعلَمي أنّني لستُ موافِقًا على ما جرى على الإطلاق.
ـ حقًّا؟
ـ أجل. لكن قولي لي… لماذا دخَلتِ لعبة أهلي، فكلّ ما كان عليكِ فعله هو الإنكار، فليس لدَيهما أيّ إثبات.
ـ أنتَ لا تعرفُ زوجي، فبإمكانه تصديق أيّ شيء عنّي، ولا حاجة له لِدليل.
ـ بإمكاني مُساعدتكِ، فأنا مُتأكِّدٌ مِن أنّكِ لن تنتهي مِن الدفع، وقد يطولُ الأمر.
ـ كيف تُساعِدني؟
ـ هل زوجكِ في البيت؟
ـ لا.
ـ خذيني إلى شقّتكِ، لا تخافي منّي، سأُساعدكِ بالفعل. لكن عليكِ أن تعِديني بألّا تؤذي والِدَيّ وإلّا تخلَّيتُ عنكِ!”.
كانت في بالي خطّة رأيتُها في أحَد الأفلام وكنتُ مُستعِدًّا لِتنفيذها. أدخلَتني الجارة إلى دارها، فطلبتُ رقم بيتنا مِن هاتفها، وقلتُ لأبي بعد أن وضعتُ طرَف كمّي على السمّاعة وجعَلتُ صوتي يبدو وكأنّني رجُل ناضِج:
ـ هل السيّد م. موجود؟
ـ أنا هو، مَن المُتكلِّم؟
ـ أنا الرائد توفيق، وأنا موجود في شقّة السيّدة سامية، وهي اتّصلَت بنا لتُقدِّم بلاغًا ضدّكَ بسبب عمليّة ابتزاز هي ضحيّتها، وتتّهمُكَ بالأمر.
ـ أنا؟ لا… لستُ الفاعِل! لماذا تتّهمُني؟
ـ لا تنكُر! إعلَم أنّ عقوبة الابتزاز ثقيلة جدًّا وقد تواجِه السجن لسنوات طويلة، ليس لوحدكَ، بل أيضًا كلّ مَن اشترَكَ معكَ! أسمِعتَني؟
ـ أقسمُ لكَ…
ـ سأُتابِع القضيّة شخصيًّا عن كثَب وستسمَع منّي قريبًا… في القسم! أرجو أن تكون بريئًا، فلدَيكَ عائلة عليكَ التفكير بها!”.
كان قلبي يدقُّ بقوّة وأنا أنتحِل شخصيّة المُحقِّق، فترَكتُ تلك المرأة والشقّة بسرعة، ودخَلتُ مسكننا لأجِد أبي بحالة يُرثى لها، فهو كان يرتجِفُ مِن الخوف وأمّي تبكي وتتحسَّر. سألتُهما عن سبب حالتهما، لكنّهما طلَبا منّي دخول غرفتي وعدَم العودة قَبل موعد العشاء.
في اليوم التالي، قالَ لنا أبونا مساءً إنّه باعَ السيّارة “لأنّها لَم تُعجِبه”. وفي الصباح، وأنا ذاهب إلى المدرسة طرَقتُ باب الجارة وهي أخبرَتني أنّ أبي أعادَ لها مالها وأعتذَرَ منها بحرارة، طالِبًا منها سَحب بلاغها لأنّه كان “يُمازحُها”. شكرَتني المرأة بحرارة وأرادَت إعطائي مُكافأة، فرفَضتُ بقوّة قائلًا إنّني فعَلتُ ما يُملي عليّ ضميري وحسب.
بعد أقلّ مِن شهر، باعَ أبي الشقّة ورحنا نعيشُ في حَيّ يُشبُهنا، وسط أناس ننتمي إليهم، فخفَّ الضغط عن والدي الذي لَم يعُد بحاجة “للانتماء”. لَم أعرِف ما اقترفَته الجارة ليبتزَّها والِدايَ، ولَم يهمّني الأمر، لأنّ ما مِن شيء يعذرُ ما فعلاه. لا أنكرُ أنّ لزِمَتني سنوات لأغفُرَ لأبوَيّ ما فعلاه، وعُدتُ أتطلَّع إليهما باحترام بعد أن فهِمتُ أنّهما لَم يكونا أناسًا سيّئين، بل رأيا فرصة لِكسب المال والتمكّن مِن عَيش حياة أراداها راقية.
كَم مِن السهل أن يقَع المرء في التجربة وينسى قيَمه ويفقد إنسانيّته مِن أجل المال والجاه!
