(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
لَم يكن يجدرُ بي ربط حياتي بحياة رجُل مُتزوِّج، لكنّني وجدتُ عريسي مُناسِبًا لي للغاية. عارَضَ أبي بقوّة، لأنّه يعرفُ كيف هم الرجال وما في عقولهم وقلوبهم، إلّا أنّ أمّي قالَت له:
ـ العريس ثريّ… لدَيه أملاك… أراضٍ ومزارع وعمّال!
ـ إبنتي ليست للبيع! ناهيكِ عن سنّ ذلك الرجُل! فهو في مثل سنّي!
ـ مِمَّن تُريدُها أن تتزوّج إذًا؟ مِن رجُل مثلكَ لِتعيش في القلّة كما حصَلَ لي؟
ـ ما هذا الكلام؟!؟
ـ إنّها الحقيقة، فليس لدَيكَ أيّ طموح، بل تكتفي بالقليل مُردِّدًا “الحمد لله” طوال النهار!
ـ بالفعل الحمد لله! تُريديني أن أنكُر فضل الله علينا؟؟؟
ـ الله لا يُريدُكَ أن تبقى مكانكَ طوال حياتكَ!
ـ لكن لدَيّ وظيفة، فلستُ جالِسًا في البيت طوال النهار!
ـ وذلك غير كافٍ. أترك البِنت لي، فأنا أعرِفُ ما هو الأفضل لها!”.
سكَتَ المسكين بعد أن سمِعَ زوجته تشمتُ به أمام ابنته، فركضتُ أواسيه وأُقبِّله قائلة له: “أنتَ أفضل الآباء، لا تأبَه لكلامها، فأنتَ تعرف كيف هي”.
وبعد ثلاثة أشهر، كنتُ مُتزوِّجة.
أسكَنَني ماجِد زوجي في شقّة جميلة تقَع في حَيّ راقٍ، بينما بقيَت زوجته الأولى وأولادهما في البيت الأساسيّ، وأمضى مُعظم وقته معي وكنّا نخرجُ إلى أفخَم الأماكن. للحقيقة لَم أُفكِّر للحظة بعائلة ماجِد، فزواجه منّي عنى أنّه لا يُحِبّ زوجته، ولا قواسِم مُشتركة بينهما سوى أنّهما أنجَبا أولادًا. إضافة إلى ذلك، هو أكَّدَ لي أنّه لا يُحبُّها، بل كان زواجهما مبنيًّا على مصالِح مُشتركة بين أهلهما. ففي تلك المُجتمعات، مِن المُهِمّ جدًّا أن يرتبِطَ المرء بمَن يجلِبُ له المزيد مِن المال أو الجاه أو المعارِف. على كلّ الأحوال، لِما آبَه لتلك المرأة وأولادها ما دامَ زواجي حلالًا؟
زرتُ أهلي على الدوام، وجلَبتُ لهم ولإخوَتي الهدايا الجميلة، إلّا أنّ أبي بقيَ يرفضُ قطعيًا أخذ أيّ شيء قائلًا على الدوام: “لن أقبضَ ثمَن بَيعَكِ، يا حبيبتي”. كنتُ أحزَن لدى سماعي ذلك، مع أنّني لَم أكن أُدرِك آنذاك أنّه كان قد رأى الصورة بوضوح تام. أمّي، مِن جهّتها، كانت فخورة بي لأقصى درجة، وتتكلّم عن “إنجازي” لكلّ الناس وهم يُهنّؤونها وكأنّني بطلة. في كلمة، كنتُ سعيدة للغاية لأنّ حياتي كانت جميلة.
كنتُ أقضي معظم وقتي في شقّتي، لأنّ ماجِد لا يُحِبّ أن تخرج زوجته مِن دونه. وحين هو في شركته يُديرُ أعماله، كنتُ أشعرُ بالملَل، لكن حين يعودُ، كنّا نخرج سويًّا أو نمضي المساء باللهو، فمعي، هو كان كالمُراهِق. شيء واحِد ضايَقَني في ما يخصّ زواجي ما عدا عُزلتي، هو أنّ زوجي كان يطلبُ مُعاشرتي صباحًا ومساءً، حتّى لو لَم أكن موافِقة، إلّا أنّه كان يُقنعُني قائلًا: “أنتِ زوجتي وهذه واجباتكِ… ألا أقومُ بواجباتي تجاهكِ؟”. على كلّ الأحوال، ظنَنتُ آنذاك أن الأمر اعتياديّ لدى المُتزوّجين، فكيف لي أن أعرِف أنّ الحياة الخاصّة والحميمة للزوجَين ليست واجِبًا، بل رغبة بالآخِر وحبًّا به؟
الحبّ… هل أحبَبتُ ماجِد؟ ليس فعليًّا، فلَم يتسنَّ لي معرفته جيّدًا لأُقدِّر خِصاله وأختبرُه. فالحقيقة أنّه وجَدني بواسطة امرأة تُدبِّر العرسان، كما كان تجري العادة منذ فترة طويلة، وهي كانت مِن النادِرات المُتبقيّات في مهنتها، وتحظى بسُمعة جيّدة بين الناس إذ أنّها دبَّرَت زيجات عديدة، ولَم يتذمَّر أحَدٌ منها. فسِرّها كان أنّها تجِدُ الطلَب المُحدَّد لدى الطرفَين، فطلَب ماجِد كان صبيّة جميلة لا يتعدّى سنّها العشرين سنة، وطلَب أمّي كان إيجاد عريس ثريّ لابنتها ولا صفات أخرى.
لَم ألتقِ بأهل وأصدقاء زوجي، وهو شرَحَ لي أنّ السبب هو الحفاظ على شعور زوجته وأولاده، فلَم يكن مِن اللائق أن يعرضَ للناس عروسه الجديدة هكذا، بل مِن الأفضل إعطاء بعض الوقت للجميع للاعتياد على الأمر. فآخِر ما أرادَه كان المشاكل، فبزواجه منّي، هو سعى وراء راحة البال والاستمتاع بجمالي ورقّتي… وشبابي. لَم أفهَم مدى معنى ما قالَه، ولَم أستَوعِب أنّ أفكاري وأحلامي وكياني لَم يكونوا محسوبين في المُعادلة.
أرَدتُ أن أُنجِبَ مِن زوجي، إلّا أنّه رفَضَ ذلك، مُتحجِّجًا بِسنّه وبأنّ لدَيه أولادًا بالفعل. إضافةً إلى ذلك، وجود طفل كان سيُعيقُ استمتاعنا بوقتنا. وما هو أهمّ، سيتغيّرُ قوامي بشكل كبير. سكتُّ لأنّني لا أستطيع الإنجاب لوحدي، ولأنّ أمّي قالَت بشأن الموضوع: “لا تخافي، سيُغيّر رأيه مع الوقت. وهو على حقّ، عليكما أن تستمتِعا بوقتكما قدر الإمكان”. أمّا في ما يخصّ أبي، فهو بقيَ يهزُّ برأسه ويُردِّد: “أنا لا أحبُّ ذلك الرجُل… ولستُ مُرتاحًا لهذه الزيجة”.
كان قد مرَّ على زواجي حوالي الستّة أشهر حين دقَّت بابي سيّدة وطلبَت أن تُكلّمني. في البدء، خفتُ أن تكون زوجة ماجِد، وأنّها آتية لإحداث مُشاجرة معي، إلّا أنّ المرأة كانت مالِكة المبنى وتُريدُ قبض الإيجار. فسألتُها حين أدخَلتُها:
ـ الإيجار؟ زوجي يملكُ هذه الشقّة!
ـ بل هو استأجرَها منذ أقلّ مِن سنة ويدفعُ لي إيجارها شهريًّا، إلّا أنّه تخلَّفَ عن الدفع لِشهرَين مُتتاليَين.
ـ أنتِ حتمًا مُخطئة، فزوجي رجُل ثريّ وهو أكَّدَ لي أنّه يملكُ هذا المكان. على كلّ الأحوال، سأخبِره بمجيئكِ وهو سيحلُّ هذا اللغط.”
إتّصلتُ على الفور بماجِد وأطلعتُه على ما جرى، وهو ضحِكَ وحسب. إنتظَرتُ عودته في المساء ليشرَحَ لي ما يحدث، إلّا أنّه طلَبَ منّي عدَم الإصرار، فهو سيهتمّ بالتكلّم مع المرأة. وفي تلك الفترة بالذات، خفَّ ذهابنا إلى المطاعم وكذلك المصروف الذي كان يُعطيني إيّاه زوجي، واختفَت الهدايا. فهِمتُ أنّ ماجِد قد يكون مارًّا بفترة مادّيًّة صعبة، فسكتُّ طبعًا. لَم أقُل شيئًا لأهلي، أوّلًا لأنّه موضوع يخصُّ زوجي، وثانيًّا خوفًا مِن شماته والِدي بي.
ما جرى بعد ذلك شبيهٌ بالكابوس، وتمنَّيتُ حقًّا أن أكون أحلمُ، وأنّني سأستَيقِظ بسرعة لأكتشِف أنّ حياتي تجري كما قَبل يوم واحِد.
فذات مساء، قالَ لي ماجِد بطريقة أدهشَتني مِن حيث راحته بالكلام، وعدَم مُحاولته إيجاد طريقة مُناِسبة لاختيار ألفاظه:
ـ لقد انتهَت المُغامرة.
ـ أيّة مُغامرة؟
ـ زوّاجنا. إنتهى.
ـ عمّا تتكلّم؟ ماذا يجري؟ هل هذه دعابة؟!؟
ـ لا. ستصلُكِ أوراق الطلاق قريبًا. عليكِ إخلاء الشقّة بأسرع وقت كي لا أدفَع إيجارًا إضافيًّا. أشكرُكِ على الوقت المُمتِع الذي قضَيتُه معكِ، لكن حان الوقت لأعودَ إلى عائلتي.
ـ هل جُنِنتَ؟!؟ ما هذا الكلام؟؟؟
ـ إنّها الحقيقة. لقد أعطَيتُكِ فرصة عَيش حياة الرخاء، أخذتُكِ إلى أماكن لن ترَيها في حياتكِ، واشترَيتُ لكِ ما تطلبه نفسكِ. وأنا جدّدَتُ شبابي لفترة وتمتَّعتُ بِجسَدكِ اليافِع. كلانا استفادَ مِن الآخَر وحصَلَ على مراده.
ـ زواجنا ليس لعبة!
ـ بل الحياة لعبة، يا عزيزتي! فلقد لعِبتُ باللوتو وربِحتُ مبلغًا كبيرًا، ففكّرتُ في أفضل طريقة لِصرف هذا المال، وهو أن أقضي وقتًا مُمتِعًا مع صبيّة جميلة. والحلّ الوحيد كان الزواج!
ـ ربِحتَ مالًا؟؟؟ لستَ ثريًّا؟
ـ أبدًا… أنا موظّف بشركة عاديّة ولا أملكُ شيئًا آخَر.
ـ وزوجتكَ؟ وأولادكَ؟
ـ قلتُ لهم إنّني مُسافِر إلى بلَد آخَر بداعي العمَل لفترة سنة، ولقد وضعتُ بعض مِمّا ربحتُه جانِبًا مِن أجلهم كي يُصدّقوا أنّني أجني شيئًا مِن سفرَتي. إنّهم يعيشون في الطرَف الآخر مِن البلاد ولا يُدِركون أبدًا ما فعلتُه. بقيتُ أذهب إلى عمَلي لكن في فرع موجود في هذه المنطقة، بعد أن قدَّمتُ طلَبًا للالتحاق به بدافِع التدريب، وهم قبِلوا طلَبي. كلّ شيء سارَ كما خطّطتُ له، والحمد لله!
ـ أنا لا أُصدّقُكَ! فمَن يفعَلُ ذلك؟؟؟ فقط معدومو الأخلاق يخطرُ ببالهم هكذا خطّة ويُقدِمون على تنفيذها!
ـ ومَن قال لكِ أنّ لدَيّ أخلاقًا؟ على كلّ الأحوال، أنتِ وأهلكِ لستم أفضل منّي، فقد أسرَعتم بالقبول حالما عرَفتم أنّني ثريّ. هل سألَ أحدُكم عنّي؟ هل أخذتِ وقتكِ لِتعرفيني أكثر؟ هل أحبَبتِني؟ بل غشَّتكِ المظاهر وأقدَمتِ على ربط حياتكِ برجُل لا تعرفين شيئًا عنه سوى رصيده المصرفيّ. هيّا، خذي أمتعتكِ وارحَلي، واشكري ربّكِ على زوج أعطاكِ ما لن تملكيه في حياتكِ!
ـ أنتَ إنسان قذِر!!!
ـ وأنتِ فتاة وصوليّة وغبيّة!”.
لدى عودتي باكية إلى أهلي، أرادَ أبي قتل ماجِد لكثرة غضبه. أمّا أمّي، فسكتَت لأيّام طويلة، بينما قضَيتُ وقتي مُختبئة في البيت أُحاوِل استيعاب ما حصَل.
إختفى ماجِد ولَم تستطِع “الزوّاجة” إطلاعنا على مكانه لأنّها، بكلّ بساطة، قالت إنّها لا تعرفُ شيئًا عنه، إذ أنّها اكتفَت بتصديق كلامه وقَبض ماله. وجدتُ عمَلًا فقط للخروج مِن البيت والاختلاط بالناس كَي لا أفقِدَ صوابي، واختلقَت والِدتي قصّة تُفسِّر طلاقي، لإقناع الناس الذين بدأوا يتكلّمون عنّي ويتّهموني بأنّني حتمًا السبب بِترك زوجي العظيم لي. أمّا أبي، فهو فضَّلَ السكوت بعد أن أفرَغَ غضبه علينا لفترة، فلو استمَعنا إليه لمَا حدَث ما حدَثَ. فهو كان على حقّ، باعَتني أمّي، وأنا بِعتُ نفسي، ولا يجب الاستهانة بقوّة إغراء المال أبدًا.
