(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
كنتُ آنذاك مخطوبة لِشابّ اسمه أدهم، وكنّا مُتحابَّين كثيرًا. للحقيقة، لَم يكن هناك أيّ خطَب في علاقتنا، فلَم نتشاجَر يومًا حتّى على أمور صغيرة، فقد عمَّ التفاهم أيّامنا. في كلمة، كنّا بالفعل نُكمِّل بعضنا. وفي الفترة التي كانت ستسبِق زواجنا، دخَلَ بهاء حياتي مِن حيث لا أدري.
فأوّل يوم رأيتُ فيه بهاء، كنتُ مُنشغِلة كعادتي في تفحّص البضاعة الموجودة في صالة العرض حيث أعمَل، ولَم أنتبِه له حين وقَفَ قُبالتي وأخَذَ يتفرَّج عليّ وأنا أعمَل. وحين استدَرتُ، أطلقتُ صرخة صغيرة وهو ضحِكَ قائلًا:
ـ لقد أخفتُكِ، أليس كذلك؟ أنا آسِف.
ـ لا عليكَ، سيّدي. لكنّ الوقت مُبكِر لدخول الزبائن. كيف يُمكنُني مُساعدتكَ؟”.
واكَبتُ الشاب بين الرفوف حيث وجَدَ طلبَه، ودفَعَ، وغادَرَ بعد أن شكرَني وابتسَمَ لي بسمة عريضة. عدتُ إلى عمَلي ونسيتُ الموضوع، لكنّه رجِعَ في اليوم التالي ليطلبَ غرَضًا آخَر، وأنا التي ساعدتُه كما في اليوم السابِق، لأنّني أصِلُ إلى المحلّ قَبل باقي الموظّفين. تبادَلَ بهاء معي بضع جُمَل، وأعطاني بسمته العريضة ثمّ خرَجَ.
بقيَ الشابّ يأتي إلى المحلّ يوميًّا، إلى حين سألتُه عن حقيقة مجيئه، إذ أنّ الأغراض التي اشتراها كانت غير مُرتبِطة ببعضها، بل عشوائيّة. وهو أجابَ:
ـ إسمي بهاء وأنا مُعجَبٌ بكِ… فلقد رأيتُكِ في إحدى المرّات هنا في المحلّ، وقرّرتُ المجيء يوميًّا لأتعرّفَ عليكِ أكثر.
ـ شكرًا لاهتمامكَ بي، سيّدي، إلّا أنّني مخطوبة وسأتزوّج قريبًا.
ـ حصَلَ كثيرًا أن تتركَ الصبايا خطيبهنّ لتتزوّجنَ مِن آخَر!
ـ هذا لن يحصل معي، فأنا أحبُّه كثيرًا. مِن فضلكَ، أتركني وشأني.
ـ حسنًا… أنتِ تُحبّينه، وأنا لا أزال مُصِرًّا عليكِ! سنرى مَن سيفوزُ بكِ، أنا أم خطيبكِ!
ـ أنتَ تُضيع وقتكَ، صدّقني!”.
إكتفى بهاء بالابتسام ورحَلَ.
كنتُ مُستاءة كثيرًا مِن الذي حصَل، لكنّ إصرار بهاء عليّ أشعرَني بالفخر، إذ أنّني اشتَقتُ لأن يتغزّل شابّ بي بعد أن توقّفَ خطيبي عن ذلك منذ فترة. في البدء، هو كان يقولُ لي على الدوام كَم أنّني جميلة وكَم يُحبُّني، إلى حين بدأ يخفّ حماسه، على الأقلّ ظاهريًّا. لكنّه بقيَ يتكلَّم عن الزواج وعن التخطيط لحياتنا سويًّا.
نسيتُ موضوع بهاء، خاصّة أنّه لَم يأتِ إلى المحلّ في الفترة التي تلَت. لَم أقُل شيئًا لأدهم كَي لا يظنّ أنّني مُعجبة بذلك الشابّ، فبالفعل كنتُ مغرومة بالذي كان سيصبح زوجي قريبًا. فكيف لا أحبُّه وهو كان إنسانًا وسيمًا ومُثقّفًا وابن أناس معروفين في المنطقة. أبوه طبيب ماهِر وأمّه سيّدة مُجتمع. أمّا بالنسبة لأهلي، فهم أناس عاديّون جدًّا، ولَم أتصوّر أن يُقرِّر أدهم أن يتزوّج مِن غير طبقته الاجتماعيّة. عارَضَ ذووه في البدء، لكن عندما تعرّفوا إليّ جيّدًا، أحبّوني حقًّا ورحبّوا بي وسطهم. وحده أخوه كان ينظرُ إليّ بِرَيبة كلّما اجتمَعَ بي، ولَم يخفِ يومًا امتعاضه مِن ضمّي إلى العائلة. وحصَلَ أنّ وقَعَ شجارٌ بينه وبين أدهم لهذا السبب، وشعرتُ بالذنب إذ أنّ الأخَين كانا على وفاق تام قَبل مجيئي. طمأنَّني خطيبي بهذا الشأن قائلًا إنّ أخاه سيعتاد على الأمر ويتعلّم قبولي بطيبة خاطِر.
بعد حوالي الأسبوع، تفاجأتُ ببهاء يتنظرُني أمام بيتي مساءً حين عدتُ مِن العمَل، فصرختُ به أنّه لا يجوز أن يُلاحقَني هكذا بعد أن أفهمتُه بأنّني لا أُريدُه. هو اعتذرَ منّي بحرارة وردَّ السبب لانجذابه القويّ لي الذي أفقدَه مبادئ اللياقة. سألتُه كيف علِمَ أين أسكن، وهو أجابَ أنّه تبِعَني في إحدى المرّات بعد انتهاء دوامي. عندها قلتُ له:
ـ سأخبِرُ خطيبي بالأمر! إنّه شابّ قويّ البُنية وسيُلقّنُكَ درسًا أليمًا!
ـ وهل يُطاوعُكِ قلبكِ أن تتسبَّبي لي بالألَم؟
ـ أجل! أعني… عادةً لا أتمنّى لأحَد الأذيّة، لكنّكَ تخطَّيتَ حدودكَ معي!
ـ أنا آسِف… حسنًا… لن ترَيني بعد اليوم، أعدُكِ بذلك!”.
رحَلَ بهاء وشعرتُ بالأسى حيال ما قلتُ له… ولِفكرة عدَم رؤيتُه مُجدّدًا. لا تُسيؤوا فهمي، فلَم أكن أريدُه، لكنّنّي أحبَبتُ رومانسيّة الموقف، ولا أكثر.
قرّرتُ أن أُخبِرَ أدهم عن الأمر لو حصَلَ أن رأيتُ بهاء مُجدّدًا، فلَم أكن أُريدُ أن يُعكِّر شيءٌ صفوَ مشروع زواجنا. على كلّ الأحوال، لَم أكن أرى خطيبي كثيرًا في الأواني الأخيرة، إذ أنّه كان مشغولًا بالشركة التي كان يؤسّسُها مع أخيه والتي كانت ستُساهِم بِبناء مُستقبلنا.
وبعد أيّام قليلة على لقائي بالصدفة بِبهاء، جاءَني اتّصال مِن أخ أدهم:
ـ لقد رأيتُكِ مع شابّ ليلًا بالقرب مِن منزلكِ… كنتُ مُتأكِّدًا مِن أنّكِ غير مُناسِبة لعائلتنا، فأنتَ خائنة رخيصة!
ـ أوّلًا، لا أسمَح لكَ بالتكلّم هكذا معي وعنّي، وثانيًا أنا لا أخونُ أدهم، بل ذلك الشابّ كان يسأل عن طريقه فساعدتُه.
ـ أنتِ تكذبين! رأيتُكِ تبتسمين له وهو كان يُغازلُكِ!
ـ وهل تقرأ الأفكار عن بُعد؟ أم أنّكَ تُريدُ تلفيق تهمة لي لِتتخلّص منّي؟ ماذا فعلتُ لكَ؟؟؟ دَعني وشأني، فأنا أحبُّ أخاكَ كثيرًا ولا يمكنُ أن أخونَه أبدًا!
ـ سأكتشِف الحقيقة وأفضحُكِ!”.
خفتُ كثيرًا أن يُحاوِلَ بهاء أن يراني ويتسبَّبَ لي بِفقدان خطيبي، فأخذتُ إجازة مرضيّة مِن العمَل وحبَستُ نفسي في البيت. حاولَت أمّي معرفة السبب، لكنّني لَم أقُل لها الحقيقة خوفًا مِن توبيخها لي، فكنتُ أعلَم ما ستقوله لي، وهو أنّ كان يجدرُ بي إخبار خطيبي عن مُلاحقة ذلك الشابّ لي.
وكَم كانت مُفاجأتي كبيرة حين تلقَّيتُ اتّصالًا على هاتفي الخاصّ مِن بهاء! بدأتُ أصرخُ به ليتركني وشأني، فقالَ:
ـ سامحيني، لكن حين لَم أعُد أراكِ تذهبين إلى المحلّ، خفتُ عليكِ، فطلَبتُ رقمكِ منهم بحجّة أنّ عليّ إيصال طرد مُهمّ لكِ.
ـ أخ خطيبي رآكَ معي أمام المنزل، فاتّصَلَ بي مُهدِّدًا ومُستخدِمًا ألفاظًا بشِعة معي.
ـ ماذا قالَ لكِ؟؟؟
ـ قالَ إنّني خائنة رخيصة! هل هذا ما تُريدُه؟ هل أستحِقّ هذا اللقَب في حين أُردِّدُ لكَ منذ اليوم الأوّل أنّني مخطوبة وأحِبّ خطيبي وأنّني لا أُريدُكَ؟؟؟
ـ للحقيقة لا… أنا آسِف… لَم أتصوّر أنّ ذلك سيحصل، فلَم يكن ذلك ضمن الاتّفاق!
ـ ماذا قلتَ؟!؟
ـ لا شيء، ل اشيء!”.
أقفَلَ بهاء الخط بسرعة وحظرَني بلحظة. جلَستُ أُحلِّل، ووصلتُ إلى نتيجة لَم أجِد سواها: كان لقاء بهاء بي مُدبَّرًا مِن قِبَل أحَد. لكن مَن؟ لَم يخطُر ببالي طبعًا سوى أخ خطيبي الذي لَم يُحبّني منذ الأوّل، والذي “صادَفَ” أن رآني واقِفة مع بهاء في ذلك المساء. غضِبتُ كثيرًا، فذلك الماكِر حاوَلَ الإيقاع بي وإثبات قلّة أخلاقي ليمنَع زواجي. أخذتُ الهاتف وخابَرتُ أدهَم على الفور وقصَّيتُ له كلّ ما حدَثَ منذ الأوّل.
ردّة فعل خطيبي فاجأتني، إذ أنّه بقيَ يسألُني لماذا لَم أخبِره عن بهاء حالَما جاءَ أوّل مرّة إلى المحلّ، وفي المرّات التالية. قلتُ له إنّني لَم أشأ إزعاجه بمسالة كان بإمكاني حلّها. وأضفتُ:
ـ الأمر ليس بأهمّيّة ما فعلَه أخوكَ! هل هذا كلّ ما لدَيكَ لِتقولَه؟ تُلقي اللوم عليّ أنا؟؟؟ لَم أفعَل شيئًا مُشينًا، بل العكس، بقيتُ أصدُّ ذلك الشابّ! إسأله! إسأل أخاكَ أيضًا!
ـ أوّلًا، ليس لدَيكِ دليل بأنّ أخي أرسَلَ بهاء لكِ. ثانيًا، أرى أنّه كان على حقّ في ما يخصّكِ، فأنتِ لستِ جديرة بي.
ـ جديرة بكَ؟ ومَن تكون؟!؟
ـ أنا أفضل منكِ بكثير، فأبي…
ـ تبًا لكَ! تتباهى بإنجازات غيركَ؟ ماذا فعلتَ أنت حتّى الآن؟ فلقد عشتَ مِن المصروف الذي تتقاضاه مِن أهلكَ! أمّا أنا، فأعمَل بعد أن أنهَيتُ دراستي وأصرفُ على نفسي مِمّا أجنيه مِن عرَق جبيني! أنتَ الذي ليس جديرًا بي! فتُصدِّقُ أيًّا كان مع أنّكَ تعلَم تمام العِلم كَم أحبُّكَ! أو كَم كنتُ أُحبُّكَ! فأنا أفسخُ الآن خطوبتي بكَ، ولتذهب إلى الجحيم، أنتَ وأخوكَ!”.
أقفَلتُ الخط بغضب وبدأتُ أبكي بحرارة. ففي لحظة انهارَت كلّ أحلامي، ولَم أعُد أعلَم ما الذي حَدثَ بالفعل لِيَنقلِبَ عليّ أدهم هكذا!
مرَّ حوالي الشهر حين تلقَّيتُ اتّصالًا مِن بهاء. تردَّدتُ لبضع ثوانٍ ثمّ أجبتُه:
ـ ماذا تُريدُ؟!؟ ألَم يكفِكَ ما حصَلَ؟ فلقد فسختُ خطوبتي بسببكَ!
ـ أنا آسِف، صدّقيني، وأتّصِل بكِ لأُقدِّم لكِ اعتذاري.
ـ هل ضحِكتما كثيرًا عليّ أنتَ وأخ أدهم حين نجحَت خطّطكما؟ بماذا وعدكَ؟ بالمال؟
ـ إنّه صديقي، وهو طلَبَ منّي هذه الخدمة قائلًا إنّكِ إنسانة غير خلوقة. لكنّني وجدتُكِ بالفعل صبيّة رصينة ومُتعلِّقة بخطيبكِ، وهذا ما قلتُه له.
ـ أخ أدهم لدَيه تأثير كبير على أدهم، للأسف.
ـ بل العكس… خطيبكِ السابِق هو صاحِب الفكرة واستعانَ بأخيه ليجِدَ مَن يُنفِّذ الخطّة.
ـ ماذا؟!؟ أدهم صاحِب الفكرة؟؟؟ لكن لماذا؟ فلقد كنّا مُتحابَّين!
ـ ليس تمامًا… في الأواني الأخيرة، وجَدَ أدهم صبيّة مِن عائلة مرموقة، وقرَّرَ أنّها تُناسبه أكثر، لكنّه أحتارَ لكيفيّة فسخ خطوبته معكِ بسبب الناس، وخاصّة أهله الذين أحبّوكِ كثيرًا. إنّه إنسان كسول، ورأى في تلك الصبيّة الثريّة طريقة لِجَني ما يُريد مِن دون عناء. إسمَعي، لا تحزني عليه، فهو بالفعل كان سيقلِبُ حياتكِ إلى جحيم لو تزوّجتِه، وأنا، مِن دون قصد، أنقذتُكِ منه! هل تُسامحيني؟ قولي نعم، أرجوكِ!”.
سامَحتُ بهاء طبعًا، فلَم يكن هو المُذنِب، بل العكس، إذ أنّه بإطلاعي على الحقيقية، ساعدَني على فَهم ما جرى، وتخطّي حزني وحيرتي وإزالة أيّ ذنب مِن بالي.
وكما في الأفلام، حظَيتُ بنهاية سعيدة… مع بهاء! فاليوم نؤلِّفُ عائلة سعيدة مع ابنتنا الصغيرة التي صارَ عمرها سنة ونصف!
